الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مالك بن عوف في قصر لية (1) فلم يأمر بتعقبه أو إزعاجه لأنه كان يطمع في أن يهديه الله للإسلام، وفعلًا، بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ملك هوازن المذكور مبعوثًا خاصًّا يبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعفى عنه وسيعيد إليه أهله وأمواله إن هو دخل في الإِسلام، فأسلم مالك وحسن إسلامه وصار خير عون للإسلام في محاربة من تبقى على الشرك كما سيأتي تفصيله في موطنه من هذا الكتاب.
الرسول ينهى عن قتل النساء والأطفال
ووجدت امرأة مقتولة في المعركة، ونسب إلى القائد خالد بن الوليد قتلها، فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة القتيلة وكانت من المشركين. قال: ما كانت هذه لتقاتل. ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه بأن يدرك خالدًا ويقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة وعسيفًا (2). كذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من هوازن مقتولة، فسأل (مستنكرًا) عنها فقال رجل من الجيش: أنا قتلتها يا رسول الله، أردفتها ورائى فأرادت قتلى فقتلتها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفنها فدفنت (3).
تصفية جيوب مقاومة هوازن
ورغم انهزام هوازن في حنين فإن بعضًا من رجالها قد عسكروا بوادى: (أوطاس) محاولين إعادة تنظيمهم بغية الصمود في وجه المسلمين من جديد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه بتعقب المنهزمين ومطاردتهم. وكان هو صلى الله عليه وسلم على رأس القوات المتحركة للمطاردة حتى وصل الطائف فحاصرها.
ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم تجمع بعض عسكر المشركين بوادى (أوطاس) بعث لمقاتلتهم والقضاء على مقاومتهم سرية بقيادة أبي عامر الأشعري (4) عم
(1) مغازي الواقدي ج 3 ص 917 وسيرة ابن هشام ج 4 ص 97 والبداية والنهاية ج 4 ص 336 - 377.
(2)
العسيف هو الشيخ الفاني وقيل هو الأجير.
(3)
البداية والنهاية ج 4 ص 336 ومغازي الواقدي ج 3 ص 912 ومسند أحمد والنسائي.
(4)
أبو عامر الأشعري اسمه عبيد بن سليم بن حضار، وهو عم أبي موسى الأشعري، كان من كبار الصحابة، كان من السابقين الأولين في الإِسلام ذكره ابن قتيبة فيمن هاجر إلى الحبشة. وذكر أنه كان قد عمى ثم أبصر. قتل شهيدًا كما هو مفصل في كتابنا هذا.
أبي موسى الأشعري (1) فحمل أبو عامر لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تقدم لمهاجمة المشركين في أوطاس.
وهناك اصطدم بجماعة من هوازن كانوا قد تحصنوا في أماكن استراتيجية من الوادي وثبتوا للقتال، وبارزوا المسلمين حتى قتل منهم تسعة مبارزة. قتلهم بيده قائد السرية أبو عامر الأشعري الذي استشهد في النهاية.
فقد قال أصحاب السير والمغازى: لما انهزم الناس أتوا الطائف، وعسكر منهم عسكر بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة (2). فبعث إليهم الرسول من يقاتلهم وعقد له لواءًا، فكان معه في ذلك البعث سلمة بن الأكوع (3) فكان يحدث يقول: لما انهزمت هوازن، عسكروا بأوطاس (4) عسكرا عظيمًا تفرق منهم من تفرق، وقتل من قتل وأسر من أسر فأتيناهم إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون. وذكر ابن إسحاق، أن من بين مشركي هوازن هؤلاء عشرة إخوة كلهم بارزوا أبا عامر الأشعري فقتل تسعة منهم ثم استشهد في النهاية رحمه الله.
فقد جاء في سيره ابن هشام والواقدى أن أبا عامر الأشعري (وهو قائد
(1) أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن علي بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب، كان أبو موسى من السابقين الأولين في الإسلام، وكان أبو موسى قدم مكة فحالف سيد قريش أبا أحيحة سعيد ن العاص بن أمية، وكان قدومه مع إخوته في جماعة من الأشعريين. أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة. كذا قال ابن إسحاق. وبعضهم يقول: إنه لم يهاجر إلى الحبشة. وإنما صادف مجيئه من اليمن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مجئ جعفر. وأصحابه عن الحبشة فقدموا معًا في سفينتين على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في خيبر، كان أبو موسى من أعيان الصحابة. استعمله عمر بن الخطاب على البصرة، وقد شهد أبو موسى وفاة أبي عبيدة بن الجراح في الشام كان أبو موسى من أعيان القادة المشركين في فتوح الشام والعراق. وكان هو الذي بالاشتراك مع عمر بن سعد بن أبي وقاص - فتح حران ونصيبين في العراق، كذلك فتح أبو موسى الأشعري الأهواز وأصبهان بفارس في عهد عمر بن الخطاب، اعتزل أبو موسى الأشعري الفتنة المؤسفة التي حدثت بين الصحابة. وكان أحد الحكمين في الخلاف الدامى الذي نشب بين أمير المؤمنين علي ومعاوية بن أبي سفيان. توفي أبو موسى بمكة عام 42 هـ وقيل توفي بالكوفة وهو ابن ثلاث وستين سنة.
(2)
وادي نخلة: واد كبير مشهور وهو المسمى، (اليمانية) تصب فيه روافد كثيرة.
(3)
انظر ترجمة سلمة بن الأكوع في كتابنا (صلح الحديبية).
(4)
أوطاس. قال في مراصد الاطلاع: واد في ديار هوازن.
السرية) لقى من ضمن عسكر هوازن عشرة إخوة طلب كلهم المبارزة، فبرز الأول. فقال من يبارز؟ فبرز له أبو عامر الأشعري (وهو يقول: اللهم اشهد عليه) فقتله أبو عامر، ثم برز آخر فحمل على أبي عامر الأشعري (وهو يدعوه إلى الإِسلام، ويقول اللهم اشهد عليه) فقتله أبو عامر. ثم برز آخر من الإخوة العشرة فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون على أبي عامر رجلا رجلا ويحمل أبو عامر، وهو يقول: اللهم اشهد. حتى قتل تسعة. وبقى العاشر، فحمل على أبي عامر، وهو يدعوه إلى الإِسلام، ويقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل (المشرك]): اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، أسلم بعد فحسن إسلامه. فكان رسول الله إذا رآه قال: هذا شريد أبي عامر.
وأثناء القتال رمى رجل من بني جُشَم أبا عامر بسهم فأثبته في ركبته، فانتهى إليه أبو موسى الأشعري فقال: من رماك يا عم؟ فأشار أبو عامر لأبي موسى إلى الرامى، فقال: إن ذاك قاتلى تراه ذلك الذي رمانى.
قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولى عني ذاهبا، فاتبعته، وجعلت أقول له.: ألا تستحى، ألست عربيًّا، ألا تثبت، فكر، فالتقيت أنا وهو، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فضربته بالسيف ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء. فقال: يا بن أخي انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام، وقل له: استغفر لي، واستَخلفَني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرّمل وعليه فراش، قد أثّر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقوله: قل له: استغفر لي، قال فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال:(اللهم اغفر لعبيد أبي عامر) ورأيت بياض إبطه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس، قال أبو موسى فقلت: ولى فاستغفر، فقال:(اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا)(1).
(1) البداية والنهاية ج 4 ص 339 وسيرة ابن هشام ج 4 ص 99 - و 100 وتاريخ الطبري ج 3 =