الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفسّر بالتّقوى، وفسّر بالعمل الّذي يقرّب إلى الله، والجميع حقّ، فقد روي مرفوعا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه فسّر البرّ بالإيمان وجاء فى الأثر أنّ رجلا جاء إلى أبي ذرّ فسأله عن الإيمان فقرأ الاية السّابقة لَيْسَ الْبِرَّ
…
إلخ الاية فقال الرّجل: ليس عن البرّ سألتك، فقال (أبو ذرّ) : جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله عن الّذي سألتني عنه، فقرأ الّذي قرأت عليك، فقال له الّذي قلت لي، فلمّا أبى أن يرضى قال له: إنّ المؤمن الّذي إذا عمل الحسنة سرّته، ورجا ثوابها، وإذا عمل السّيّئة ساءته وخاف عقابها «1» . والرّسول صلى الله عليه وسلم يشير في هذا الحديث إلى ما يسبّبه فعل الحسنة أو الخير من إحساس نفسيّ بالسّعادة، وما يعقبه من راحة قلبيّة غامرة، الأمر الّذي يعكس بدوره فاعليّة الإيمان- وكذلك البرّ الّذي بمعناه- في تنمية قوّة الشّعور بالالتزام الخلقيّ تجاه عمل الخير، كما ترى أبعاد هذا الشّعور لدى النّفس المؤمنة، حتّى إذا ما عمل هذا المؤمن عملا خلقيّا فاضلا، ظهرت عليه الاثار النّفسيّة النّاتجة عن إنجاز ذلك العمل من سرور وسكينة، والأمر بالعكس بالنّسبة لفعل السّيّئة أو الشّرّ، لأنّ الأصداء النّفسيّة الّتي يسبّبها تراخي قبضة الإلزام الخلقيّ، والتّهاون فيه، تظهر سماتها في مظاهر الحزن والهمّ والقلق الّتي تبدو لدى المؤمن «2» .
أنواع البرّ:
والبرّ نوعان: صلة، ومعروف.
فأمّا الصّلة: فهي التّبرّع ببذل المال في الجهات المحدودة لغير عوض مطلوب، وهذا يبعث عليه سماحة النّفس وسخاؤها، ويمنع منه شحّها وإباؤها قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر/ 9) .
وأمّا النّوع الثّاني من البرّ فهو: المعروف: ويتنوّع أيضا نوعين: قولا وعملا. فأمّا القول: فهو طيب الكلام وحسن البشر، والتّودّد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورقّة الطّبع، ويجب أن يكون محدودا كالسّخاء؛ فإنّه إن أسرف فيه كان ملقا مذموما وإن توسّط واقتصد فيه كان معروفا وبرّا محمودا.
وأمّا العمل: فهو بذل الجاه والمساعدة بالنّفس والمعونة في النّائبة، وهذا يبعث عليه حبّ الخير للنّاس وإيثار الصّلاح لهم، وليس في هذه الأمور سرف ولا لغايتها حدّ بخلاف النّوع الأوّل؛ لأنّها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين: نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذّكر، ونفع على المعان بها في التّخفيف عنه والمساعدة له «3» .
وجوه استعمال البر في القرآن الكريم:
ورد البرّ في القرآن الكريم على أوجه منها:
أوّلا: البرّ بالفتح أربعة:
الأوّل: بمعنى الصّادق جلّ اسمه وعلا:
إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (الطور/ 28 مكية) .
(1) الفتاوى 7/ 181.
(2)
النظرية الخلقية عند ابن تيمية لمحمد عبد الله عفيفي ص 91- 92.
(3)
أدب الدنيا والدين للماوردي (184 و200- 215) .
الثّاني: في مدح عيسى عليه السلام:
وَبَرًّا بِوالِدَتِي (مريم/ 32 مكية) .
الثّالث: في مدح يحيى بن زكريّا:
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
(مريم/ 14 مكية) .
الرّابع: في ساكني ملكوت السّماء:
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرامٍ بَرَرَةٍ (عبس/ 15، 16 مكية) .
ثانيا: أمّا البرّ بالكسر فأربعة:
الأوّل: بمعنى البارّ:
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ (البقرة/ 177 مدنية) الثّاني: بمعنى الخير:
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (آل عمران/ 92 مدنية) .
الثّالث: بمعنى الطّاعة والخير:
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ (البقرة/ 44 مدنية) الرّابع: بمعنى تصديق اليمين:
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا (البقرة/ 224 مدنية) .
وقد جاء البرّ في معنى صلة الرّحم:
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ (الممتحنة/ 8 مدنية) . أي تصلوا أرحامكم «1» .
قال الماورديّ- رحمه الله: إنّ البرّ من أسباب الألفة: لأنّه يوصّل إلى القلوب ألطافا يثنّيها محبّة وانعطافا، ولذلك ندب الله تعالى إلى التّعاون به، وقرنه بالتّقوى له، فقال سبحانه وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى (المائدة/ 2) لأنّ له في التّقوى رضا الله تعالى، وفي البرّ رضا النّاس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا النّاس، فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته.
[للاستزادة: انظر صفات: الإنفاق- بر الوالدين- التقوى- حسن الخلق- حسن المعاملة- حسن العشرة- الصدقة- صلة الرحم- التقوى.
وفي ضد ذلك: انظر صفات: قطيعة الرحم- عقوق الوالدين- البخل- الشح- سوء الخلق- سوء المعاملة] .
(1) بصائر ذوي التمييز (2/ 211)