الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويتقنها، فهو فعيل بمعني مفعل، وقيل: الحكيم ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصّناعات ويتقنها: حكيم، والحكيم يجوز أن يكون بمعنى الحاكم مثل قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم «1» .
وقال الزّجّاج: فالله تعالى، هو الحاكم، وهو الحكم بين الخلق؛ لأنّه الحكم في الآخرة ولا حكم غيره. والحكّام في الدّنيا إنّما يستفيدون الحكم من قبله تعالى علوّا كبيرا «2» .
الحكم بما أنزل الله اصطلاحا:
الحكم: هو سياسة النّاس والقضاء بينهم وتدبير أمورهم طبقا للأحكام الشّرعيّة.
والحكم بما أنزل الله هو العمل بالحكم الشّرعيّ، الّذي عرّفه الجرجانيّ بقوله: هو عبارة عن حكم الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين.
وقال المناويّ: الحكم عند الأصوليّين خطاب الله تعالى المتعلّق بفعل المكلّف من حيث كونه كذلك.
وقال الكفويّ: الحكم (في الشّرع) هو خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التّخيير، وهو مدلول الأمر والنّهي والإيجاب والتّحريم ويسمّى هذا بالاختصاصات الشّرعيّة، وأثر الخطاب المترتّب على الأفعال الشّرعيّة يسمّى بالتّصرّفات المشروعة، وهو نوعان:
الأوّل: دنيويّ كالصّحّة في الصّلاة، والملك في البيع.
والآخر: أخرويّ كالثّواب والعقاب، وجميع المسبّبات الشّرعيّة عن الأسباب الشّرعيّة، كلّ ذلك محكوم لله تعالى ثبت بحكمه وإيجاده وتكوينه.
والحكم الشّرعيّ ما لا يدرك لولا خطاب الشّارع، سواء ورد الخطاب في عين هذا الحكم، أو في صورة يحتاج إليها هذا الحكم كالمسائل القياسيّة، إذ لولا خطاب الشّارع في المقيس عليه لا يدرك الحكم في المقيس «3» .
شمولية الحكم بما أنزل الله:
إنّ الحكم بما أنزل الله يتضمّن إعمال شريعة الإسلام في كلّ ما يتعلّق بأمور العباد والبلاد في المعاملات، والجنايات والعلاقات الدّوليّة والتّجاريّة، وما أشبه ذلك ممّا يعرف بالقوانين الحاكمة، كلّ ذلك ينبغي أن يكون بما أنزله الله في كتابه، أو جاءت به السّنّة الّتي تبيّن للنّاس ما نزّل إليهم مصداقا لقوله تعالى وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل/ 44)، وقوله عزّ من قائل: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل/ 89) .
ويقتضي ذلك أن تكون الأحكام الّتي وردت بها السّنّة الشّريفة ممّا أنزل الله؛ لأنّها بيان لما أنزله- عزّ
(1) لسان العرب (12/ 140- 141) .
(2)
تفسير أسماء الله الحسنى لأبى إسحق الزجاج، (44) . ومعنى من قبله تعالى: أي من قبل اتباع أحكامه وشرعه الذي أنزله على الرسل في الكتب السماوية الصحيحة.
(3)
باختصار وتصرف يسير عن المراجع الآتية: التعريفات للجرجاني (97) ، والتوقيف على مهمات التعريف للمناوي (145) ، والكليات للكفوي (381) .
وجلّ- يقول الإمام الشّافعيّ: ومن البيان (المشار إليه في الآية الكريمة) ما سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ممّا ليس فيه نصّ حكم إذ قد فرض الله في كتابه طاعة نبيّه صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى حكمه، فمن قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبفرض الله قبل «1» .
ويتضمّن الحكم بما أنزل الله أيضا الحكم بما أجمعت عليه الأمّة أو قيس على حكم جاء به الكتاب أو أوردته السّنّة. يقول صاحب المقاصد العامّة للشّريعة الإسلاميّة: عرّف الأصوليّون الحكم الشّرعيّ بأنّه خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التّخيير أو الوضع «2» .
أمّا الاقتضاء؛ فإنّه يتناول اقتضاء الوجود واقتضاء العدم، إمّا مع الجزم، أو مع جواز التّرك، فيتناول الواجب والمحظور، والمندوب، والمكروه.
وأمّا التّخيير فهو الإباحة «3» .
وأمّا الوضع فهو جعل اللّفظ دليلا على المعنى، والمراد به هنا: جعل الله الشّيء سببا أو شرطا أو مانعا صحيحا أو فاسدا.
والحكم الشّرعيّ نوعان: تكليفيّ ووضعيّ، ولكلّ منهما أقسام، أمّا أقسام التّكليفيّ فخمسة:
الإيجاب والنّدب، والتّحريم والكراهة والإباحة، وأقسام الحكم الشّرعيّ الوضعيّ المتعلّق بأفعال المكلّفين قد يكون طلبا أو تخييرا، وقد يكون جعلا للشّيء سببا أو شرطا أو مانعا وهو خطاب الوضع وقد اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (المائدة/ 44) : هل هي في المسلمين أو في الكفّار؟ فروي عن الشّعبيّ أنّها في المسلمين، وروي عنه أنّها في اليهود، وروي عن طاوس أيضا أنّها في المسلمين، وأنّ المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنّه ليس الكفر المخرج من الملّة، وروي عن ابن عبّاس في هذه الآية أنّه قال: ليس الكفر الّذي تذهبون إليه، رواه عنه ابن أبي حاتم والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه، قاله ابن كثير.
قال بعض العلماء: والقرآن العظيم يدلّ على أنّها في اليهود؛ لأنّه تعالى ذكر فيما قبلها أنّهم يحرّفون الكلم من بعد مواضعه، وأنّهم يقولون (إن أوتيتم هذا) يعني الحكم المحرّف الّذي هو غير حكم الله فخذوه، وإن لم تؤتوه: أي المحرّف؛ بل أوتيتم حكم الله الحقّ «فاحذروا» ، فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الّذي يعلمون أنّه حقّ.
وقد قال الله تعالى بعدها: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (المائدة/ 45) الآية، فدلّ على أنّ الكلام فيهم، وممّن قال بأنّ الآية في أهل الكتاب ما ذكره البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عبّاس وأبو مجلز وأبو رجاء العطارديّ وعكرمة، وعبيد الله بن
(1) الرسالة (22) .
(2)
المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم (24) .
(3)
المحصول في علم أصول الفقه للرازي (1/ 107)