الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب أحكام المرتدين
قوله: (ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن قتل النساء"، ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة، إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وإنما عدل عنه دفعًا لشر ناجز، وهو الحراب، ولا يتوجه ذلك من النساء، لعدم صلاحية البنية، بخلاف الرجال، فصارت المرتدة كالأصلية).
أصل النهي عن قتل النساء حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى عن قتل النساء والصبيان" رواه الجماعة إلا النسائي، فالنهي قد ورد لسبب خاص، وعمومه قد خص منه المرأة إذا قاتلت في الحرب أو كانت ملكة فإنها تقتل، وكذلك الزانية المحصنة، والقاتلة عمدًا ................
بلا شبهة، وكما ورد النهي عن قتل النساء والصبيان، ورد عن قتل الشيخ الفاني، وأصحاب الصوامع، ولم يمتنع قتل الشيخ الفاني إذا ارتد للنهي عن قتله في الحرب، فكذا المرأة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امرئ مسلم لا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه، وروى الدارقطني "أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت" وقد دخلت في عمومه قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلمًا، ولا يقال إنه قد خص منه الكافر إذا أسلم فإنه لم يدخل
لأن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من بدل دينه الحق، فهو عام بعموم صفته المقدرة، والصفة يجوز تقديرها عند العلم بها، كما في قوله تعالى:{فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} أي على القاعدين من أولي الضرر، بدليل قوله تعالى بعد ذلك:{وكلاً وعد الله الحسنى} ، وفي حديث أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" رواه الخمسة وصححه الترمذي، فقوله: ونحمل معنا القليل من الماء أي العذب، فحذف الصفة ونظائره كثيرة، ولم يرد صلى الله عليه وسلم من بدل دينه الباطل
بالحق البتة، والصبي والمجنون لا يتحقق منه تبديل، وكذلك المكره؛ لأن مبناه على الاعتقاد، ولو خرج من عمومه من ذكر فهو حجة فيما عداه على الصحيح، وقوله: ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة
…
إلى آخره. فيه نظر لأن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم ليأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، والأمر والنهي لا يتم إلا بالثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، فلابد أن يكرم الأبرار أهل المعروف، وأن يعاقب الفجار أهل المكر ولم يخل الله ذنبًا من الذنوب عن عقوبة من العقوبات، وبهذا يصير الدين كله لله، وتزول الفتنة، ولهذا قال الفقهاء: إن التعزيز في كل معصية لا حدث فيها ولا كفارة، ولو كان تعجيل العقوبة يخل بمعنى الابتلاء لم يشرع حد ولا تعزير، وهو مشروع.
وقوله: لا يتوجه ذلك من النساء لعدم صلاحية البنية، فصارت المرتدة كالأصلية. منتقض بالشيخ العاجز، والأعمى والزمن ونحوهما إذا ارتدوا فإنهم لا يصلحون للحراب، ولهذا لا يقتلون في الحرب كما لا تقتل المرأة ومع هذا فإنه يقتل من ارتد منهم، ولا يصح التفريق بأن عدم صلاحية البنية في المرأة أصل، وفي الشيخ الفاني ونحوه عارض، فإن الشارع لم يعتبره، وأيضًا فإن نساء أهل الحرب وذراريهم يسترقون ويصيرون مالاً للمسلمين، فنهى عن قتلهن لما فيه من إضاعة المال، والمرتدة لا تسترق، ولئن كان الحربي إنما يقتل لمحاربته، فإنه لا يصح قياس الكفر الطارئ على الكفر الأصلي؛
لأنه أقبح وأكبر وأعظم ضررًا، ولهذا لا يقر عليه المرتد، والكفر الأصلي يقر عليه بالموادعة وبالجزية وبالرق، بل بغير شيء كالرهبان المعتزلين، ولهذا قالت طائفة من أهل الكتاب {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} وذلك لأن الجهال يقولون: ما رجع هؤلاء عن دينهم الذي صاروا إليه إلا بعد أن ظهر لهم بطلانه، بخلاف ما لو استمروا على كفرهم، فظهر أن كفر المرتد أضر من كفر المستمر على كفره، وإذا كان الشيخ الفاني يقر على كفره الأصلي، ولا يقر على ردته، بل يقتل وإن لم يصر محاربًا فكذلك المرأة، فالكفر الأصلي قتل صاحبه من باب دفع العدوان والبغي عن الإيمان ودفع فتنة الكفار، وكفر الردة قتل صاحبه لحفظ الإيمان على أهله، ومنعه من الفساد، وذاك لدفع الفساد وإزالته، وهذا لحفظ الصلاح، مثل [الطبيب] الذي يحفظ الصحة تارة، ويزيل المرض تارة، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد والليث والحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وإسحاق، وهو مروي عن أبي بكر .........................................
وعلي رضي الله عنهما، وفيه قول ثان وهو أنها تسترق ولا تقتل، يروى ذلك عن علي رضي الله عنه، ولم يصح عنه، وروي عنه في ذلك أثر ضعفه أحمد، وبه قال قتادة والحسن والبصري في رواية عنه، وقول أبي حنيفة أنه تجبر على الإسلام ولا تقتل يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وليس يصح عنه، نقل ذلك ابن المنذر وابن قدامة يزيد أحدهما على الآخر، واختار ابن المنذر القول الأول مع الجمهور.
قوله: (إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بقضاء القاضي لاحتمال العود إلينا فلابد من القضاء).
فيه نظر، فإن قضاء القاضي لا يمنع احتمال عوده إلينا، وغاية حكم الحاكم ثبوت لحاقه بدار الحرب بالبينة، ومنصب القاضي لتنفيذ أوامر الله وتخليص المظالم، وإيصال الحق إلى مستحقه، ونحو ذلك، وليس إليه جعل هذا ميتًا حكمًا، فإن هذا بمنزلة التشريع، فإن كان لحاق المرتد بدار الحرب مما يوجب إجراء أحكام الموتى عليه، فلا حاجة إلى حكم الحاكم، وإن لم يكن مما يوجب ذلك فلا يمكن أن يجعله موجبًا، واشتراط حكم الحاكم بلحاقه لإجراء الأحكام على لحاقه دليل على ضعف القول بأن لحاقه بدار الحرب يجعله بمنزلة الميت، فإن قيل: هذه من مسائل الاجتهاد، فلابد من حكم الحاكم ليرتفع الخلاف كما في نظائرها من مسائل الخلاف. قيل: إنما يحتاج إلى الحكم في مسائل الخلاف لأجل المخالف في الحكم كما في شفعة الجوار مثلاً، فإنه إنما يحتاج فيها إلى الحكم حتى لا يسقطها من لا يراها،
فإن قيل: وهنا كذلك، قيل: ينبغي أن يحتاج بعد الحكم بلحاقه إلى الحكم بعتق مدبريه، وأمهات أولاده، وحلول ديونه، وتوريث ورثته تركته، حتى يرتفع الخلاف في ذلك، ولم يشترطوا ذلك بل قالوا: إذا حكم بلحاقه بدار الحرب حلت ديونه وكذا وكذا، وقالوا: إن قضاء القاضي إذا لم يتصل بلحاقه فهو بمنزلة الغيبة في بقاء أملاكه وحقوقه، كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي مع أن جعل لحوقه بدار الحرب بمنزلة موته يحتاج إلى دليل شرعي وما ذكره أنه بلحاقه صار بمنزلة أهل الحرب وهم أموات في حق أحكام الإسلام، لانقطاع ولاية الإلزام كما هي منقطعة عن الموتى فصار في حكم الموت ممنوع، بل هو بمنزلة المفقود الذي لا يقدر على إلزامه بالأحكام، وهذا أولى لأن المفقود لا يعرف مكانه أصلاً فهو أبعد عن الإلزام ممن يعرف مكانه ولكن ولاية الإلزام منقطعة عنه فإذا كان المفقود لا يحكم بموته مع عدم القدرة على إلزامه أصلاً، فاللاحق بدار الحرب أولى؛ لأنه يمكن التوصل إلى الإتيان به في الجملة بالتحيل والمكيدة للعلم بمكانه، والتحيل على تحصيل من لا يطلع على مكانه أبعد، وهذا قول جمهور العلماء أعني عدم جعله باللحاق بدار الحرب في
حكم الميت، وهذه المسألة من مسائل اختلاف الدارين وهي في الأصل مشكلة.
قوله: (نافذ بالاتفاق: كالاستيلاد، والطلاق).
يحتاج في الطلاق إلى قيد وهو أن تكون المرأة مرتدة أيضًا، فإنه لو ارتد الزوج وحده لا يقع طلاقه لوقوع الفرقة بردته.