الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الكفالة
قوله: (فالكفالة بالنفس جائزة، والمضمون بها إحضار المكفول به، وقال الشافعي: لا تجوز).
قال النووي في الروضة: وهي صحيحة/ على المشهور، وقيل: تصح قطعاً.
قوله: (ولأبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام: "لا كفالة في حد").
أخرجه البيهقي بسند ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قوله: (والتهمة تثبت بأحد شطري الشهادة، إما العدد أو العدالة).
يعني التهمة الموجبة للحبس في دعوى السرقة ونحوها، وفي اشتراط
ذلك في التهمة نظر، والذي عليه جمهور الفقهاء في المتهم بسرقة ونحوها أن ينظر في المتهم، فإما أن يكون معروفاً بالفجور، وإما أن يكون مجهول الحال، فإن كان معروفاً بالبر لم تجز مطالبته ولا عقوبته، وهل يحلف؟ على قولين، ومنهم من قال: يعزر من رماه بالتهمة، وأما إن كان مجهول الحال فإنه يحبس حتى يكشف أمره، قيل يحبس حتى يكشف أمره، قيل يحبس شهراً.
وقيل يحبس اجتهاد ولي الأمر، لما في السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة" وتعويقه بالحبس إلى
أن يتبين حاله، بمنزلة ما لو ادعى عليه مدغٍ فإنه يحضر مجلس ولي الأمر الحاكم بينهما، وإن كان في ذلك تعويقه عن أشغاله وإن طالب المدعي من ولي الأمر تقرير المتهم المجهول الحال بالضرب فقد روي أبو داود وغيره عن النعمان بن بشير أنه قال لقوم طلبوا منه أن يضرب رجلاً في تهمة:"إن شئتم ضربته لكم فإن ظهر ما لكم عنده وإلا ضربتكم مثلما ضربته، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله ورسوله".
وإن كان الرجل معروفاً بالفجور المناسب للتهمة، فقالت طائفة من الفقهاء: يضربه الوالي والقاضي، وقالت طائفة: يضربه الوالي دون القاضي، ومنهم من قال: لا يضرب، وقد ثبت في الصحيح "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الزبير ابن العوام أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وقال له: أين كنز حيي بن أخطب؟ فقال: يا محمد أذهبته النفقات والحروب، فقال: المال كثير والعهد أقرب من هذا، وقال للزبير: دونك هذا؟ فمسه الزبير بشئ من العذاب، فدلهم على المال" وهذا
الذي يسع الناس وعليه العمل وإلا فالشهادة على السرقات من أندر الأمور ومن يسرق يحلف، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لو يعطى الناس بدعواهم، لا داعي قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه" هذا فيما [إذا] لم يكن مع المدعي حجة غير الدعوى فإنه لا يعطي بها شيئاً، ولكن يحلف المدعي عليه، وقد صح حكمه صلى الله عليه وسلم بالقسامة مع اللوث وحكمه بشاهد ويمين.
قوله: (وعلى الكفالة بالدرك إجماع وكفى به حجة).
للشافعي في صحة الكفالة بالدرك قولان: أصحهما الجواز، ففي دعوى الإجماع نظر، والأولى أن يقول في مثل هذا: لا أعلم فيه خلافاً.
قوله: (فأما [ما] لا يصح التعليق بمجرد الشرط كقوله: إن هبت الريح أو جاء المطر، وكذا إذا جعل واحد منهما أجلاً، إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالاً، لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة كالطلاق والعتاق).
ظاهر كلامه يوهم أن الكفالة تصح مع تعليقها بهبوب الريح ومجئ المطر ويجب المال حالاً، وليس الأمر كذلك، ففي فتاوي قاضي خان: "ولو علق الكفالة بما هو شرط محض نحو أن يقول: إذا هبت الريح، أو إذا جاء المطر، أو إذا قدم فلان الأجنبي، فأنا كفيل بنفس فلان، لا يصير كفيلاً، وكذا لو علق الكفالة بالمال بهذه الشروط انتهى.
وإنما مراده أنه لو جعل أجلاً بأن تكفل بالمال مؤجلاً إلى هبوب الريح ومجئ المطر صحت الكفالة له ووجب المال حالاً، ولا تتأخر المطالبة إلى هذه الآجال للجهالة الفاحشة، وقوله: إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالاً.
يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، وهي قوله: وكذا إذا جعل واحد منهما أجلاً.
وشيخنا قاضي القضاة نجم الطرسوسي، رحمه الله له على كلام المصنف هنا ورقات رجح فيها أن كلام المصنف على ظاهره وأن الكفالة الصحيحة حالة إذا علقها بهبوب الريح ونحوه، اعتمد فيها على كلام بعض الأصحاب، وهو مضطرب، وأطنب فيها إطناباً زائداً، وعدم صحتها كما ذكرناه قاضي خان وغيره أقوى؛ فإن الكفيل لم يلتزم الكفالة إلا مؤجلة، فإذا لم يصح التأجيل يبطل أصلاً ولا يلزم بها حالة، فإن فيه إلزام ما لم يلزمه، وبراءة الذمة أصل بخلاف تأجيل الكفالة إلى هبوب الريح ونحوه لأن الذمة اشتغلت بالتزامه عقد الكفالة، والجهالة في هذه/ الآجال فاحشة، فلا يصح التأجيل إليها، فبقي الالتزام بالعقد كأنه لم يذكر فيه أجل فيجب المكفول به حالاً.
قوله: (والكفالة بالأعيان المضمونة وإن كانت تصح عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله لكن بالأعيان المضمونة بنفسها كالمبيع بيعاً فاسداً
والمقبوض على سوم الشراء والمغصوب).
نقل النووي أن المذهب الذي عليه جمهور أصحابهم أن الضمان يرد على الأعيان المضمونة والمستعار والمستام والأمانات إذا خان فيها على قولي كفالة البدن، وقيل: يصح قطعاً، فلا ينبغي ذكر خلاف الشافعي في هذه المسألة، وذكر النووي المستعار بدل المبيع بيعاً فاسداً بناء على الخلاف في ذلك؛ فإن العارية مضمونة عندهم بخلاف المبيع بيعاً فاسداً؛ لأن حكم المبيع الفاسد عندهم كالباطل.
قوله: (وله أنه كفل بدين ساقط عن ذمة الأصيل؛ لأن الدين هو الفعل حقيقة، ولهذا يوصف بالوجوب لكنه في الحكم مال لأنه يؤول
إليه في المآل، وقد عجز نفسه وبخلفه ففات عاقبة الاستيفاء فسقط ضرورة، والتبرع لا يعتمد قيام الدين).
فيه نظر لوجهين: أحدهما: أنه تعليل في مقابلة نص، وهو ساقط.
الثاني: أن التعليل نفسه ضعيف.
أما النص فهو عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بجنازة، فقالوا: يا رسول الله! صل عليها؟ هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم! فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلى دينه، فصلي عليه" رواه أحمد والبخاري والنسائي. وروى الخمسة إلا أبا داود هذه القصة من حديث أبي قتادة، وصححه الترمذي وقال فيه النسائي وابن ماجه: "فقال أبو قتادة:
أنا أتكفل به"، وهذا صريح في الإنشاء لا يحتمل الأخبار بما مضى، وتأويل الحديث بصرفه عن ظاهره لا يصح، لعدم الحاجة إلى صرفه عن مدلوله، وهو معارضة نص آخر أقوى منه مع أن التأويلات التي ذكرت كلها فاسدة.
وأما التعليل فلا نسلم أنه كفل بدين ساقط عن ذمة الأصيل، بل هو باق في ذمة الأصيل لا يسقطه الموت، ألا ترى أنه يطالب به في الآخرة، إذ وجوب الدين لا يسقطه إلا الوفاء أو الإبراء أو انفساخ سبب وجوبه، وبالموت لا يتحقق شئ من ذلك، ولو مات عن وفاء أو كان به كفيل لم يسقط، ولو تبرع أحد بوفائه يصح، ولو برئ المفلس عن الدين بالموت لما حل لصاحبه الأخذ من المتبرع.
ولا نسلم أن الدين هو الفعل، بل الفعل-الذي هو الأداء- غيره لأنه يضاف إليه، يقال: أداء الدين، والمضاف غير المضاف إليه، وقد فرقتم بين الوجوب، ووجوب الأداء في العبادات، وهذا أولى فهو نظير الدين المؤجل، بل هو دين مؤجل، والكفالة بالدين المؤجل صحيحة، وكذا الكفالة عن العبد بما يلزمه بعد العتق وإن كان الأجل هنا بعيد، فبعده بالنسبة إلينا، قال الله تعالى:{إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً} وإذا تقرر هذا المعنى، انتفى أن يكون الدين فعلاً بالمعنى الذي أراده، وانتفى ما رتبه عليه من السقوط،
وكيف وإنهم يقولون إن الدين وصف قائم بالذمة.
وقوله: والتبرع لا يعتمد قيام الدين، ألا ترى أن من قال: لفلان على فلان كذا وأنا كفيل به، صحت الكفالة، وعليه أداؤه وإن لم يوجد الدين أصلاً. فهنا أولى، فظهرت قوة قول أبي يوسف ومحمد، وهو قول أكثر العلماء، والأئمة الثلاثة وغيرهم واختاره الطحاوي.
قوله: (فصل في الضمان).
فيه نظر فإنه توهم أن الكفالة غير الضمان، وليس كذلك، وهو قد سمى الكتاب بـ: كتاب الكفالة. فلا حاجة إلى قوله: فصل في الضمان. ولو اكتفى بقوله: فصل. أو لم يذكر الفصل لكان أولى.
قوله: (ومن قال لآخر: لك علي مائة إلى شهر، وقال المقر له هي حالة، فالقول قول المدعي، وإن قال: ضمنت لك عن فلان مائة إلى شهر، وقال
المقر له: هي حالة، فالقول قول الضامن -ثم ذكر الفرق، ثم قال-/ والشافعي ألحق الثاني بالأول وأبو يوسف- فيما يروى عنه- ألحق الأول بالثاني).
الخلاف بالعكس مما ذكر، وحكي النووي رحمه الله الإقرار بالدين مؤجلاً- قولين.
* * *