الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب البغاة
قوله: (وإذا تغلب مسلمون على بلد وخرجوا عن طاعة الإمام إلى آخره).
لم يفرق المصنف رحمه الله بين الخوارج والبغاة بل جعل حكمهم واحدًا، ولهذا يستدل على أحكامهم تارة بما فعله علي رضي الله عنه مع أهل حروراء، وتارة بما فعله يوم الجمل، ولابد من التفريق بين الفريقين، فإن الخوارج قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتالهم، وقاتلهم علي رضي الله عنه، واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها لم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل ويوم صفين، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف:
قوم مع علي، وقوم عليه، وقوم قاعدون عنه، أما الخوارج فلم يكن منهم أحد من الصحابة، ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" وفي لفظ "أدنى الطائفتين إلى .......................................
الحق" فبهذا الحديث ثبت أن عليًا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه وأن تلك المارقة مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين، كما أمر بقتال هذه، بل قد ثبت في الصحيح أنه قال للحسن رضي الله عنه: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال، وقد بويع، واختار الإصلاح وحقن الدماء، مع نزوله عن الأمر، فلو كان القتال مأمورًا به لم يمدح الحسن ويثني عليه بترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، وفي الصحيح أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها" الحديث.
وسيرة علي رضي الله عنه تفرق بين هذا وهذا، فإنه فرح بقتال الخوارج، وظهر منه الكراهة والندم لأجل القتال يوم الجمل وصفين، وقال فيهم:"إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف" وصلى على قتلى الطائفتين دون قتلى الخوارج، وأيضًا فقد تنازع العلماء في تكفير الخوارج: فمن كفرهم نظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في
النصل فلا يرى شيئًا وينظر في القدح فلا يرى شيئًا وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، وتتمارى في الفوق" يقول: وكما خرج هذا السهم نقيًا خاليًا من الدم والفرث لم يتعلق منهما بشيء، كذلك خروج هؤلاء يعني الخوارج.
ومن لم يكفرهم قال: إن قوله: "وتتمارى في الفوق" يدل على أنه لم يكفرهم لأنهم علقوا من الإسلام بشيء بحيث يشك في خروجهم منه، وقد سئل عنهم علي رضي الله عنه أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا، وبغوا علينا فقتلناهم. انتهى.
والفرق بينهم من حيث المعنى أن البغاة يخرجون عن طاعة الإمام فقط بتأويل فاسد والخوارج ومانعو الزكاة ونحوهم خارجون بتأويل فاسد عن طاعة الإمام وعن بعض شرائع الإسلام.
قوله: (وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز حتى يبدأوا بالقتال حقيقة).
الصحيح من مذهب الشافعي أنه كمذهب أبي حنيفة، قال النووي في الروضة -بعد ما ذكر أن كيفية قتال البغاة طريقها طريق دفع الصائل-: وقد يتخيل من هذا أنا لا نسير إليهم ولا نفاتحهم بالقتال وأنهم إذا ساروا إلينا لا
نبدأ بقتالهم، بل نصطف قبالتهم، فإن قصدونا دفعناهم، قال: وقد رأيت هذا لطائفة من الأصحاب، وهو خطأ، بل إذا آذنهم الإمام بالحرب، ولم يرجعوا إلى الطاعة سار إليهم، ومنعهم من القطر الذي استولوا عليه، فإن انهزموا وكلمتهم واحدة اتبعناهم إلى أن يتوبوا ويطيعوا وليس قتال الفريقين كصيال الواحد ودفعه.
قوله: (وإنما يكره بيع نفس السلاح لا بيع ما لا يقاتل به إلا بصنعة، ألا ترى أنه يكره بيع المعازف، ولا يكره بيع الخشب، وعلى هذا الخمر مع مع العنب).
في ذلك كله نظر، وينبغي أن يكره بيع ذلك ممن يعلم أنه يستعين به على المعصية؛ لأنه يكون قد أعانه على فعل المعصية، وقد قال تعالى:{ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} فالإعانة على المعصية معصية على أي وجه كانت.
قوله: (ولا بأس أن يقاتل المسلمون بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، وقال الشافعي: لا يجوز والكراع على هذا الخلاف).
مذهب الشافعي كمذهب أبي حنيفة، قال النووي -في المنهاج-: ويرد
سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب، وأمنت غائلتهم ولا يستعمل من قتال إلا لضرورة.