الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب من تقبل شهادته ومن لا يتقبل
قوله: (ولا المملوك؛ لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي على نفسه فأولى ألا تثبت له الولاية على غيره).
ذهب إلى قبول شهادة العبد؛ علي وأنس رضي الله عنهما.
قال أنس: "ما علمت أحداً رد شهادة العبد"، وبه قال عرورة وشريح وإياس وابن سيرين وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه استثناء الحدود والقصاص.
وقال الشعبي والنخعي: تجوز شهادته في الشئ اليسير.
وقال عطاء ومجاهد والحسن ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة
والشافعي: لا تقبل شهادته.
وقد استدل من قال بقبول شهادته بعموم آيات الشهادة، فإنه من رجالنا، وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره بالمدينة، وقد يكون منهم العلماء والصالحون والأمراء وقد حكي الأمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة رضي الله عنهم على قبول شهادته معنى، فإنه قال:"ما علمت أحداً رد شهادته"، ولم يقل أحد عن صحابي خلاف ذلك.
قالوا: وإذا قبلت شهادته على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم يلزم جميع الأمة، فلأن تقبل شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي أولى وأحرى، وفي كتاب عمر رضي الله عنه/ إلى أبي موسى الأشعري:"والمسلمون عدول بعضهم على بعض" انتهى. وهو صادق فيجب العلم بخبره وأن لا يرد، فإن الشريعة لا ترد خبر الصادق، بل تعمل به، وليس بفاسق فلا يتثبت في خبره وشهادته، وكونه تحت ولاية سيده ولا يخرجه عن أهلية الشهادة على غيره كما لم يخرجه عن أهلية الرواية وهي شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تتضمن إلزام الأمة كلهم بذلك الحكم.
وليس إلزام الشاهد المشهود عليه بشهادته من باب ولاية المولى على عبده.
فاعتبار شهادته بروايته أولى من اعتبارها بولاية المالك على مملوكه، فإن قيل: روايته من باب أخبار الديانات، وتلك يقبل فيها قول الواحد بخلاف باب الشهادة، قيل: لم نقل: إنه يقبل قوله وحده في باب الشهادات بل مع آخر، ففي باب الرواية يقبل قول الواحد العدل إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه.
وفي باب الشهادة عارض إخبار العدلين إنكار المنكر بيمينه، وسلم إخبار العدل الآخر عن المعارض فوجب العمل به كما وجب العمل بخبر الواحد العدل في باب الديانات إذا سلم عن المعارض، وإذا ثبت كون العبد عدلاً كيف يجوز رد خبره السالم عن المعارض، والفرق بتسمية هذا إخباراً وهذا شهادة فرق صوري لفظي فير مؤثر.
قوله: (ولا المحدود في قذف وإن تاب -إلى آخر المسألة).
اختلف أهل العلم في اشتراط إقامة الحد على القاذف لرد شهادته؛ فعند الشافعي وأحمد رحمهما الله أنه تسقط شهادته بالقذف إذا لم يحققه، وعن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث روايات:
إحداهما: إذا ضرب سوطاً من الحد.
الثانية: إذا ضرب أكثر الحد.
الثالثة- وهي قول صاحبيه-: إذا أقيم عليه الحد بكماله.
وقول الشافعي وأحمد رحمهما الله أظهر؛ لأن الله تعالى رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء؛ الجلد، ورد الشهادة، والفسق، فيجب أن يثبت رد الشهادة بوجود الرمي الذي لم يمكنه تحقيقه كالجلد، ولأن الرمي هو المعصية والذنب الذي يستحق العقوبة والجلد كفارة وتطهير فلا يتعلق به رد الشهادة، وإنما الجلد ورد الشهادة حكمان للقذف فيثبتان به، وتخلف استيفاء أحدهما لا يمنع ثبوت الآخر.
والقول بأن العجز عن الإتيان بأربعة شهداء إنما يتحقق بالجلد لا يقوى؛ لأن الجلد حكم القذف الذي تعذر تحقيقه، فلا يستوفى قبل تحقيق القذف، وكيف يجوز أن يستوفى قبل تحقق سببه، ويصير متحققاً بعده، واختلف أهل العلم أيضاً في قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب:
فذهب عطاء والشعبي وطامس ومجاهد والزهري وعبد الله بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت وأبو الزناد إلى قبول شهادته إذا تاب، وبه قال
مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد.
وذهب شريح والحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو حنيفة إلى عدم قبولها وإن تاب، ذكر ذلك ابن المنذر واختار القول الأول وقال: واختلف فيه عن ابن عباس فروينا عنه القولين جميعاً، ولا يصح ذلك عنه، وقال: قال عمر رضي الله عنه لأبي بكرة: "إن تبت قبلت شهادتك".
وقال صاحب «المغني» : روي ذلك -يعني القول الأول- عن عمر وأبي الدرداء وابن عباس، وقال: وذكره ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد
وربيعة.
وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: "توبوا تقبل شهادتكم، فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته".
قالوا: وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر وقتل النفس، وعقوق الوالدين والزنا، ولو تاب من هذه الأشياء قبلت شهادته اتفاقاً، فالتائب من القذف أولى بالقبول.
قالوا: ورد شهادته بعد توبته خلاف المعهود من الشرع، وخلاف قوله صلى الله عليه وسلم:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، فتوبته من القذف بمنزلة من لم يقذف؛ فيجب قبول شهادته.
قالوا: والاستثناء المذكور في الآية يعود إلى ما تقدم كله، هذا هو الأصل، خصوصاً على قول أبي حنيفة/ في ذكر حق كتب في أسفله: ومن قام بهذا الذكر الحق فهو ولي ما فيه إن شاء الله تعالى، حيث أبطل الصك كله، وقد تقدمت المسألة في الهداية في كتاب
أدب القاضي، ولئن كان في إعادة الاستثناء إلى الجمل كلها أو إلى الجملة الأخيرة احتمال فيرجع عوده إلى كل ما تقدم بفهم عمر وأبي الدرداء وابن عباس، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، والمسألة مبسوطة في كتب الخلاف، ويكفي ما ذكر من التنبيه.
قوله: (والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته ولا العبد لسيده، ولا المولى لعبده، ولا الأجير لمن استأجره").
لا أصل لهذا الحديث في كتب الحديث، بل قد روى عبد الرزاق بسنده عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده".
وقال ابن المنذر في الأشراف بعد ذكر القائلين برد شهادة الوالد والولد: وأجازت طائفة شهادة الوالد لولده، والوالد لوالده، لظاهر قوله:{ممن ترضون من الشهداء} .
روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق والمزني وأبو ثور، وأجاز إياس ابن معاوية شهادة رجل لأبيه، وذكر الزهري قوله:{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} .
قال: "لم يكن يتهم في سلف والد لولده، ولا ولد لوالده، ولا أخ لأخيه، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته إذا رضي هديهم، قال: ثم دخل الناس بعد ذلك، فتركت شهادتهم".
قال أبو بكر بن المنذر: وبهذا أقول اتباعاً لظاهر الكتاب، ولإيجاب الله القيام بحقه في عباده، وفيما فرض لبعضهم على بعض، ولقوله:{وأقيموا الشهادة لله} ولا يجوز أن يتهم شاهد، ولا يجوز أن يظن المرء بأخيه إلا
خيراً، ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والظن فإنه أكذب الحديث" انتهى.
وفي قول عمر رضي الله عنه في كتابه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "أو ظنينا في ولاء أو قرابة" تنبيه على أن الرد بالتهمة لا مطلقاً؛ لأن الظنين: المتهم، والشهادة ترد بالتهمة، وهذا مذهب أهل الظاهر أيضاً، ورواية عن أحمد.
وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة قال: "سمعت شريحاً أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال له الرجل: أبوها وزوجها؟ فقال شريح: من يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا شبابة عن ابن أبي ذئب عن سليمان قال: "شهدت لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقضي بشهادتي" انتهى.
قالوا: وقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم
…
ممن ترضون من الشهداء} يشمل الآباء والأقارب، ولم يخرجهم نص ولا إجماع.
قالوا: ومدار حججكم على البعضية والتهمة، فأما التهمة فهي سبب في رد الشهادة مطلقاً، فمتى وجدت منعت قبول الشهادة للقريب والأجنبي ولا شك أن تهمة الإنسان في صديقه ومن يصفيه مودته ومحبته أعظم من
تهمته في أبيه وابنه.
وأما البعضية فإنه لا يلزم منها أن يكون في معنى نفسه في أحكام الدنيا، ولا في أحكام الآخرة، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر فيما يجب عليه وله، من حد واجب أو ثواب أو عقاب.
قالوا: وما نظرتم به من عدم جواز الزكاة إليهم فذلك من مسائل النزاع، لا في مسائل الإجماع، ولو سلم ثبوت الحكم فيها لا يلزم منه عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة؛ لأن الشهادة خبر يعتمد الصدق والعدالة، فإذا كان المخبر به صادقاً مبرزاً في العدالة غير متهم في الإخبار به، فليس في قبول قوله قبح ولا فساد، ولا دل نص على رده بل دلت النصوص على قبوله كما تقدم، والحاصل أن الذين ردوا شهادتهم أداروا الحكم على اعتبار الثرابة لأنها مظنة التهمة ومخالفيهم أداروا الحكم على