الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الاستيلاد
قوله: (ولنا أن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد، لوجود المانع عنه، فلابد من الدعوة).
جمهور العلماء على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، الأئمة الثلاثة وغيرهم، إلا ما يروى عن مالك رحمه الله -أنه جعل الأمة السرية -التي تشترى للوطء عادة -فراشًا بمجرد الشراء مع إمكان الوطء وإن لم يعترف بالوطء.
وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري -رحمهما الله -: إن الأمة لا يثبت نسب ولدها من سيدها ولو اعترف بوطئها حتى يدعيه، فإذا ادعاه صارت أم ولده، فإذا ولدت بعد ذلك ولدًا ثبت نسبه بغير دعوة، ولو نفاه انتفى وعند غيره لا
ينتفي ولد الأمة مطلقًا، أم ولد كانت أو لم تكن بمجرد النفي إلا أن يقول: استبرأتها بعد الوطء بحيضة قبل الولادة بستة أشهر، وحجتهم -على أن الأمة تصير فراشًا بمجرد الوطء -حديث عائشة رضي الله عنها -قالت:"اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول الله! ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم -إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة، قال: فلم ير سودة قط" رواه الجماعة إلا الترمذي، وفي رواية أبي داود
ورواية للبخاري "هو أخوك يا عبد" فسبب الحكم بأن الولد للفراش إنما كان في الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه، وحمله على الحرة التي لم تذكر، وإنما كان في غيرها، والزوجة إنما سميت فراشًا بمعنى، هي والأمة الموطوءة فيه سواء، ولم يثبت قط أن هذه الأمة ولدت له قبل ذلك، ولا سأل النبي صلى الله عليه وسلم -عن ذلك ولا استفصل، وترك الاستفصال ينزل منزلة المقال.
وقول من قال: إنما ألحقه بالأخ استحلقه، يرده: أن النبي صلى الله عليه وسلم -صرح عقيب حكمه بإلحاق النسب بأن الولد للفراش معللاً بذلك، منبهًا على قضية كلية عامة تتناول هذه الواقعة غيرها.
وقول من قال: "إن قوله هو لك" أي مملوك، يرده: قوله في الرواية الأخرى المذكورة "هو أخوك يا عبد"، وعند الإمام أحمد "أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ".
والعجب كيف لا يجعل المستفرشة فراشًا، ويجعل/ من لم تستفرش فراشًا وهي التي علق طلاقها بتزوجها ثم تزوجها ثم جاء بولد لستة أشهر، وقوله صلى الله عليه وسلم -لسودة:"احتجبي منه" لا ينافي ثبوت نسبه، بل أعمل الفراش في ثبوت حكم النسب، وأعمل الشبه في ثبوت حكم الاحتجاب وجعله أخًا في الميراث، وقال:"ليس لك بأخ" للشبهة، كيف وإن حجاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -
منيع، وعن ابن عمر أن عمر قال:"ما بال رجال يطأون ولائدهم ثم يعزلون، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها ألحقت به ولدها فاعتزلوها بعد أو اتركوا" رواه الشافعي.
وقوله: إن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد لوجود المانع.
فيه نظر، فإن المقاصد تختلف، ولو كان المقصود قضاء الشهوة دون الولد، فلا يمنع هذا القصد من وجود الولد بعد وجود الوطء الذي هو سبب وجود الولد ولو عزل، فإن الولد لا يكون من كل الماء وإنما يكون من بعضه، فقد يسبق منه نطفة يكون منها الولد، وهو يعزل، قال صلى الله عليه وسلم:"ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" رواه أحمد وأبو داود، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -قال:"أصبنا سبيًا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم -فقال: أو إنكم لتفعلون؟ قالها ثلاثًا! ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" متفق عليه. وفي صحيح مسلم أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم -فقال: عندي جارية وأنا أعزل عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن ذلك لا يمنع شيئًا أراده الله، قال: فجاء الرجل فقال يا رسول الله إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا عبد الله ورسوله".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -قال "كنت أعزل عن جاريتي فولدت أحب الخلق إلي" يعني ابنه، والعجب أن المصنف علل لوجوب الغسل -في كتاب الطهارة -بالتقاء الختانين من غير إنزال بأنه سبب الإنزال، ونفسه تتغيب عن بصره، وقد يخفى [عليه] لعلته فتقام مقامه، ومقتضى هذا التعليل ثبوت النسب من الأمة بعد الوطء وإن لم يعلم بالإنزال، وعدم ثبوته تناقض بين.
قوله: (لحديث سعيد بن المسيب "أن النبي صلى الله عليه وسلم -أمر بعتق أمهات الأولاد، وأن لا يبعن في دين ولا يجعلن من الثلث").
قال السروجي: لا أصل له عن سعيد بن المسيب. انتهى، ولكن رواه عبد الملك بن حبيب في كتابه عن سعيد بن المسيب، عبد الملك بن حبيب
تكلم فيه جماعة من المالكية سحنون وغيره واتهموه في نقله، وقد ورد في النهي عن بيع أمهات الأولاد حديث ابن عمر رضي الله عنهما -عن النبي صلى الله عليه وسلم"أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها السيد ما دام حيًا فإذا مات فهي حرة" رواه الدارقطني، ورواه مالك في الموطأ، والدارقطني من طريق آخر عن ابن عمر من قوله، وهو أصح. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما -عن النبي صلى الله عليه وسلم -قال:"من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه" رواه أحمد وابن ماجه.
وعنه رضي الله عنه -قال: "ذكرت أم إبراهيم عند النبي صلى الله عليه وسلم -فقال: أعتقها ولدها" رواه ابن ماجه والدارقطني، والحديثان قد ضعفهما أهل
الحديث.
وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر رضي الله عنه -أنه قال في أم الولد: أعتقها ولدها وكذا رواه الدارقطني عن عمر [من] قوله.
وقال البيهقي بعد أن تكلم على الحديث: فرجع الحديث إلى قول عمر رضي الله عنه -فإن الثابت في المنع من بيع أمهات الأولاد إنما هو عن عمر نفسه، ولم يثبت في المنع من بيعهن حديث صريح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنه لو حكم حاكم بصحة بيع أم الولد نفذ حكمه، ولكن يجب تقييد هذا الإطلاق، ويستثنى منه ما لو مات سيدها عن
ابنه منها، فإنه لا خلاف في عتقها والحالة هذه، وفي بيع أم الولد ثمانية أقوال.
ثالثها/: لسيدها بيعها فإذا مات عتقت.
رابعها: أنها تباع في الدين.
خامسها: أنه يجوز بيعها بشرط العتق ولا يجوز بغيره.
سادسها: أنها إن عفت واتقت لم يجز بيعها، وإن فجرت أو كفرت جاز بيعها.
سابعها: الوقف في أمرها.
ثامنها: أنها تباع ولكن إن مات سيدها وولدها منه حي عتقت من نصيبه ولا ينبغي أن ينفذ هذا القول، فإن من يجيز بيعها مطلقًا لابد أن
يستثني هذه الحالة، اللهم إلا أن يكون مع ولدها منه وارث آخر وولدها معسر ولا يكيفه نصيبه من التركة لغرامة بقية قيمتها فيمكن حينئذ أن يقال: إنه يباع منها ما خلا نصيب ولدها على قول من لا يرى السعاية مع الإعسار.
قوله: (ولأن أمومية الولد باعتبار علوق الولد حرًا لأنه جزء للأم في تلك الحالة، والجزء لا يخالف الكل).
فيه نظر فإن الجزء المنفصل ليس كالمتصل، والمخالفة في أم الولد بين الجزء والكل ثابتة لأن الولد علق حر الأصل ولم يمسه رق، وأم الولد رقها مستمر حتى يموت سيدها فقد خالف الجزء الكل.
قوله: (ولنا كتاب عمر رضي الله عنه -إلى شريح في هذه الحادثة "لبسًا فلبس عليهما ولو بينا لبين لهما، هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما" وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم -وعن علي مثل ذلك).
لا نعرف هذا كله عن عمر ولا عن علي رضي الله عنهما -ولكن قال
سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر رضي الله عنه"في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله بينهما".
قال الشعبي: وعلي يقول: هو ابنهما وهما أبواه يرثانه. ذكره سعيد أيضًا.
وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلامًا يشبهها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه -فدعا القافة فنظروا فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه.
وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير "أن رجلين ادعيا ولدًا، فدعا عمر القافة واقتدى في ذلك ببصر القافة وألحقه أحد الرجلين".
ثم ذكر أيضًا عبد الرزاق بعد ذلك عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: "لما دعا عمر القافة فرأوا شبهه فيهما، ورأى عمر مثل ما رأت القافة قال: قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح الأكلب فيكون كل جرو لأبيه، ما كنت أرى أن ماءين يجتمعان في ولد واحد".
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه -قال: "أتي علي رضي الله عنه -وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين فقال: تقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي أصابته القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم -فضحك حتى بدت نواجذه" رواه الخمسة إلا الترمذي، ورواه أبو داود والنسائي موقوفًا على
علي بإسناد أجود من إسناد المرفوع، وكذا رواه الحميدي في مسنده وقال فيه "فأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه".
وقد اختلف الفقهاء في هذا الحكم فذهب إليه إسحاق بن راهويه وكان الشافعي يقول به في القديم، ورجح أحمد عليه حديث القافة.
وقيل: يعمل بهذا إذا فقدت القافة، والمسألة معروفة.
والمراد هنا التنبيه على أن ما عزاه المصنف إلى عمر وعلي رضي الله عنهما ليس كما قال، وجمهور العلماء على العمل بالقافة.
قوله: (وإذا وطئ المولى جارية مكاتبه فجاءت بولد فادعاه، فإن صدقه المكاتب ثبت نسب الولد منه، وعن أبي يوسف أنه لا يعتبر تصديقه
اعتبارًا بالأب يدعي ولد جارية ابنه، ووجه الظاهر -وهو الفرق -أن المولى لا يملك التصرف في أكساب مكاتبه حتى لا يتملكه الابن، والأب يملك تملكه ولا يعتبر تصديق الابن).
قول أبي يوسف رحمه الله -أظهر، وهو قول سائر العلماء والفرق الذي فرق به فيه نظر، فإن للمولى في المكاتب ملك الرقبة، وليس للأب على الابن ملك الرقبة، ولا ملك اليد/ بل للأب في مال الابن حق التملك، وحق الملك أقوى من حق التملك، فلما ثبت للأب نسب الولد من جارية الابن بدون الملك على الولد وعلى جاريته بغير تصديق الابن فلأن يثبت للمولى نسب الولد من جارية المكاتب بغير تصديق المكاتب -مع حق الملك في المكاتب -أولى، ألا ترى أن المولى لو أعتق المكاتب يصح مع أنه لا عتق فيما لا يملك ابن آدم، ولئن كان المولى يعتقد الكتابة حجرًا على نفسه عن التصرف في كسب المكاتب -والدعوة تصرف -فمقتضاه أن لا يثبت النسب ولو صدق المكاتب، لأن التصديق لا يرفع الحجر ولا يستفيد به المولى ما لم يكن ثابتًا، فاستوى وجوده وعدمه، وغايته أنه اعترف له أنه صادق في دعواه أنه وطئها فكان ماذا؟ هل ملكه الأمة بذلك التصديق، وهب أنه كذبه، فأقام البينة على الوطء، هل تكون البينة بمنزلة التصديق مع أن الثابت بالبينة أقوى من الثابت بالتصديق، فظهر ضعف اشتراط التصديق.
* * *