الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد فَخرج السُّلْطَان من عكا فَنزل على كَوْكَب فِي الْعشْر الْأَوْسَط من الْمحرم فحاصرها وصابرها أَيَّامًا فَلم يتَمَكَّن مِنْهَا لمنعتها وحصانتها وَرَآهَا تحْتَاج إِلَى طول مصابرة ومرابطة وَلم يكن مَعَه جَمِيع أمرائه وأوليائه وَإِنَّمَا كَانَ فِي خواصه فَوكل بهَا قايماز النجمي ووكل بصفد طغرل الجاندار كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي خمس مئة وسير إِلَى الكرك والشوبك سعد الدّين كمشبة الْأَسدي وَكَانَت هَذِه الْحُصُون الْأَرْبَعَة ضيقَة المسلك صعبة الْمدْرك
قَالَ ثمَّ إِن السُّلْطَان اشْتغل بلقاء الرُّسُل الواصلين من جُمْلَتهمْ رَسُول صَاحب آمد قطب الدّين سكمان بن نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان وَكَانُوا خَائِفين على آمد أَن يسترجعها مِنْهُم السُّلْطَان لِأَنَّهَا كَانَت لَهُم من مواهبه كَمَا سبق فاستوثقوا
بالوصلة باحدى بَنَات الْعَادِل وَكَانَ الْعَادِل قد وكل أَخَاهُ السُّلْطَان فِي ذَلِك لما سَار إِلَى مصر وَقدم رسولهم فِي ذَلِك فتمت الوصلة بَينهمَا
قَالَ وَأول من وصل وَالسُّلْطَان بكوكب اخْتِيَار الدّين حسن بن غفراس مُدبر دولة قليج أرسلان بالروم وَكَانَ هَذَا الرَّسُول مغرى بِلبْس الْحلِيّ والديباج والوشي وَفِي يَدَيْهِ زنود وخواتيم مرصعة بزينة ثَقيلَة بجواهر ويواقيت ثمينة وَفِي عقودها درة يتيمة وَفِي يَده عَمُود من العسجد وكل عدته تبرها مجوهر وَكَانَ إِذا شَاهده السُّلْطَان تَبَسم وعامله بخلقه وَقَالَ هَذَا سَافر بنضاره لينْظر وبديناره ليبصر
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ رأى السُّلْطَان الِاشْتِغَال بِأخذ هَذِه الْحُصُون الْبَاقِيَة لَهُم مِمَّا يضعف قُلُوب من فِي صور ويهي أمرهَا بِهِ فاشتغل بذلك وَنزل رحمه الله على كَوْكَب فِي أَوَائِل الْمحرم
وَكَانَ سَبَب بداءته بكوكب أَنه كَانَ قد جعل حولهَا جمَاعَة يحفظونها من أَن تدخل إِلَيْهِم قُوَّة أَو جمَاعَة فَخرج الفرنج لَيْلًا وَأخذُوا غرتهم وكبسوهم بعفربلا وَقتلُوا مقدمهم وَكَانَ من الامراء يعرف بِسيف الدّين أخي جاولي وَأخذُوا أسلحتهم فَسَار
رَحمَه الله من عكا وَنزل عَلَيْهَا بِمن كَانَ بَقِي مَعَه من خواصه بعكا فَإِنَّهُ كَانَ قد أعْطى العساكر دستورا وَلَقي فِي طَرِيقه شدَّة من الثَّلج وَالْبرد فَحملت السُّلْطَان مَعَ ذَلِك الحمية على النُّزُول عَلَيْهَا وَأقَام يقاتلها مُدَّة
قَالَ وَفِي تِلْكَ الْمنزلَة وصلت إِلَى خدمته فَإِنِّي كنت قد حججْت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَكَانَت وقْعَة ابْن الْمُقدم وجرح يَوْم عَرَفَة على عَرَفَة لخلف جرى بَينه وَبَين أَمِير الْحَاج طاشتكين على ضرب الكوس والدبدبة فان أَمِير الْحَاج نَهَاهُ عَن ذَلِك فَلم ينْتَه ابْن الْمُقدم وَكَانَ من أكبر أُمَرَاء الشَّام وَكَانَ كثير الْخَيْر كثير الْغُزَاة فَقدر الله أَنه جرح بِعَرَفَة يَوْم عَرَفَة ثمَّ حمل إِلَى منى مجروحا فَمَاتَ بمنى يَوْم الْخَمِيس يَوْم عيد الله الْأَكْبَر وَصلي عَلَيْهِ فِي مَسْجِد الْخيف فِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم وَدفن بالمعلى وَهَذَا من أتم السعادات
وَبلغ ذَلِك السُّلْطَان قدس الله روحه فشق عَلَيْهِ
قَالَ ثمَّ اتّفق لي الْعود من الْحَج على الشَّام لقصد الْقُدس وزيارته وَالْجمع بَين زِيَارَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وزيارة أَبِيه إِبْرَاهِيم عليه الصلاة والسلام فوصلت إِلَى دمشق ثمَّ خرجت إِلَى الْقُدس فَبَلغهُ خبر وصولي فَظن أَنِّي وصلت من جَانب الْموصل فِي حَدِيث فاستحضرني عِنْده وَبَالغ فِي الْإِكْرَام والاحترام وَلما ودعته ذَاهِبًا إِلَى الْقُدس خرج إِلَيّ بعض خواصه وأبلغني تقدمه إِلَيّ بِأَن أَعُود أمثل فِي خدمته عِنْد الْعود من الْقُدس فَظَنَنْت أَنه يوصيني بمهم إِلَى
الْموصل وانصرفت إِلَى الْقُدس الشريف يَوْم رحيله عَن كَوْكَب ورحل رحمه الله لِأَنَّهُ علم أَن هَذَا الْحصن لَا يُؤْخَذ إِلَّا بِجمع العساكر عَلَيْهِ وَكَانَ حصنا قَوِيا وَفِيه رجال شَدَّاد من بقايا السَّيْف وميرة عَظِيمَة فَرَحل إِلَى دمشق وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا فِي سادس ربيع الأول وَفِي ذَلِك الْيَوْم أتفق دخولي إِلَى دمشق عَائِدًا من الْقُدس فَأَقَامَ رحمه الله فِي دمشق خَمْسَة أَيَّام وَكَانَ لَهُ غَائِبا عَنْهَا سِتَّة عشر شهرا
قَالَ وَفِي الْيَوْم الْخَامِس بلغه خبر الفرنج أَنهم قصدُوا جبيل واغتالوها فَخرج منزعجا سَاعَة بُلُوغ الْخَبَر وَكَانَ قد سير إِلَى العساكر يستدعيها من سَائِر الجوانب وَسَار يطْلب جبيل فَلَمَّا عرف الفرنج بِخُرُوجِهِ كفوا عَن ذَلِك وَكَانَ بلغه وُصُول عماد الدّين وعسكر الْموصل ومظفر الدّين إِلَى حلب قَاصِدين الْخدمَة للغزاة فَسَار نَحْو حصن الأكراد فِي طلب السَّاحِل الفوقاني
وَلما كَانَ مستهل ربيع الآخر نزل على تل قبالة حصن الأكراد ثمَّ سير إِلَى الْملك الظَّاهِر وَلَده وَالْملك المظفر بِأَن يجتمعا وينزلا بتيزين قبالة أنطاكية لحفظ ذَلِك الْجَانِب ففعلا وسارت عَسَاكِر الشرق حَتَّى اجْتمعت بِخِدْمَة السُّلْطَان فِي هَذِه الْمنزلَة
ووصلت اليه رحمه الله فِي هَذِه الْمنزلَة فَإِنَّهُ كَانَ قد سير إِلَيّ إِلَى دمشق يَقُول تلحقنا نَحْو حمص فَخرجت على عزم الْمسير إِلَى الْموصل متجهزا لذَلِك فوصلت إِلَيْهِ إمتثالا لأَمره فَلَمَّا حضرت عِنْده فَرح بِي وأكرمني
وَكنت قد جمعت لَهُ كتابا فِي الْجِهَاد بِدِمَشْق مُدَّة مقَامي فِيهَا يجمع آدابه وَأَحْكَامه فقدمته بَين يَدَيْهِ فأعجبه وَكَانَ يلازم مطالعته وَمَا زلت أطلب دستورا فِي كل وَقت وَهُوَ يدافعني عَن ذَلِك ويستدعيني للحضور فِي خدمته فِي كل وَقت ويبلغني على أَلْسِنَة الْحَاضِرين ثَنَاؤُهُ عَليّ وَذكره إيَّايَ بالجميل فَأَقَامَ فِي مَنْزِلَته تِلْكَ شهر ربيع الآخر أجمع وَصعد فِي أَثْنَائِهِ إِلَى حصن الأكراد وحاصره يَوْمًا يجسه بِهِ فَمَا رأى الْوَقْت يحْتَمل حصاره وَاجْتمعت العساكر من الجوانب
وأغار على بلد طرابلس فِي هَذَا الشَّهْر دفعتين وَدخل الْبِلَاد مغيرا ومختبرا لمن بهَا من العساكر وتقوية للعساكر بالغنائم ثمَّ نَادَى فِي النَّاس فِي أَوَاخِر الشَّهْر إِنَّا داخلون إِلَى السَّاحِل وَهُوَ قَلِيل الأزواد وَهُوَ مُحِيط بِنَا فِي بِلَاده من سَائِر الجوانب فاحملوا زَاد شهر
ثمَّ سير إِلَيّ مَعَ الْفَقِيه عِيسَى وكشف لي أَنه لَيْسَ فِي عزمه أَن يمكنني من الْعود إِلَى بلادي وَكَانَ الله تَعَالَى قد أوقع فِي قلبِي