المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شَافِعِيّ الْمَذْهَب أصولا وفروعا مُعْتَقدًا لَهُ معقولا ومسموعا يدني أهل - الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية - جـ ٤

[أبو شامة المقدسي]

فهرس الكتاب

- ‌ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل فِي دُخُول السُّلْطَان رحمه الله السَّاحِل الآخر وَفتح مَا يسر الله تَعَالَى من بِلَاده

- ‌فصل فِي فتح أنطرطوس

- ‌فصل فِي فتح جبلة وَغَيرهَا

- ‌فصل فِي فتح اللاذقية

- ‌فصل فِي فتح صهيون وَغَيرهَا

- ‌فصل فِي فتح بكاس والشغر وسرمانية

- ‌فصل فِي فتح حصن برزيه

- ‌فصل فِي فتح حصن دربساك

- ‌فصل فِي فتح بغراس

- ‌فصل فِي عقد الْهُدْنَة مَعَ صَاحب أنطاكية وعود السُّلْطَان

- ‌فصل فِي فتح الكرك وحصونه

- ‌فصل فِي فتح صفد

- ‌فصل فِي فتح حصن كَوْكَب

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي فتح شقيف أرنون

- ‌فصل

- ‌فصل فِي نزُول الفرنج - خذلهم الله - على عكا

- ‌فصل فِي المصاف الْأَعْظَم على عكا وَهِي الْوَقْعَة الْكُبْرَى الَّتِي بدأت بالسوأى وختمت بِالْحُسْنَى

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة بمرج عكا وَغَيره

- ‌فصل

- ‌فصل فِي وُرُود خبر خُرُوج ملك الألمان

- ‌ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي قدوم الْمُلُوك وحريق الأبراج

- ‌فصل فِيمَا كَانَ من أَمر ملك الألمان

- ‌فصل فِي الْوَقْعَة العادلية على عكا ظهر يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة

- ‌فصل

- ‌فصل فِي إِدْخَال البطس إِلَى عكا

- ‌فصل

- ‌فصل فِي إحراق مَا حوصر بِهِ برج الذبان وتحريق الْكَبْش

- ‌فصل فِي حوادث أخر مُتَفَرِّقَة فِي هَذِه السّنة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي نُسْخَة الْكتاب إِلَى ملك الْمغرب والهدية

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي ذكر خُرُوج الفرنج - خذلهم الله - على عزم اللِّقَاء ووصولهم إِلَى رَأس المَاء

- ‌فصل فِي وقْعَة الكمين وَغَيرهَا وَدخُول الْبَدَل إِلَى عكا

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي مضايقة الْعَدو - خذله الله - لعكا - يسر الله فتحهَا - واستيلائهم عَلَيْهَا

- ‌فصل فِيمَا جرى بعد انْفِصَال أَمر عكا

- ‌فصل فِيمَا جرى بعد خراب عسقلان

- ‌فصل فِي بقايا حوادث هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي عزم الفرنج على قصد الْقُدس وَسَببه

- ‌فصل فِي تردد رسل الإنكلتير فِي معنى الصُّلْح وَمَا جرى فِي أثْنَاء ذَلِك إِلَى أَن تمّ وَللَّه الْحَمد

- ‌فصل فِيمَا جرى بعد الْهُدْنَة

- ‌فصل فِي مسير السُّلْطَان رحمه الله من الْقُدس إِلَى دمشق

- ‌فصل فِي ذكر أُمُور جرت فِي هَذِه السّنة من وفيات وَغَيرهَا

- ‌ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي مرض السُّلْطَان ووفاته أحله الله بحبوحة جناته

- ‌فصل فِي تَرِكَة السُّلْطَان وَوصف أخلاقه رحمه الله

- ‌فصل

- ‌فصل فِي انقسام ممالكه بَين أَوْلَاده وَإِخْوَته وَبَعض مَا جرى بعد وَفَاته

- ‌فصل فِي وَفَاة صَاحب الْموصل وتتمة أَخْبَار هَذِه الْفِتْنَة بِبِلَاد الشرق

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌وَدخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَخمْس مئة

- ‌وَدخلت سنة خمس وَتِسْعين وَخمْس مئة

- ‌ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَخمْس مئة

- ‌فَصل

- ‌فصل فِي وَفَاة جمَاعَة من الْأَعْيَان فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين

- ‌فصل فِي وَفَاة القَاضِي الْفَاضِل رحمه الله

- ‌ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مئة

الفصل: شَافِعِيّ الْمَذْهَب أصولا وفروعا مُعْتَقدًا لَهُ معقولا ومسموعا يدني أهل

شَافِعِيّ الْمَذْهَب أصولا وفروعا مُعْتَقدًا لَهُ معقولا ومسموعا يدني أهل التَّنْزِيه ويقصي أهل التَّشْبِيه ويديم استفادة فقه الْفَقِيه واستزادة نباهة النبيه ووجاهة الْوَجِيه فالعالمون فِي عدله والعالمون فِي فَضله والبلاد فِي أَمنه والعباد فِي مِنْهُ

‌فصل

قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد كَانَ مولد السُّلْطَان رحمه الله فِي شهور سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة بقلعة تكريت وَكَانَ وَالِده أَيُّوب بن شاذي واليا بهَا وَكَانَ كَرِيمًا أريحيا حَلِيمًا حسن الْأَخْلَاق مولده بدوين ثمَّ اتّفق لَهُ الِانْتِقَال من تكريت إِلَى الْموصل وانتقل وَلَده الْمَذْكُور مَعَه وَأقَام بهَا إِلَى ان ترعرع

وَكَانَ وَالِده مُحْتَرما مقدما هُوَ وَأَخُوهُ أَسد الدّين شيركوه عِنْد أتابك زنكي وَاتفقَ لوالده الِانْتِقَال إِلَى الشَّام وَأعْطِي بعلبك وَأقَام بهَا مُدَّة وَمَعَهُ وَلَده الْمَذْكُور فَأَقَامَ فِي خدمَة وَالِده يتربى تجت حجره ويرتضع ثدي محَاسِن أخلاقه حَتَّى بَدَت مِنْهُ أَمَارَات السَّعَادَة ولاحت عَلَيْهِ لوائح التَّقَدُّم والسيادة وَقدمه الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي رحمه الله وعول عَلَيْهِ وَنظر إِلَيْهِ وقربه وخصصه وَلم يزل كلما تقدم قدما تبدو مِنْهُ أَسبَاب تَقْتَضِي تَقْدِيمه إِلَى مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ حَتَّى اتّفق لِعَمِّهِ أَسد الدّين شيركوه

ص: 381

الْحَرَكَة إِلَى مصر والنهوض إِلَيْهَا وَقد مضى ذَلِك

ثمَّ قَالَ ذكر مَا شَاهَدْنَاهُ من مواظبته على الْقَوَاعِد الدِّينِيَّة وملاحظته للأمور الشَّرْعِيَّة ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَالْحج إِلَى بَيت الله الْحَرَام

وَكَانَ رحمه الله حسن العقيدة كثير الذّكر لله تَعَالَى قد أَخذ عقيدته عَن الدَّلِيل بِوَاسِطَة الْبَحْث مَعَ مَشَايِخ أهل الْعلم وأكابر الْفُقَهَاء وَيفهم من ذَلِك مَا يحْتَاج إِلَى تفهمه بِحَيْثُ كَانَ إِذا جرى الْكَلَام بَين يَدَيْهِ يَقُول فِيهِ قولا حسنا وَإِن لم يكن بِعِبَارَة الْفُقَهَاء فَتحصل من ذَلِك سَلامَة عقيدته عَن كدر التَّشْبِيه والتعطيل جَارِيَة على نمط الاسْتقَامَة

وَكَانَ قد جمع لَهُ الشَّيْخ الامام قطب الدّين النَّيْسَابُورِي رحمه الله عقيدة تجمع جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب وَكَانَ من شدَّة حرصه عَلَيْهَا يعلمهَا الصغار من أَوْلَاده حَتَّى تترسخ فِي أذهانهم من الصغر ورأيته وَهُوَ يَأْخُذهَا عَلَيْهِم وهم يقرؤونها من حفظهم بَين يَدَيْهِ

ص: 382

وَأما الصَّلَاة فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيد الْمُوَاظبَة عَلَيْهَا بِالْجَمَاعَة حَتَّى إِنَّه ذكر رحمه الله يَوْمًا أَن لَهُ سِنِين مَا صلى إِلَّا جمَاعَة وَكَانَ إِذا مرض يَسْتَدْعِي الامام وَحده ويكلف نَفسه الْقيام وَيُصلي جمَاعَة

وَكَانَ يواظب على السّنَن الرَّوَاتِب وَكَانَ لَهُ رَكْعَات يُصليهَا إِن اسْتَيْقَظَ بِوَقْت من اللَّيْل وَإِلَّا أَتَى بهَا قبل صَلَاة الصُّبْح وَمَا كَانَ يتْرك الصَّلَاة مَا دَامَ عقله عَلَيْهِ وَلَقَد رَأَيْته يُصَلِّي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَائِما وَمَا ترك الصَّلَاة إِلَّا فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي تغيب فِيهَا ذهنه وَكَانَ إِذا أَدْرَكته الصَّلَاة وَهُوَ سَائِر نزل وَصلى

وَأما الزَّكَاة فَإِنَّهُ مَاتَ رضي الله عنه وَلم يحفظ مَا وَجَبت عَلَيْهِ بِهِ الزَّكَاة وَأما صَدَقَة النَّفْل فانها استنفذت جَمِيع مَا ملكه من الْأَمْوَال

وَأما صَوْم رَمَضَان فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ فوائت بِسَبَب أمراض تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ فِي رمضانات مُتعَدِّدَة

وَكَانَ القَاضِي الْفَاضِل قد تولى ثَبت تِلْكَ الْأَيَّام وَشرع رحمه الله فِي قَضَاء فوائت ذَلِك فِي الْقُدس الشريف فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا وواظب على الصَّوْم مِقْدَارًا زَائِدا على شهر فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ فوائت رمضانين شغلته الْأَمْرَاض وملازمة الْجِهَاد عَن قَضَائهَا

ص: 383

وَكَانَ الصَّوْم لَا يُوَافق مزاجه فألهمه الله الصَّوْم لقَضَاء الْفَوَائِت فَكَانَ يَصُوم وَأَنا أثبت الْأَيَّام الَّتِي يصومها فَإِن القَاضِي كَانَ غَائِبا والطبيب يلومه وَهُوَ لَا يسمع وَيَقُول مَا أعلم مَا يكون فَكَأَنَّهُ كَانَ ملهما بَرَاءَة ذمَّته وَلم يزل حَتَّى قضى مَا عَلَيْهِ رحمه الله

وَأما الْحَج فَإِنَّهُ لم يزل عَازِمًا عَلَيْهِ وناويا لَهُ لَا سِيمَا فِي الْعَام الَّذِي توفّي فِيهِ فَإِنَّهُ صمم الْعَزْم عَلَيْهِ وَأمر بالتأهب وعملت الزوادة وَلم يبْق إِلَّا الْمسير فاعتاق عَن ذَلِك بِسَبَب ضيق الْوَقْت وفراغ الْيَد عَمَّا يَلِيق بأمثاله فَأَخَّرَهُ إِلَى الْعَام الْمُسْتَقْبل فَقضى الله مَا قضى قَالَ وَهَذَا شَيْء اشْترك فِي الْعلم بِهِ الْخَاص وَالْعَام

وَكَانَ رحمه الله يحب سَماع الْقُرْآن الْعَظِيم حَتَّى إِنَّه كَانَ يستخير إِمَامه وَيشْتَرط عَلَيْهِ أَن يكون عَالما بعلوم الْقُرْآن الْعَظِيم متقنا لحفظه وَكَانَ يستقرئ من يحضرهُ فِي اللَّيْل وَهُوَ فِي برجه الجزأين وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَهُوَ يسمع وَكَانَ يستقرئ فِي مَجْلِسه الْعَام من جرت عَادَته بذلك الْآيَة وَالْعِشْرين وَالزَّائِد على ذَلِك وَلَقَد اجتاز على صَغِير بَين يَدي أَبِيه وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن فَاسْتحْسن قِرَاءَته فقربه وَجعل لَهُ حظا من خَاص طَعَامه ووقف عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه جُزْءا من مزرعة

وَكَانَ رحمه الله خاشع الْقلب رَقِيق الدمعة إِذا سمع الْقُرْآن الْعَزِيز يخشع قلبه وتدمع عينه فِي مُعظم أوقاته

وَكَانَ شَدِيد الرَّغْبَة فِي سَماع الحَدِيث وَمَتى سمع عَن شيخ

ص: 384

ذِي رِوَايَة عالية وَسَمَاع كثير فَإِن كَانَ مِمَّن يحضر عِنْده استحضره وَسمع عَلَيْهِ وأسمع من يحضرهُ فِي ذَلِك الْمَكَان من أَوْلَاده ومماليكه والمختصين بِهِ وَكَانَ يَأْمر النَّاس بِالْجُلُوسِ عِنْد سَماع الحَدِيث إجلالا لَهُ وَإِن كَانَ الشَّيْخ مِمَّن لَا يطْرق أَبْوَاب السلاطين ويتحامى عَن الْحُضُور فِي مجَالِسهمْ سعى إِلَيْهِ وَسمع عَلَيْهِ تردد إِلَى الْحَافِظ السلَفِي بالاسكندرية وروى عَنهُ أَحَادِيث كَثِيرَة

وَكَانَ يحب أَن يقْرَأ الحَدِيث بِنَفسِهِ فَكَانَ يستحضرني فِي خلوته ويحضر شَيْئا من كتب الحَدِيث وَيقْرَأ هُوَ فاذا مر بِحَدِيث فِيهِ عِبْرَة رق قلبه ودمعت عينه

وَكَانَ كثير التَّعْظِيم لشعائر الدّين قَائِلا ببعث الْأَجْسَام ونشورها ومجازاة المحسن بِالْجنَّةِ والمسيئ بالنَّار مُصدقا لجَمِيع مَا وَردت بِهِ الشَّرَائِع منشرحا بذلك صَدره مبغضا للفلاسفة والمعطلة والدهرية وَمن يعاند الشَّرِيعَة المطهرة

وَلَقَد أَمر وَلَده الظَّاهِر صَاحب حلب بقتل شَاب كَانَ نَشأ يُقَال لَهُ السهروردي قيل عَنهُ إِنَّه كَانَ معاندا للشرائع مُبْطلًا وَكَانَ قد قبض عَلَيْهِ وَلَده الْمَذْكُور لما بلغه من خَبره وَعرف السُّلْطَان بِهِ فَأمر بقتْله وصلبه أَيَّامًا فَقتله

ص: 385

وَكَانَ حسن الظَّن بِاللَّه كثير الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ عَظِيم الانابة إِلَيْهِ وَلَقَد شاهدت من آثَار ذَلِك مَا أحكيه فَحكى التجاءه إِلَى الله تَعَالَى عِنْد خَوفه من قصد الفرنج بَيت الْمُقَدّس وَامْتِنَاع أَصْحَابه من دُخُوله للحصر فصلى ودعا فكفي ذَلِك وَقد تقدم ذكره

ثمَّ قَالَ وَكَانَ رحمه الله عادلا رؤوفا رحِيما ناصرا للضعيف على الْقوي وَكَانَ يجلس للعدل فِي كل يَوْم اثْنَيْنِ وخميس فِي مجْلِس عَام يحضرهُ الْفُقَهَاء والقضاة وَالْعُلَمَاء وَيفتح الْبَاب للمتحاكمين حَتَّى يصل إِلَيْهِ كل أحد من كَبِير وصغير وعجوز هرمة وَشَيخ كَبِير وَكَانَ يفعل ذَلِك سفرا وحضرا على أَنه كَانَ فِي جَمِيع زَمَانه قَابلا لما يعرض عَلَيْهِ من الْقَصَص كاشفا لما ينْهَى إِلَيْهِ من الْمَظَالِم وَكَانَ يجمع الْقَصَص فِي كل يَوْم ثمَّ يجلس مَعَ الْكَاتِب سَاعَة إِمَّا فِي اللَّيْل أَو فِي النَّهَار ويوقع على كل قصَّة بِمَا يُطلق الله على قلبه وَمَا اسْتَغَاثَ إِلَيْهِ أحد إِلَّا وقف وَسمع ظلامته وَأخذ قصَّته وكشف قَضيته

وَلَقَد رَأَيْته وَقد اسْتَغَاثَ إِلَيْهِ إِنْسَان من أهل دمشق يُقَال لَهُ ابْن زُهَيْر على تَقِيّ الدّين ابْن أَخِيه وأنفذ إِلَيْهِ ليحضره فِي مجْلِس الحكم فَمَا خلصه إِلَّا أَن أشهد عَلَيْهِ شَاهِدين أَنه وكل القَاضِي أَمِين الدّين أَبَا الْقَاسِم قَاضِي حماة فِي الْمُخَاصمَة فأقاما

ص: 386

الشَّهَادَة عِنْدِي فِي مَجْلِسه فَأمرت أَبَا الْقَاسِم بمساواة الْخصم فساواه وَكَانَ من خَواص جلساء السُّلْطَان ثمَّ جرت المحاكمة بَينهمَا واتجهت الْيَمين على تَقِيّ الدّين وَكَانَ تَقِيّ الدّين من أعز النَّاس عَلَيْهِ وأعظمهم عِنْده وَلم يحابه فِي الْحق

قَالَ وَكنت يَوْمًا فِي مجْلِس الحكم بالقدس الشريف إِذْ دخل عَليّ شيخ حسن تَاجر مَعْرُوف يُسمى عمر الخلاطي وَمَعَهُ كتاب حكمي سَأَلَ فَتحه وَقَالَ خصمي السُّلْطَان وَهَذَا بِسَاط الشَّرْع وَقد سمعنَا أَنَّك لَا تحابي فَقلت وَفِي أَي قَضِيَّة هُوَ خصمك فَقَالَ إِن سنقر الخلاطي كَانَ مملوكي وَلم يزل على ملكي إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ فِي يَده أَمْوَال عَظِيمَة كلهَا لي وَمَات عَنْهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا السُّلْطَان وَأَنا مطالبه بهَا

فَقلت يَا شيخ وَمَا الَّذِي أقعدك إِلَى هَذِه الْغَايَة فَقَالَ الْحُقُوق لَا تبطل بِالتَّأْخِيرِ وَهَذَا الْكتاب الْحكمِي ينْطق بِأَنَّهُ لم يزل فِي ملكي إِلَى أَن مَاتَ فَأخذت الْكتاب مِنْهُ وتصفحت مضمونه فَوَجَدته يتَضَمَّن حلية سنقر الخلاطي وَأَنه قد اشْتَرَاهُ من فلَان التَّاجِر بأرجيش فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ من شهر كَذَا من سنة كَذَا وَأَنه لم يزل فِي ملكه إِلَى أَن شَذَّ عَن يَده فِي سنة كَذَا وَمَا عرف شُهُود هَذَا الْكتاب خُرُوجه عَن ملكه بِوَجْه وتمم الشَّرْط إِلَى آخِره

ص: 387

فتعجبت من هَذِه الْقِصَّة وأعلمت السُّلْطَان بذلك فَأحْضرهُ واستدناه حَتَّى جلس بَين يَدي وَكنت إِلَى جَانِبه ثمَّ انفرك من طراحته حَتَّى ساواه رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ ادّعى الرجل وَفتح كِتَابه وقرئ تَارِيخه

فَقَالَ السُّلْطَان إِن لي من يشْهد أَن هَذَا سنقر فِي هَذَا التَّارِيخ كَانَ فِي ملكي وَفِي يَدي بِمصْر وَأَنِّي اشْتَرَيْته مَعَ ثَمَانِيَة أنفس فِي تَارِيخ مُتَقَدم على هَذَا التَّارِيخ بِسنة وَأَنه لم يزل فِي يَدي وملكي إِلَى أَن أَعتَقته

ثمَّ استحضر جمَاعَة من أَعْيَان الْأُمَرَاء الْمُجَاهدين فَشَهِدُوا بذلك وحكوا الْقَضِيَّة كَمَا ذكرهَا وَذكروا التَّارِيخ كَمَا إدعاه فَأبْلسَ الرجل فَقلت لَهُ يَا مَوْلَانَا هَذَا الرجل مَا فعل ذَلِك إِلَّا طلبا لمراحم السُّلْطَان وَقد حضر بَين يَدي الْمولى وَمَا يحسن أَن يرجع خائب الْقَصْد فَقَالَ هَذَا بَاب آخر وَتقدم لَهُ بخلعة وَنَفَقَة بَالِغَة

قَالَ فَانْظُر إِلَى مَا فِي طي هَذِه الْقَضِيَّة من الْمعَانِي الغريبة العجيبة من التَّوَاضُع والإنقياد إِلَى الْحق وإرغام النَّفس وَالْكَرم فِي مَوضِع الْمُؤَاخَذَة مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِ

قَالَ وَكَرمه كَانَ أظهر من أَن يسطر كَانَ رَحمَه الله

ص: 388

يهب الأقاليم وَفتح آمد فطلبها مِنْهُ ابْن قرا أرسلان فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا ورأيته وَقد اجْتمع عِنْده وُفُود بالقدس وَلم يكن فِي الخزانة مَا يعطيهم فَبَاعَ قَرْيَة من بَيت المَال وفضضنا ثمنهَا عَلَيْهِم وَلم يفضل مِنْهُ دِرْهَم وَاحِد

وَكَانَ يُعْطي فِي وَقت الضائقة كَمَا يُعْطي فِي حَال السعَة وَكَانَ نواب خزانته يخفون عَنهُ شَيْئا من المَال خوفًا أَن يفجأهم مُهِمّ لعلمهم أَنه مَتى علم بِهِ أخرجه وسمعته يَوْمًا يَقُول يُمكن أَن يكون فِي النَّاس من ينظر إِلَى المَال كَمَا ينظر إِلَى التُّرَاب فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بذلك نَفسه

وَكَانَ يُعْطي فَوق مَا يؤمل الطَّالِب وَمَا سمعته قطّ يَقُول أعطينا لفُلَان وَكَانَ يُعْطي الْكثير ويبسط وَجهه للمعطى بسط من لم يُعْطه شَيْئا وَكَانَ النَّاس يستزيدونه فِي كل وَقت وَمَا سمعته قطّ يَقُول قد زِدْت مرَارًا فكم أَزِيد وَأكْثر الرسائل فِي ذَلِك كَانَ يكون على لساني ويدي وَكنت أخجل من كَثْرَة مَا يطْلبُونَ وَلَا أخجل مِنْهُ لعلمي بِعَدَمِ مؤاخذته بذلك وَمَا خدمه أحد قطّ إِلَّا وأغناه عَن سُؤال غَيره

وَأما تعداد عطاياه وتعداد صنوفها فَلَا تطمع فِيهِ أصلا وَلَقَد سَمِعت من صَاحب ديوانه يَقُول لي وَقد تجارينا عطاياه فَقَالَ حصرنا عدد مَا وهب من الْخَيل بمرج عكا لَا غير فَكَانَ

ص: 389

عشرَة آلَاف فرس وَمن شَاهد مواهبه يسْتَقلّ هَذَا الْقدر اللَّهُمَّ إِنَّك ألهمته الْكَرم وَأَنت أكْرم الأكرمين فتكرم عَلَيْهِ بِرَحْمَتك ورضوانك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ

وَقَالَ وَكَانَ رحمه الله من عُظَمَاء الشجعان قوي النَّفس شَدِيد الْبَأْس عَظِيم الثَّبَات لَا يهوله أَمر وَلَقَد رَأَيْته مرابطا فِي مُقَابلَة عدَّة عَظِيمَة من الفرنج ونجدتهم تتواصل وعساكرهم تتواتر وَهُوَ لَا يزْدَاد إِلَّا قُوَّة نفس وصبرا

وَلَقَد وصل فِي لَيْلَة وَاحِدَة مِنْهُم نَيف وَسَبْعُونَ مركبا على عكا وَأَنا أعدهَا من بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَهُوَ لَا يزْدَاد إِلَّا قُوَّة نفس

وَلَقَد كَانَ يُعْطي دستورا فِي أَوَائِل الشتَاء وَيبقى فِي شرذمة يسيرَة فِي مُقَابلَة عدتهمْ الْكَثِيرَة وَلَقَد سَأَلت باليان بن بارزان وَهُوَ من كبار مُلُوك السَّاحِل وَهُوَ جَالس بَين يَدَيْهِ يَوْم انْعِقَاد الصُّلْح عَن عدتهمْ فَقَالَ الترجمان عَنهُ إِنَّه يَقُول كنت أَنا وَصَاحب صيدا وَكَانَ أَيْضا من مُلُوكهمْ وعقلائهم قَاصِدين عسكرنا من صور فَلَمَّا أَشْرَفنَا عَلَيْهِ تحازرناه فحزره هُوَ بِخمْس مئة ألف وحزرته أَنا بست مئة ألف أَو قَالَ عكس ذَلِك فَقلت فكم هلك مِنْهُم فَقَالَ

ص: 390

أما بِالْقَتْلِ فقربت من مئة ألف وَأما بِالْمَوْتِ وَالْغَرق فَلَا يعلم وَمَا رَجَعَ من هَذَا الْعَالم إِلَّا الْأَقَل

قَالَ وَكَانَ لَا بُد لَهُ من أَن يطوف حول الْعَدو كل يَوْم مرّة أَو مرَّتَيْنِ إِذا كُنَّا قَرِيبا مِنْهُم وَكَانَ إِذا اشْتَدَّ الْحَرْب يطوف بَين الصفين وَمَعَهُ صبي وَاحِد وعَلى يَده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إِلَى الميسرة يرتب الأطلاب وَيَأْمُرهُمْ بالتقدم وَالْوُقُوف فِي مَوَاضِع يَرَاهَا وَكَانَ يشارف الْعَدو ويجاوره

وَلَقَد قرئ عَلَيْهِ جُزْء من الحَدِيث بَين الصفين وَذَلِكَ أَنِّي قلت لَهُ قد سمع الحَدِيث فِي جَمِيع المواطن الشَّرِيفَة وَمَا نقل أَنه سمع بَين الصفين فَإِن رأى الْمولى أَن يُؤثر عَنهُ ذَلِك كَانَ حسنا فَأذن فِي ذَلِك فأحضر جُزْء هُنَاكَ من لَهُ بِهِ سَماع فقرى عَلَيْهِ وَنحن على ظُهُور الدَّوَابّ بَين الصفين يمشي تَارَة وَيقف أُخْرَى

وَمَا رَأَيْته استكثر الْعَدو أصلا وَلَا استعظم أَمرهم قطّ وَكَانَ مَعَ ذَلِك فِي حَال الْفِكر وَالتَّدْبِير يذكر بَين يَدَيْهِ الْأَقْسَام كلهَا ويرتب على كل قسم مُقْتَضَاهُ من غير حِدة وَلَا غضب يَعْتَرِيه وَلَقَد انهزم الْمُسلمُونَ فِي يَوْم المصاف الْأَكْبَر بمرج عكا حَتَّى الْقلب وَرِجَاله وَوَقع الكوس وَالْعلم وَهُوَ ثَابت الْقدَم فِي نفر يسير وَقد انحاز إِلَى الْجَبَل يجمع النَّاس ويردهم ويخجلهم حَتَّى يرجِعوا وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى عكر الْمُسلمُونَ على الْعَدو فِي ذَلِك الْيَوْم وَقتل مِنْهُم زهاء سَبْعَة آلَاف مَا بَين راجل وَفَارِس

ص: 391

وَلم يزل مصابرا لَهُم وهم فِي الْعدة الوافرة إِلَى أَن ظهر لَهُ ضعف الْمُسلمين فَصَالح وَهُوَ مسؤول من جانبهم فَإِن الضعْف والهلاك كَانَ فيهم أَكثر وَلَكنهُمْ كَانُوا يتوقعون النجدة وَنحن لَا نتوقعها وَكَانَت الْمصلحَة فِي الصُّلْح

وَكَانَ رحمه الله يمرض وَيصِح وتعتريه أَحْوَال مهولة وَهُوَ مصابر مرابط وتتراءى الناران ونسمع مِنْهُم صَوت الناقوس ويسمعون منا صَوت الْأَذَان إِلَى أَن انْقَضى الْأَمر

قَالَ وَكَانَ رحمه الله شَدِيد الْمُوَاظبَة على الْجِهَاد عَظِيم الاهتمام بِهِ وَلَو حلف حَالف أَنه مَا أنْفق بعد خُرُوجه إِلَى الْجِهَاد دِينَارا وَلَا درهما إِلَّا فِي الْجِهَاد أَو فِي الارفاد لصدق وبر فِي يَمِينه

وَلَقَد كَانَ الْجِهَاد وحبه والشغف بِهِ قد استولى على قلبه وَسَائِر جوانحه اسْتِيلَاء عَظِيما بِحَيْثُ مَا كَانَ لَهُ حَدِيث إِلَّا فِيهِ وَلَا نظر إِلَّا فِي آلَته وَلَا اهتمام إِلَّا بِرِجَالِهِ وَلَا ميل إِلَّا إِلَى من يذكرهُ ويحث عَلَيْهِ وَلَقَد هجر فِي محبَّة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله أَهله وَأَوْلَاده ووطنه وسكنه وَسَائِر بِلَاده وقنع من الدُّنْيَا بِالسُّكُونِ فِي ظلّ خيمة تهب بهَا الرِّيَاح يمنة ويسرة وَلَقَد وَقعت عَلَيْهِ الْخَيْمَة فِي لَيْلَة ريحة على مرج عكا فَلَو لم يكن فِي البرج وَإِلَّا قتلته وَلَا يزِيدهُ ذَلِك إِلَّا رَغْبَة ومصابرة واهتماما

ص: 392

قلت وشواهد مَا ذكر القَاضِي من ذَلِك كَثِيرَة وَقد سبقت مفرقة فِي وقعاته رحمه الله مِنْهَا مَا قاساه على حِصَار حصن كَوْكَب من الأمطار والأوحال

وَقَالَ الرشيد ابْن النابلسي من قصيدة لَهُ

(مَا أبهج الدّين وَالدُّنْيَا بمالكها الصّديق

يُوسُف لَا لاذت بِهِ الْغَيْر)

(ملك تساوى جُمَادَى فِي الْجِهَاد وتموز

لَدَيْهِ وضاهى ناجرا صفر)

(فَلَيْسَ يثنيه حر إِن توقد عَن

رضَا الْإِلَه وَلَا إِن أغدق الْمَطَر)

(وَلَا ينهنهه عَمَّا يكابده

ضج أعيذ معاليه وَلَا ضجر)

(وَلَا يرى الرّوح إِلَّا ظهر سلهبة

فِي بطن معركة مركوبها وعر)

(صَبر جميل كطعم الشهد فِي فَمه

وَعند كل مليك طعمه الصَّبْر)

قَالَ القَاضِي وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يتَقرَّب إِلَيْهِ يحثه على الْجِهَاد أَو يذكر شَيْئا من أَخْبَار الْجِهَاد وَلَقَد ألف لَهُ كتب عدَّة فِي الْجِهَاد وَأَنا مِمَّن جمع لَهُ فِيهِ كتابا جمعت فِيهِ آدابه وكل آيَة وَردت فِيهِ وكل حَدِيث رُوِيَ فِيهِ وشرحت غريبها وَكَانَ رحمه الله كثيرا مَا يطالعه حَتَّى أَخذه مِنْهُ وَلَده الْأَفْضَل

ص: 393

قَالَ ولأحكين عَنهُ مَا سَمِعت مِنْهُ فِي ذَلِك وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد أَخذ كَوْكَب فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأعْطى العساكر دستورا وَأخذ عَسْكَر مصر فِي الْعود إِلَى مصر وَكَانَ مقدمه أَخَاهُ الْعَادِل فَسَار مَعَه ليودعه ويحظى بِصَلَاة الْعِيد فِي الْقُدس فَفعل وَوَقع لَهُ أَنه يمْضِي مَعَهم إِلَى عسقلان ويودعهم ثمَّ يعود على طَرِيق السَّاحِل يتفقد الْبِلَاد الساحلية إِلَى عكا ويرتب أحوالها فأشاروا عَلَيْهِ أَن لَا يفعل فَإِن العساكر إِذا فارقتنا نبقى فِي عدَّة يسيرَة والفرنج كلهم بصور وَهَذِه مخاطرة عَظِيمَة فَلم يلْتَفت وودع أَخَاهُ والعسكر بعسقلان ثمَّ سرنا على السَّاحِل طالبي عكا وَكَانَ الزَّمَان شتاء عَظِيما وَالْبَحْر هائجا هيجانا عَظِيما وموجه كالجبال كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَكنت حَدِيث عهد بِرُؤْيَة الْبَحْر فَعظم أَمر الْبَحْر عِنْدِي حَتَّى خيل لي أنني لَو قَالَ لي قَادر لَو جزت فِي الْبَحْر ميلًا وَاحِدًا مَلكتك الدُّنْيَا لما كنت أفعل واستخففت رَأْي من يركب الْبَحْر رَجَاء كسب دِينَار أَو دِرْهَم واستحسنت رَأْي من لَا يقبل شَهَادَة رَاكب الْبَحْر

هَذَا كُله خطر لي لعظم الهول الَّذِي شاهدته من حَرَكَة البحروتموجه فَبينا أَنا فِي ذَلِك إِذْ الْتفت إِلَيّ وَقَالَ فِي نَفسِي أَنه مَتى يسر الله تَعَالَى فتح بَقِيَّة السَّاحِل قسمت الْبِلَاد وأوصيت وودعت وَركبت هَذَا الْبَحْر إِلَى جزائرهم أتتبعهم فِيهَا حَتَّى لَا أُبْقِي على

ص: 394

وَجه الأَرْض من يكفر بِاللَّه أَو أَمُوت

فَعظم وَقع هَذَا الْكَلَام عِنْدِي حَيْثُ نَاقض مَا كَانَ يخْطر لي وَقلت لَهُ لَيْسَ فِي الأَرْض أَشْجَع نفسا من الْمولى وَلَا أقوى نِيَّة مِنْهُ فِي نصْرَة دين الله وحكيت لَهُ مَا خطر لي ثمَّ قلت مَا هَذِه إِلَّا نِيَّة جميلَة وَلَكِن الْمولى يسير فِي الْبَحْر العساكر وَهُوَ سور الْإِسْلَام وَلَا يَنْبَغِي أَن يخاطر بِنَفسِهِ فَقَالَ أَنا أستفتيك مَا أشرف الميتات فَقلت الْمَوْت فِي سَبِيل الله فَقَالَ غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن أَمُوت أشرف الميتات

قَالَ فَانْظُر إِلَى هَذِه الطوية مَا أطهرها وَإِلَى هَذِه النَّفس مَا أشجعها وأجسرها اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه بذل جهده فِي نصْرَة دينك رَجَاء رحمتك فارحمه

قَالَ وَأما صبره فَلَقَد رَأَيْته بمرج عكا وَهُوَ على غَايَة من مرض اعتراه بِسَبَب كَثْرَة دماميل كَانَت ظَهرت عَلَيْهِ من وَسطه إِلَى ركبته بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْجُلُوس وَإِنَّمَا يكون مُتكئا على جَانِبه إِذا كَانَ فِي الْخَيْمَة وَامْتنع من مد الطَّعَام بَين يَدَيْهِ لعَجزه عَن الْجُلُوس وَكَانَ يَأْمر أَن يفرق على النَّاس وَكَانَ مَعَ ذَلِك كُله يركب من بكرَة النَّهَار إِلَى صَلَاة الظّهْر يطوف على الأطلاب وَمن الْعَصْر إِلَى صَلَاة الْمغرب وَهُوَ صابر على شدَّة الْأَلَم وَقُوَّة ضَرْبَان الدماميل وَكُنَّا نعجب من ذَلِك فَيَقُول رحمه الله إِذا ركبت يَزُول عني ألمها حَتَّى أنزل قَالَ وَهَذِه عناية ربانية

ص: 395

وَلَقَد مرض وَنحن على الخروبة وَكَانَ قد تَأَخّر عَن تل الحجل بِسَبَب مَرضه فَبلغ الفرنج ذَلِك فَخَرجُوا طَمَعا فِي أَن ينالوا من الْمُسلمين شَيْئا بِسَبَب مَرضه وَهِي نوبَة النَّهر فَخَرجُوا فِي مرحلة إِلَى الْآبَار الَّتِي تَحت التل ثمَّ رَحل الْعَدو فِي الْيَوْم الثَّانِي يطلبنا فَركب رحمه الله على مضض ورتب العساكر للحرب وَجعل أَوْلَاده فِي الْقلب وَنزل هُوَ وَرَاء الْقَوْم بِطَلَبِهِ

وَكلما سَار الْعَدو يطْلب رَأس النَّهر سَار هُوَ يستدير إِلَى ورائهم حَتَّى يقطع بَينهم وَبَين خيامهم وَهُوَ رحمه الله يسير سَاعَة ثمَّ ينزل يستريح ويظلل بمنديل على رَأسه من شدَّة وَقع الشَّمْس وَلَا تنصب لَهُ خيمة حَتَّى لَا يرى الْعَدو ضعفا وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى نزل الْعَدو بِرَأْس النَّهر وَنزل هُوَ على تل قبالتهم مطل عَلَيْهِم إِلَى أَن دخل اللَّيْل

ثمَّ أَمر العساكر أَن تعود إِلَى مَحل المصابرة وَأَن يبيتوا تَحت السِّلَاح وَتَأَخر هُوَ إِلَى قمة الْجَبَل وَضربت لَهُ خيمة لَطِيفَة وَبت تِلْكَ اللَّيْلَة أجمع أَنا والطبيب نمرضه ونشاغله وَهُوَ ينَام تَارَة وَيَسْتَيْقِظ أُخْرَى حَتَّى لَاحَ الصَّباح ثمَّ ضرب البوق وَركب رحمه الله وَركبت العساكر وَأَحْدَقَتْ بالعدو ورحل الْعَدو عَائِدًا إِلَى خيمه من الْجَانِب الغربي للنهر وضايقه الْمُسلمُونَ مضايقة شَدِيدَة

ص: 396

وَفِي ذَلِك الْيَوْم قدم أَوْلَاده بَين يَدَيْهِ احتسابا الْأَفْضَل وَالظَّاهِر والظافر وَجَمِيع من حَضَره مِنْهُم وَلم يزل يبْعَث من عِنْده حَتَّى لم يبْق عِنْده إِلَّا أَنا وطبيب وعارض الْجَيْش والغلمان بِأَيْدِيهِم الْأَعْلَام والبيارق لَا غير فيظن الرَّائِي لَهَا عَن بعد أَن تحتهَا خلقا كثيرا وَلَيْسَ تحتهَا إِلَّا وَاحِد بِخلق عَظِيم رحمه الله

وَبَقِي فِي مَوْضِعه والعساكر على ظُهُور الْخَيل قبالة الْعَدو إِلَى آخر النَّهَار ثمَّ أَمرهم أَن يبيتوا على مثل مَا باتوا عَلَيْهِ بارحتهم وبتنا على مَا بتنا عَلَيْهِ إِلَى الصَّباح وَعَاد الْعَسْكَر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بالْأَمْس من مضايقة الْعَدو

قَالَ وَلَقَد رَأَيْته لَيْلَة على صفد وَهُوَ يحاصرها وَقَالَ لَا ننام اللَّيْلَة حَتَّى ينصب لنا خَمْسَة مجانيق ورتب لكل منجنيق قوما يتولون نَصبه وَكُنَّا طول اللَّيْل فِي خدمته فِي ألذ فكاهة وأرغد عَيْش وَالرسل تتواصل مخبرة بِأَنَّهُ نصب من المنجنيق الْفُلَانِيّ كَذَا وَمن الآخر كَذَا حَتَّى أَتَى الصَّباح وَقد فرغ مِنْهَا وَكَانَت من أطول اللَّيَالِي وأشدها بردا ومطرا

قَالَ وَلَقَد رَأَيْته وَقد جَاءَهُ خبر وَفَاة ولد لَهُ بَالغ أَو مراهق يُسمى إِسْمَاعِيل فَوقف على الْكتاب وَلم يعرف أحدا وَلم نَعْرِف حَتَّى سمعناه من غَيره وَلم يظْهر عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك سوى أَنه لما قَرَأَ الْكتاب دَمَعَتْ عينه رحمه الله

قَالَ وَلَقَد رَأَيْته وَقد وَصله خبر وَفَاة تَقِيّ الدّين وَنحن فِي مُقَابلَة الفرنج جَرِيدَة على الرملة وَفِي كل لَيْلَة تقع الصَّيْحَة فتقلع

ص: 397

الْخيام وَيقف النَّاس على ظهر إِلَى الصَّباح والعدو بيازور بَيْننَا وَبَينه شوط فرس لَا غير فأحضر الْعَادِل وَابْن جندر وَابْن الْمُقدم وَابْن الداية سَابق الدّين وَأمر بِالنَّاسِ فأبعدوا عَن الْخَيْمَة بِحَيْثُ لم يبْق حولهَا أحد عَن غلوة سهم ثمَّ أظهر الْكتاب ووقف عَلَيْهِ وَبكى بكاء شَدِيدا حَتَّى أبكانا من غير أَن نعلم السَّبَب ثمَّ قَالَ رحمه الله وَالْعبْرَة تخنقه توفّي تَقِيّ الدّين

فَاشْتَدَّ بكاؤه وبكاء الْجَمَاعَة ثمَّ عدت إِلَى نَفسِي فَقلت اسْتَغْفرُوا الله من هَذِه الْحَالة وانظروا أَيْن أَنْتُم وفيم أَنْتُم واعرضوا عَمَّا سواهُ فَقَالَ رحمه الله نعم أسْتَغْفر الله وَأخذ يكررها ثمَّ قَالَ لَا يعلم هَذَا أحد

قَالَ وَكَانَ رحمه الله شَدِيد الشوق والشغف بأولاده الصغار وَهُوَ صابر على مفارقتهم رَاض ببعدهم عَنهُ وَكَانَ صَابِرًا على مر الْعَيْش وخشونته مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة على غير ذَلِك احتسابا لله تَعَالَى اللَّهُمَّ إِنَّه ترك ذَلِك كُله ابْتِغَاء لمرضاتك فارض عَنهُ

قَالَ وَلَقَد كَانَ رحمه الله حَلِيمًا متجاوزا قَلِيل الْغَضَب وَلَقَد كنت بخدمته بمرج عُيُون قبل خُرُوج الفرنج إِلَى عكا يسر الله فتحهَا وَكَانَ من عَادَته أَنه يركب فِي وَقت الرّكُوب ثمَّ ينزل فيمد الطَّعَام وَيَأْكُل مَعَ النَّاس ثمَّ ينْهض إِلَى خيمة خَاص لَهُ

ص: 398

ينَام فِيهَا ثمَّ يَسْتَيْقِظ من مَنَامه وَيُصلي وَيجْلس خلْوَة وَأَنا فِي خدمته نَقْرَأ شَيْئا من الحَدِيث أَو شَيْئا من الْفِقْه

وَلَقَد قَرَأَ عَليّ كتابا مُخْتَصرا لسليم الرَّازِيّ يشْتَمل على الأرباع الْأَرْبَعَة من الْفِقْه فَنزل يَوْمًا على عَادَته وَمد الطَّعَام بَين يَدَيْهِ ثمَّ عزم على النهوض فَقيل لَهُ إِن وَقت الصَّلَاة قد قرب فَعَاد إِلَى الْجُلُوس وَقَالَ نصلي وننام

ثمَّ جلس يتحدث حَدِيث متضجر وَقد أخلي الْمَكَان إِلَّا عَن لزم فَتقدم إِلَيْهِ مَمْلُوك كَبِير مُحْتَرم عِنْده وَعرض عَلَيْهِ قصَّة لبَعض الْمُجَاهدين فَقَالَ لَهُ أَنا الْآن ضجر أَخّرهَا سَاعَة فَلم يفعل وقدمها إِلَى قريب من وَجهه الْكَرِيم بِيَدِهِ وَفتحهَا بِحَيْثُ يقْرؤهَا فَوقف على الِاسْم الْمَكْتُوب فِي رَأسهَا فَعرفهُ وَقَالَ رجل مُسْتَحقّ فَقَالَ يُوقع لَهُ الْمولى فَقَالَ لَيست الدواة حَاضِرَة الْآن وَكَانَ رحمه الله جَالِسا فِي بَاب الخركاه بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أحد الدُّخُول إِلَيْهَا والدواة فِي صدر الخركاه والخركاه كَبِيرَة فَقَالَ لَهُ الْمُخَاطب هَا هِيَ الدواة فِي صدر الخركاه

ص: 399

قَالَ القَاضِي فَلَيْسَ لهَذَا معنى إِلَّا أمره إِيَّاه بإحضار الدواة لَا غير فَالْتَفت رحمه الله فَرَأى الدواة فَقَالَ وَالله لقد صدق ثمَّ امْتَدَّ على يَده الْيُسْرَى وَمد يَده الْيُمْنَى وأحضرها وَوَقع لَهُ فَقلت قَالَ الله تَعَالَى فِي حق نبيه صلى الله عليه وسلم {وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم} وَمَا أرى الْمولى إِلَّا قد شَاركهُ فِي هَذَا الْخلق فَقَالَ مَا ضرنا شَيْء قضينا حَاجته وَحصل الثَّوَاب

قَالَ القَاضِي وَلَو وَقعت هَذِه الْوَاقِعَة لآحاد النَّاس لقام وَقعد وَمن الَّذِي يقدر أَن يُخَاطب أحدا هُوَ تَحت حكمه بِمثل ذَلِك وَهَذَا غَايَة الاحسان والحلم وَالله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ

قَالَ وَلَقَد كَانَت طراحته تداس عِنْد التزاحم عَلَيْهِ لعرض الْقَصَص وَهُوَ لَا يتأثر لذَلِك وَلَقَد نفرت يَوْمًا بغلتي من الْجمال وَأَنا رَاكب فِي خدمته فزحمت وركه حَتَّى آلمته وَهُوَ يتبسم

وَلَقَد دخلت بَين يَدَيْهِ فِي يَوْم ريح مطير إِلَى الْقُدس كثيرالوحل فنضحت البغلة عَلَيْهِ من الطين حَتَّى أهلكت جَمِيع مَا كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ يتبسم وَأَرَدْت التَّأَخُّر عَنهُ بِسَبَب ذَلِك فَمَا تركني

وَلَقَد كَانَ يسمع من المستغيثين إِلَيْهِ والمتظلمين أغْلظ مَا يُمكن أَن يسمع ويلقى ذَلِك بالبشر وَالْقَبُول

ص: 400

ثمَّ قَالَ القَاضِي وَهَذِه حِكَايَة ينْدر أَن يسطر مثلهَا فَذكر مَا تقدم من امْتنَاع عسكره من الهجوم على الإنكلتير وَهُوَ فِي جمع يسير من أَصْحَابه بعد أَن أطافوا بهم وواجه الْجنَاح السُّلْطَان بذلك الْكَلَام الخشن فَرجع السُّلْطَان مغضبا وَظن أَنه رُبمَا صلب وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم فَنزل بيازور وَقد وَصله من دمشق فَاكِهَة كَثِيرَة فَطلب الْأُمَرَاء ليأكلوا فَحَضَرُوا فَرَأَوْا من بشره وانبساطه مَا أحدث لَهُم الطُّمَأْنِينَة والأمن وَالسُّرُور

قَالَ وَكَانَ رحمه الله كثير الْمُرُوءَة ندي الْوَجْه كثير الْحيَاء منبسطا لمن يرد عَلَيْهِ من الضيوف يكرم الْوَافِد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ كَافِرًا وَلَقَد وَفد عَلَيْهِ الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية فَمَا أحس بِهِ إِلَّا وَهُوَ وَاقِف على بَاب خيمته بعد وُقُوع الصُّلْح فِي شَوَّال عِنْد مُنْصَرفه من الْقُدس إِلَى دمشق وَقد تقدم ذَلِك عرض لَهُ فِي الطَّرِيق وَطلب مِنْهُ شَيْئا فَأعْطَاهُ العمق وَهِي بِلَاد كَانَ أَخذهَا مِنْهُ عَام فتح السَّاحِل سنة أَربع وَثَمَانِينَ

وَلَقَد رَأَيْته وَقد دخل إِلَيْهِ صَاحب صيدا فاحترمه وأكرمه وَأكل مَعَه وَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام وَذكر لَهُ طرفا من محاسنه وحثه عَلَيْهِ

ص: 401

وَكَانَ يكرم من يرد عَلَيْهِ من الْمَشَايِخ وأرباب الْعلم وَالْفضل وَذَوي الأقدار وَكَانَ يوصينا لِئَلَّا نغفل عَمَّن يجتاز بالخيم من الْمَشَايِخ المعروفين حَتَّى نحضرهم عِنْده وينالهم من إحسانه

وَلَقَد مر بِنَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ رجل جمع بَين الْعلم والتصوف وَكَانَ من ذَوي الأقدار وَكَانَ أَبوهُ صَاحب توزير فَأَعْرض هُوَ عَن فن أَبِيه واشتغل بِالْعلمِ وَالْعَمَل وَحج وَوصل زَائِرًا لبيت الله الْمُقَدّس وَلما قضى لبانته مِنْهُ وَرَأى آثَار السُّلْطَان فِيهِ وَقع لَهُ زيارته فوصل إِلَيْنَا إِلَى الْعَسْكَر فَلَقِيته ورحبت بِهِ وَعرفت السُّلْطَان وُصُوله فَاسْتَحْضرهُ وشكره عَن الْإِسْلَام وحثه على الْخَيْر وَانْصَرف وَبَات عِنْدِي فِي الْخَيْمَة

فَلَمَّا صلينَا الصُّبْح أَخذ يودعني فقبحت لَهُ الْمسير دون وداع السُّلْطَان فَلم يلْتَفت وَلم يلو على ذَلِك وَقَالَ قضيت حَاجَتي مِنْهُ وَلَا غَرَض لي فِيمَا عدا رُؤْيَته وزيارته ثمَّ انْصَرف من سَاعَته وَمضى على ذَلِك لَيَال فَسَأَلَ السُّلْطَان عَنهُ فَأَخْبَرته بِفِعْلِهِ فَظهر عَلَيْهِ آثَار التعتب كَيفَ لم أخبرهُ برواحه وَقَالَ كَيفَ يطرقنا مثل هَذَا الرجل وينصرف عَنَّا من غير إِحْسَان يمسهُ منا وشدد النكير عَليّ فِي ذَلِك فَمَا وجدت بدا من أَن أكتب كتابا إِلَى محيي الدّين قَاضِي دمشق كلفته فِيهِ السُّؤَال عَن حَال الرجل وإيصال رقْعَة كتبتها إِلَيْهِ طي كتابي أخْبرته فِيهَا بانكار السُّلْطَان

ص: 402

رَوَاحه من غير اجْتِمَاع بِهِ وَحسنت لَهُ فِيهَا الْعود وَكَانَ بيني وَبَينه صداقة تَقْتَضِي مثل ذَلِك فَعَاد وَاجْتمعَ بالسلطان فَرَحَّبَ بِهِ وانبسط مَعَه واستوحش لَهُ وأمسكه أَيَّامًا ثمَّ خلع عَلَيْهِ خلعة حَسَنَة وَأَعْطَاهُ مركوبا لائقا وثيابا كَثِيرَة ليحملها إِلَى أهل بَيته وَأَتْبَاعه وجيرانه وَنَفَقَة يرتفق بهَا وَانْصَرف عَنهُ وَهُوَ أشكر النَّاس لَهُ وأخلصهم دُعَاء لأيامه

قَالَ وَلَقَد رَأَيْته رحمه الله وَقد مثل بَين يَدَيْهِ أَسِير فرنجي وَقد هابه بِحَيْثُ ظهر عَلَيْهِ أَمَارَات الْخَوْف والجزع فَقَالَ لَهُ الترجمان من أَي شَيْء تخَاف فَأجرى الله على لِسَانه أَن قَالَ كنت أَخَاف قبل أَن أرى هَذَا الْوَجْه فَبعد رؤيتي لَهُ وحضوري بَين يَدَيْهِ أيقنت أَنِّي مَا أرى إِلَّا الْخَيْر فرق لَهُ وَمن عَلَيْهِ وَأطْلقهُ

قَالَ وَكنت رَاكِبًا فِي خدمته فِي بعض الْأَيَّام قبالة الفرنج وَقد وصل بعض اليزكية وَمَعَهُ إمرأة شَدِيدَة التحرق كَثِيرَة الْبكاء متواترة الدق على صدرها فَذكر قصَّة أم الرَّضِيع الَّذِي سرق وَقد مَضَت

قَالَ وَكَانَ رحمه الله لَا يرى الاساءة إِلَى من صَحبه

ص: 403

وَإِن أفرط فِي الْجِنَايَة وَلَقَد قلب فِي خزانته كيسَان من الذَّهَب الْمصْرِيّ بكيسين من الْفُلُوس فَمَا عمل بالنواب شَيْئا سوى أَنه صرفهم من عَمَلهم لَا غير

وَكَانَ رحمه الله حسن الْعشْرَة لطيف الْأَخْلَاق طيب الفكاهة حَافِظًا لأنساب الْعَرَب ووقائعهم عَارِفًا بسيرهم وأحوالهم حَافِظًا لأنساب خيلهم عَالما بعجائب الدُّنْيَا ونوادرها بِحَيْثُ كَانَ يَسْتَفِيد محاضره مِنْهُ مَا لَا يسمعهُ من غَيره

وَكَانَ يسْأَل الْوَاحِد منا عَن مَرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أَحْوَاله

وَكَانَ طَاهِر الْمجْلس لَا يذكر بَين يَدَيْهِ أحد إِلَّا بِالْخَيرِ وطاهر السّمع فَلَا يحب أَن يسمع عَن أحد إِلَّا بِالْخَيرِ وطاهر اللِّسَان فَمَا رَأَيْته أولع بشتم قطّ وطاهر الْقَلَم فَمَا كتب بقلمه أَذَى لمُسلم قطّ وَكَانَ حسن الْعَهْد وَالْوَفَاء فَمَا أحضر بَين يَدَيْهِ يَتِيم إِلَّا وترحم على مخلفه وجبر قلبه وَأَعْطَاهُ خبز مخلفه إِن كَانَ لَهُ من أَهله كَبِير يعْتَمد عَلَيْهِ وَسلمهُ إِلَيْهِ وَإِلَّا أبقى لَهُ من الْخبز مَا يَكْفِي حَاجته وَسلمهُ إِلَى من يكفله ويعتني بتربيته

وَكَانَ مَا يرى شَيخا إِلَّا ويرق لَهُ وَيُعْطِيه وَيحسن إِلَيْهِ وَلم يزل على هَذِه الْأَخْلَاق إِلَى أَن توفاه الله عز وجل إِلَى مقرّ رَحمته وَمحل رضوانه

ص: 404