الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كم حجر وَفِي يَد ذَلِك الرجل سيف فَمَا تجاسر أحد يقرب مِنْهُ فتطوع رجل وبذل نَفسه للْقَتْل وَتقدم إِلَيْهِ فَقتله فَأخذ الْحجر وجمعت شظاياه وألفت وَجعل لَهُ طوق فَأخذ أميرمكة دَاوُد ذَلِك الطوق فَلَمَّا وصل أَمِير الْحَاج عزل دَاوُد وَولى أَخَاهُ مكثرا وَنقض قلعة كَانَ بناها دَاوُد على جبل أبي قبيس وَهُوَ دَاوُد بن عِيسَى بن فليتة بن قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي هَاشم الحسني وَلما صرف عَن مَكَّة أَقَامَ بنخلة وَتُوفِّي بهَا فِي رَجَب سنة تسع وَثَمَانِينَ وَهُوَ أَمِير ابْن أَمِير إِلَى آخر مَا ذكرنَا من آبَائِهِ وهم بِهِ سِتَّة نفر
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي ربيع الأول سنة سبع وَثَمَانِينَ سَار عز الدّين يَعْنِي صَاحب الْموصل إِلَى جَزِيرَة ابْن عمر فحصرها وَبهَا ابْن أَخِيه معز الدّين سنجر شاه لِأَنَّهُ كَانَ سيئ السِّيرَة مَعَه خَارِجا عَن طَاعَته مساعدا للأعداء عَلَيْهِ فعزم على أَخذهَا مِنْهُ فخضع وَطلب الْعَفو والصفح فَأَجَابَهُ وَصَالَحَهُ على قَاعِدَة اسْتَقَرَّتْ بَينهمَا وَعَاد عَنهُ إِلَى الْموصل فَعَاد سنجر شاه إِلَى حَالَته الأولى فَتَجَاوز عَنهُ واطرحه
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان مُقيم بالقدس وَقد قسم سور الْبَلَد
على أَوْلَاده وأخيه وأجناده فشرعوا فِي إنْشَاء سور جَدِيد محدق بِهِ مديد وَكَانَ يركب كل يَوْم وينقل الصخر على قربوس سَرْجه فيستن الأكابر والأمراء فِي نقل الْحِجَارَة بنهجه وَلَو رَأَيْت وَهُوَ يحمل حجرا فِي حجره لعَلِمت أَن لَهُ قلبا كم حمل جبلا فِي فكره وَلَقَد جد فِي حماية الصَّخْرَة المقدسة حَتَّى حمل لَهَا الصخور وانشرح صَدره لانضمامها إِلَى صَدره حَتَّى بَاشر صُدُور مماليكه بهَا الصُّدُور وَمَا تغلو دَار يبنيها فِي الْجنَّة بِنَقْل حجارتها ليَكُون ملكا فِي دارها وقمرا فِي دارتها وداوم البكور بالركوب وَعرض وَجهه الْكَرِيم للشحوب
قَالَ وَفِي ثَالِث الْمحرم رَحل الفرنج على سمت عسقلان وأشاعوا أَنهم يعيدون بهَا الْعمرَان وهم نازلون بظاهرها جائلون فِي مواردها ومصادرها فَرَأى الإنكلتير دخانا على بعد فقصده وَكَانَ ثمَّ جمَاعَة من الأَسدِية وَسيف الدّين يازكوج وَعلم الدّين قَيْصر وهم غَارونَ عَمَّا دهمهم فوصل اللعين إِلَيْهِم وَقت الْمغرب فَوَقع عَلَيْهِم وَكَانُوا فريقين نازلين فِي موضِعين فَلَمَّا وَقع على أَحدهمَا ركب الْفَرِيق الثَّانِي ودافعه حَتَّى ركب الْفَرِيق الآخر فدافعوهم وواقعوهم وَسَاقُوا قدامهم أثقالهم وخلصوا ناجين وَسلم الله أنفسهم من أَيدي الملاعين وَلم يفقد من الْمُسلمين إِلَّا أَرْبَعَة وَكَانَت نوبَة عَظِيمَة دفع الله خطرها وهون ضررها
وَفِي حادي عشر الْمحرم كبس عزالدين جرديك يبْنى على من نزل بهَا من الفرنج فأوقع بهم الْبلَاء وسَاق مِنْهُم اثْنَي عشرأسيرا ومتاعا كثيرا وأغار أَيْضا ثَانِي صفر على ظَاهر عسقلان وَجَاء بِثَلَاثِينَ أَسِيرًا
وَفِي لَيْلَة رَابِع عشر صفر كمنت سَرِيَّة مقدمها فَارس الدّين مَيْمُون القصري عِنْد يبْنى إِلَى أَن عبرت قوافل الفرنج فساقها بأحمالها وأثقالها ونسائها ورجالها
وَفِي مستهل ربيع الآخر وصل سيف الدّين المشطوب وَقد خلص من الْأسر وَقطعت عَلَيْهِ الفرنج خمسين ألف دِينَار عجل مِنْهَا عشْرين ألفا وَأَعْطَاهُمْ بِالْبَاقِي رهائن فَأحْسن السُّلْطَان لقاءه وأقطعه نابلس بأعمالها فَتوفي بهَا فِي آخر شَوَّال
وَفِي ثَالِث عشر ربيع الآخر قتل المركيس لَعنه الله بصور وَذَلِكَ أَن رجلَيْنِ دخلا صور وتنصرا وأظهرا التَّعَبُّد وَالتَّرَهُّب ولزما الْكَنِيسَة وشكرهما الأقساء والرهبان وأحبهما المركيس وَلم يكن يصبر عَنْهُمَا
فَفِي بعض الْأَيَّام وثبا عَلَيْهِ وقتلاه فأخذا وقتلا وَعرف أَنَّهُمَا كَانَا من الحشيشية فَجَلَسَ مَكَانَهُ الكند هري بِأَمْر الإنكلتير وسر الانكلتير بمصاب المركيس فَإِنَّهُ كَانَ يضاده ويراسل السُّلْطَان
فِي الاعانة عَلَيْهِ فَلَمَّا قتل سكن روعه وَذهب عَنهُ ضره وَتزَوج الكند هري بالملكة زَوْجَة المركيس فِي ليلته وَدخل بهَا وَهِي حَامِل وَمَا الْحمل فِي مِلَّة الفرنج عَن النِّكَاح حَائِل وَيكون الْوَلَد مَنْسُوبا إِلَى الملكة هَذِه قَاعِدَة هَذِه الطَّائِفَة المشركة
وَهَذَا الكند هري ابْن أُخْت ملك إفرنسيس من أَبِيه وَملك إنكلتير من أمه وَدخل الفرنج فِي حكمه وعاش إِلَى آخر سنة أَربع وَتِسْعين وتولاهم دون سبع سِنِين
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الْفَتْح أَضَافَهُ الأسقف بصور فاستوفى رزقه وتعدى وَمَا درى أَنه يتردى وَأكل وَشرب وشبع وطرب وَخرج وَركب فَوَثَبَ عَلَيْهِ رجلَانِ وسكنا حركته بالسكاكين ودكاه عِنْد تِلْكَ الدكاكين وهرب أَحدهمَا وَدخل الْكَنِيسَة وَقد أخرج تِلْكَ النَّفس الخسيسة فَقَالَ المركيس وَهُوَ مَجْرُوح وَفِيه روح احْمِلُونِي إِلَى الْكَنِيسَة فَحَمَلُوهُ
فَلَمَّا أبصره أحد الجارحين وثب عَلَيْهِ وزاده جرحا على جرح وقرحا على قرح فَأخذ الفرنج الرفيقين فألفوهما من الفداوية الاسماعيلية مرتدين فسألوهما من وضعهما على تَدْبِير هَذَا التَّدْبِير فَقَالَا ملك الإنكلتير فقتلا شَرّ قتلة فيالله من كَافِرين سفكا دم كَافِر وفاجرين فتكا بفاجر
قَالَ وَلم يعجبنا قتل المركيس فِي هَذِه الْحَالة وَإِن كَانَ من
طواغيت الضَّلَالَة لِأَنَّهُ كَانَ عَدو ملك الإنكلتير ومنازعه على الْملك والسرير ومناقشه على الْقَلِيل وَالْكثير
قَالَ وَفِي تَاسِع جُمَادَى الأولى استولى الفرنج على قلعة الداروم ثمَّ خربوها ورحلوا عَنْهَا وأسروا من فِيهَا وَكَانَ الإنكلتير الملعون قد استفسد من نوبَة عكا نقابين حلبيين فتمكنوا من نقب الْمَكَان وأحرقوا النقب وَطلب أهل الْحصن مهلة يشاورون فِيهَا السُّلْطَان فَلم يمهلهم
وَفِي رَابِع عشرَة خرجت اليزكية على الفرنج على قلعة تعرف بمجدل جناب - كَذَا قَالَ فِي الْفَتْح وَقَالَ فِي الْبَرْق بمجدل يابا وَكَذَا قَالَ ابْن شَدَّاد - وَقتل كند كَبِير ثمَّ نزلُوا تل الصافية ثمَّ إِلَى النطرون ثمَّ إِلَى بَيت نوبَة وَهِي وَطْأَة بَين جبال بَينهَا وَبَين الْقُدس مرحلة وَقد ألهبهم الْمُسلمُونَ بنهبهم وأضعفوهم بسلبهم يتسلطون عَلَيْهِم من كل نَاحيَة ويكمنون لَهُم تَحت كل رابية وَقد قويت قُلُوبهم بثبات السُّلْطَان بالقدس
وَفِي إنسلاخ الشَّهْر التقى الْجَمْعَانِ وَقد وصل الْعَدو إِلَى قلونية وَهِي من الْقُدس على فرسخين فَلَمَّا رأى الْعَدو مَا لَا يدان
لَهُ بِهِ رَجَعَ ناكصا على عَقِبَيْهِ والمسلمون فِي إثرهم يكمنون لَهُم وينالون مِنْهُم وَكَانَ بدر الدّين دلدرم فِي اليزك فَبعث من كمن لَهُم عَن طَرِيق يافا فمرت بهم فوارس فاستولى عَلَيْهِم الكمين وَمَا سلم مِنْهُم أحد
وَفِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة كبست الكمناء قافلة فكسبت وسلبت وأسرت
وَفِي تاسعه وصل الْخَبَر أَن الفرنج رحلوا بأسرهم وأدلجوا لَيْلًا وَلم نعلم قصدهم فَعرف السُّلْطَان أَنه إِلَى طَرِيق الْعَسْكَر الْمصْرِيّ فندب الْأَمِير فَخر الدّين الطنبا العادلي وشمس الدّين أسلم الناصري حَتَّى يعلمَا الْعَسْكَر فَالْتَقَيَا بهم بالحسي وأخبراهم الْخَبَر فنزلوا وعرسوا وهم يظنون أَن لَا حس لِلْعَدو بِأَرْض الْحسي فَجَاءَهُمْ وفجأهم فاستولى على بعض الْأَمْوَال وخلص أَكْثَرهَا مَعَ الرِّجَال وَمن جملَة من كَانَ فِي الْعَسْكَر فلك الدّين أَخُو الْعَادِل لأمه فنجا بِمَا قدر عَلَيْهِ من القوافل
قَالَ الْعِمَاد وَجرى هَذَا كُله والملكان الْعَادِل وَالْأَفْضَل غائبان وعساكر الْموصل واسنجار وديار بكر متباطئة فِي الاتيان وَسَببه مَا كَانَ من تَقِيّ الدّين وَمَوته وتشرط وَلَده فِي بَقَاء بِلَاد أَبِيه عَلَيْهِ وَأَن الْملك الْأَفْضَل كَانَ طلب من وَالِده الْبِلَاد قَاطع
الْفُرَات وَنزل عَن جَمِيع مَا لَهُ من الولايات وَأَنه إِذا عبر إِلَى الرها وحران ملك تِلْكَ الْبلدَانِ ورحل من الْقُدس فِي ثَالِث صفر وَأطلق لَهُ السُّلْطَان عشْرين ألف دِينَار سوى مَا أَصْحَبهُ برسم الْخلْع والتشريفات وَوصل إِلَى حلب فاحتفل أَخُوهُ الظاهرلقدومه وَأقَام لَهُ سنَن المكارم ورسومه ووقف بخدمته ماثلا وهز عطف الابتهاج إِلَيْهِ مائلا وأحضر لَهُ مَفَاتِيح بَلَده وَقدم لَهُ كل مَا فِي يَده
وَسمع نَاصِر الدّين بن تَقِيّ الدّين بِمَا أقلقه وَدفع مِنْهُ إِلَى مَا أرهجه وأرهقه وَوصل رَسُوله إِلَى الْعَادِل وَهُوَ بالقدس لاجئا إِلَى ظله راجيا لفضله لائدا بجنابه عائذا بِبَابِهِ فاحتمى لَهُ واحتمله وقوى فِي تقويته أمله وخاطب السُّلْطَان فِي حَقه واستعطفه
وَقَالَ أَنا أمضي إِلَيْهِ وأحضره وأؤمنه مِمَّا يحذرهُ وتبقي هَذِه السّنة عَلَيْهِ حران والرها وتعطيه فِي السّنة الْأُخْرَى حماة والمعرة ثمَّ قرر السُّلْطَان مَعَ أَخِيه الْعَادِل أَن يَأْخُذ هُوَ تِلْكَ الْبِلَاد وَينزل عَن إقطاعاته بِمصْر وَنصف خاصه فَفعل واستزاد قلعة جعبر فَامْتنعَ الْملك الظَّاهِر من تَسْلِيمهَا حَتَّى استظهر فَسَار الْعَادِل فِي الْعشْر الأول من جُمَادَى الأولى وَكتب السُّلْطَان إِلَى الْأَفْضَل بِالْعودِ فجَاء هَذَا رَاجعا وَذهب ذَلِك مسارعا وَوصل إِلَى حران والرها وَعَاد فِي آخر جُمَادَى الْآخِرَة وَمَعَهُ ابْن تَقِيّ الدّين
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد عَاد الْأَفْضَل منكسرا متعتبا فوصل دمشق وَلم يحضر إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَلَمَّا اشْتَدَّ خبر الفرنج سير إِلَيْهِ وَطَلَبه فَمَا وَسعه التَّأَخُّر فَسَار إِلَيْهِ مَعَ العساكر الْوَاصِلَة إِلَيْهِ من الشرق فَلَقِيَهُ السُّلْطَان وترجل لَهُ جبرا لِقَلْبِهِ وتعظيما لأَمره
قَالَ وَلما بلغ ابْن تَقِيّ الدّين موجدة السُّلْطَان أنفذ إِلَى الْعَادِل يستشفع بِهِ ليطيب قلب السُّلْطَان عَلَيْهِ ويقترح أحد قسمَيْنِ إِمَّا حران والرها وسميساط وَإِمَّا حماة ومنبج وسلمية والمعرة مَعَ كَفَالَة إخْوَته فراجع الْعَادِل السُّلْطَان مرَارًا فَلم يفعل ذَلِك وَلم يجب إِلَى شَيْء مِنْهُ فكثرت الشَّفَاعَة إِلَيْهِ فَحلف لَهُ على حران والرها وسميساط على أَنه إِذا عبر الْفُرَات أعطي الْمَوَاضِع الَّتِي اقترحها وتكفل إخْوَته وتخلى عَن تِلْكَ الْمَوَاضِع الَّتِي فِي يَده ثمَّ التمس الْعَادِل خطّ السُّلْطَان فَأبى وألح عَلَيْهِ فخرق نُسْخَة الْيَمين وَانْقطع الحَدِيث وَأخذ من السُّلْطَان الغيظ كَيفَ يُخَاطب بِمثل ذَلِك من جَانب بعض أَوْلَاد أَوْلَاد أَخِيه ثمَّ أعطَاهُ خطه بِمَا اسْتَقر من الْقَاعِدَة
ثمَّ إِن الْعَادِل التمس من السُّلْطَان الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بيد ابْن تَقِيّ الدّين بعد انْتِقَاله وَجَرت مراجعات كَثِيرَة فِي الْعِوَض عَنْهَا وَكَانَ آخر مَا استقرأنه ينزل عَن كل مَا هُوَ شَامي الْفُرَات مَا خلا الكرك