المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ودخلت سنة خمس وتسعين وخمس مئة - الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية - جـ ٤

[أبو شامة المقدسي]

فهرس الكتاب

- ‌ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل فِي دُخُول السُّلْطَان رحمه الله السَّاحِل الآخر وَفتح مَا يسر الله تَعَالَى من بِلَاده

- ‌فصل فِي فتح أنطرطوس

- ‌فصل فِي فتح جبلة وَغَيرهَا

- ‌فصل فِي فتح اللاذقية

- ‌فصل فِي فتح صهيون وَغَيرهَا

- ‌فصل فِي فتح بكاس والشغر وسرمانية

- ‌فصل فِي فتح حصن برزيه

- ‌فصل فِي فتح حصن دربساك

- ‌فصل فِي فتح بغراس

- ‌فصل فِي عقد الْهُدْنَة مَعَ صَاحب أنطاكية وعود السُّلْطَان

- ‌فصل فِي فتح الكرك وحصونه

- ‌فصل فِي فتح صفد

- ‌فصل فِي فتح حصن كَوْكَب

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي فتح شقيف أرنون

- ‌فصل

- ‌فصل فِي نزُول الفرنج - خذلهم الله - على عكا

- ‌فصل فِي المصاف الْأَعْظَم على عكا وَهِي الْوَقْعَة الْكُبْرَى الَّتِي بدأت بالسوأى وختمت بِالْحُسْنَى

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة بمرج عكا وَغَيره

- ‌فصل

- ‌فصل فِي وُرُود خبر خُرُوج ملك الألمان

- ‌ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي قدوم الْمُلُوك وحريق الأبراج

- ‌فصل فِيمَا كَانَ من أَمر ملك الألمان

- ‌فصل فِي الْوَقْعَة العادلية على عكا ظهر يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة

- ‌فصل

- ‌فصل فِي إِدْخَال البطس إِلَى عكا

- ‌فصل

- ‌فصل فِي إحراق مَا حوصر بِهِ برج الذبان وتحريق الْكَبْش

- ‌فصل فِي حوادث أخر مُتَفَرِّقَة فِي هَذِه السّنة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي نُسْخَة الْكتاب إِلَى ملك الْمغرب والهدية

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي ذكر خُرُوج الفرنج - خذلهم الله - على عزم اللِّقَاء ووصولهم إِلَى رَأس المَاء

- ‌فصل فِي وقْعَة الكمين وَغَيرهَا وَدخُول الْبَدَل إِلَى عكا

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي مضايقة الْعَدو - خذله الله - لعكا - يسر الله فتحهَا - واستيلائهم عَلَيْهَا

- ‌فصل فِيمَا جرى بعد انْفِصَال أَمر عكا

- ‌فصل فِيمَا جرى بعد خراب عسقلان

- ‌فصل فِي بقايا حوادث هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي عزم الفرنج على قصد الْقُدس وَسَببه

- ‌فصل فِي تردد رسل الإنكلتير فِي معنى الصُّلْح وَمَا جرى فِي أثْنَاء ذَلِك إِلَى أَن تمّ وَللَّه الْحَمد

- ‌فصل فِيمَا جرى بعد الْهُدْنَة

- ‌فصل فِي مسير السُّلْطَان رحمه الله من الْقُدس إِلَى دمشق

- ‌فصل فِي ذكر أُمُور جرت فِي هَذِه السّنة من وفيات وَغَيرهَا

- ‌ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي مرض السُّلْطَان ووفاته أحله الله بحبوحة جناته

- ‌فصل فِي تَرِكَة السُّلْطَان وَوصف أخلاقه رحمه الله

- ‌فصل

- ‌فصل فِي انقسام ممالكه بَين أَوْلَاده وَإِخْوَته وَبَعض مَا جرى بعد وَفَاته

- ‌فصل فِي وَفَاة صَاحب الْموصل وتتمة أَخْبَار هَذِه الْفِتْنَة بِبِلَاد الشرق

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌وَدخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَخمْس مئة

- ‌وَدخلت سنة خمس وَتِسْعين وَخمْس مئة

- ‌ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَخمْس مئة

- ‌فَصل

- ‌فصل فِي وَفَاة جمَاعَة من الْأَعْيَان فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين

- ‌فصل فِي وَفَاة القَاضِي الْفَاضِل رحمه الله

- ‌ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مئة

الفصل: ‌ودخلت سنة خمس وتسعين وخمس مئة

قَالَ وَنزل السُّلْطَان الْعَادِل على قلعة ماردين فِي شهر رَمَضَان وَملك ربضها ومدنها وولاياتها وصاف عَلَيْهَا وشتى وصبر وصابر وَلم يقل كَيفَ وَمَتى وَمَا شكّ أحد أَن ماردين فِي ملكه مُضَافَة إِلَى ملكه وَقد هنأه بهَا الشُّعَرَاء مِنْهُم إِبْرَاهِيم بن مَرْوَان من أهل رَأس عين وَله من قصيدة

(فَإِن تَكُ مصر أم ملك فمارد

إِذا نسب الْبلدَانِ فَحل المماليك)

(تقاعس عَنْهَا سنجر وَابْن عَمه

وَقصر عَنْهَا عزم زنكي الأتابك)

(فَإِن تَكُ قد شوركت فِي فتح غَيرهَا

فَمَا لَك فِي أَمْثَالهَا من مشارك)

‌وَدخلت سنة خمس وَتِسْعين وَخمْس مئة

وَالْملك الْعَادِل نَازل على ماردين وَقد وصل إِلَيْهِ أَصْحَاب الْأَطْرَاف مساعدين وَقد أصلح بَين صَاحب الْموصل وَبني عَمه عماد الدّين وردهم إِلَى سنجار والخابور ونصيبين وَقد أذعن لَهُ الْجَمَاعَة بِالطَّاعَةِ ونائبه فِي تِلْكَ الْبِلَاد وديار بكر وَلَده الْملك الْكَامِل مُحَمَّد

قَالَ وفيهَا لَيْلَة الْأَحَد الْعشْرين من الْمحرم توفّي الْملك الْعَزِيز بداره بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ على عزم الصَّيْد فِي أَعمال الفيوم فخيم تِلْكَ اللَّيْلَة عِنْد الأهرام فَقيل إِنَّه أصبح وركض خلف صيد فكبا بِهِ

ص: 443

الْفرس مرّة بعد أُخْرَى فتمت لَهُ سقطة عَمت بهَا على الزَّمَان سخطه فتفاقم ألمه وَأقَام يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة لَا يَسْتَطِيع لَهُ مَخْلُوق إِعَانَة وَلَا إغاثة ثمَّ حم حمامه وأظلمت بفجيعته أَيَّامه وقبر فِي دَاره لينقل مِنْهَا إِلَى دَار قراره ثمَّ حول مِنْهَا فِي الْأَيَّام الْأَفْضَلِيَّة إِلَى التربة المقدسة الشَّافِعِيَّة

وَورد كتاب القَاضِي الْفَاضِل تَعْزِيَة بِهِ للْملك الْعَادِل أدام الله سُلْطَان مَوْلَانَا الْملك الْعَادِل وَبَارك فِي عمره وَأَعْلَى أمره بأَمْره وأعز نَصره الْإِسْلَام بنصره وفدت الْأَنْفس نَفسه الْكَرِيمَة وأصغر الله العظائم بنعمته فِيهِ الْعَظِيمَة وأحياه الله حَيَاة طيبَة يقف هُوَ فِيهَا وَالْإِسْلَام فِي مَوَاقِف الْفتُوح الجسيمة وينقلب عَنْهَا بالأمور الْمسلمَة والعواقب السليمة وَلَا نقص لَهُ رجَالًا وَلَا عددا وَلَا أعدمه نفسا وَلَا ولدا وَلَا قصر لَهُ ذيلا وَلَا يدا وَلَا أسخن لَهُ قلبا وَلَا كبدا وَلَا كدر لَهُ خاطرا وَلَا موردا

وَلما قدر الله ماقدر فِي الْملك الْعَزِيز رَحْمَة الله عَلَيْهِ وتحياته مكررة إِلَيْهِ من انْقِضَاء مهله وَحُضُور أَجله كَانَت بديهة الْمُصَاب عَظِيمَة وطالعة الْمَكْرُوه أليمة فرحم الله ذَلِك الْوَجْه ونضره ثمَّ إِلَى السَّبِيل إِلَى الْجنَّة يسره

(وَإِذا محَاسِن أوجه بليت

فَعَفَا الثرى عَن وَجهه الْحسن)

ص: 444

فأعزز على الْمَمْلُوك وعَلى الْأَوْلِيَاء بل على قلب مَوْلَانَا لَا سلبه الله ثوب العزاء بِسُرْعَة مصرعه وانقلابه إِلَى مضجعه ولباسه ثوب البلى قبل أَن يبْلى ثوب الشَّبَاب وزفه إِلَى التُّرَاب وسريره محفوف باللذات والأتراب

وَكَانَت مُدَّة الْمَرَض بعد الْعود من الفيوم أسبوعين وَكَانَت فِي السَّاعَة السَّابِعَة من لَيْلَة الْأَحَد الْعشْرين من الْمحرم والمملوك فِي حَال تسطيرها مَجْمُوع لَهُ بَين مرض قلب وجسد ووجع أَطْرَاف وغليل كبد وَقد فجع بِهَذَا الْمولى والعهد بوالده رحمه الله غير بعيد والأسى عَلَيْهِ فِي كل يَوْم جَدِيد

وَوصل قبل هَذَا إِلَى الْعِمَاد كتاب من الْفَاضِل فِيهِ وَأَنا على مَا يُعلمهُ من الْعُزْلَة إِلَّا أَنَّهَا بِلَا سُكُون وَفِي الزاوية المسنونة لأهل الْعَافِيَة إِلَّا أَنِّي على مثل حد الْمنون وَكَيف يعِيش الْعَاقِل فِي الزَّمَان الْمَجْنُون وَنحن على انْتِظَار الْبَرْق الشَّامي أَن يمطر وحاشى ذمَّة الْوَعْد بِهِ أَن تحفر واشتغال سيدنَا فِي هَذَا الْوَقْت بالدرس والتدريس والتصوير والتكييف والتصانيف الَّتِي تصرف فِيهَا البلاغة أحسن التصاريف نعْمَة عين شكرها على الْعلمَاء وَيخْتَص باللذة بهَا سادتهم من الْفُقَهَاء

قَالَ الْعِمَاد وَلما توفّي الْملك الْعَزِيز خلف بَنِينَ صغَارًا يزِيدُونَ على الْعشْرَة وَولده الْأَكْبَر نَاصِر الدّين مُحَمَّد قد أنافت سنوه على عشر وَكَانَ إِلَى أَبِيه أحب أَوْلَاده يشيم من شِيمَة مخيله سداده وَقد اخْتصَّ لَدَيْهِ وَنَصّ عَلَيْهِ فَاجْتمع الْأُمَرَاء الصلاحية

ص: 445

وَكَبِيرهمْ ومقدمهم فَخر الدّين أياز سركس وَمِنْهُم أَسد الدّين سراسنقر وزين الدّين قراجه

وعقدوا الْأَمر لوَلَده نَاصِر الدّين ونعتوه بِالْملكِ الْمَنْصُور وَأخذُوا لَهُ أَيْمَان الْجُمْهُور

قَالَ وَكَانَت الأَسدِية فِي الْأَيَّام العزيزية بالناصرية مغمورين وبالاستيلاء عَلَيْهِم مقهورين وَكَبِيرهمْ سيف الدّين يازكوج وَكَانَ عِنْد وَفَاة الْعَزِيز غَائِبا بأسوان فَلَمَّا بلغه ذَلِك حضر وَجمع الأَسدِية واجتمعوا هم والصلاحية فِي ظَاهر الْقَاهِرَة فَقَالَ لَهُم نعم مَا رَأَيْتُمُوهُ من حفظ عهد الْعَزِيز فِي وَلَده لكنه صَغِير السن لَا يحْتَمل ثقل هَذَا الْفَنّ وَلَا بُد من كَبِير من أهل الْبَيْت يربيه ويدير الدَّوَاوِين ويرتب القوانين وَمَا هَا هُنَا إِلَّا الْملك الْعَادِل وَهُوَ الْآن فِي بِلَاد الشرق مَشْغُول وَهَا هُنَا من هُوَ أقرب مِنْهُ وَهُوَ الْملك الْأَفْضَل

فَقَالَ الأَسدِية هَذَا هُوَ الرَّأْي الرَّاجِح وَلم يسع الصلاحية مُخَالفَته فاتفقوا على استدعاء الْأَفْضَل من صرخد فَخرج مِنْهَا لَيْلَة الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من صفر وسلك الْبَريَّة فوصل إِلَى الْقُدس يَوْم الْخَمِيس وَخرج إِلَيْهِ عسكره وَسَارُوا مَعَه إِلَى بَيت جِبْرِيل ثمَّ أغذ السّير فَلَمَّا قرب مِنْهُم فِي تَاسِع ربيع الأول تلقوهُ وَإِلَى أَعلَى مراقي الْعَلَاء رقوه وسروا بقدومه وجروا لمرسومه

قَالَ وَكَانَ الناصرية كتبُوا إِلَى رفقائهم بِالشَّام إِنَّا أحوجنا إِلَى

ص: 446

الْوِفَاق وتأكيد الْمِيثَاق وَقد كتب إِلَى نور الدّين بالحضور وَضبط الْأُمُور وهوعندكم فِي صرخد وَإِن وصل إِلَيْنَا انتظم أمره وتمهد فاجتهدوا فِي حصره وَهُوَ فِي حصنه وَلَا تسمحوا بفك رَهنه وَوصل إِلَى دمشق بعض الْكتب يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر فَخرج عسكرها إِلَى صرخد فوصلوا إِلَى بصرى يَوْم الْأَرْبَعَاء فَقيل لَهُم إِن الْأَفْضَل أدْلج لَيْلًا واستصحب نجبا وخيلا فَرَجَعُوا إِلَى دمشق

وَقيل لما عبر الْأَفْضَل بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس وجد فِي طَرِيقه نجابا مسرعا فَاسْتَحْضرهُ واستكشف ورده وصدره فَقَالَ أَنا نجاب فَخر الدّين أياز سركس وَمَعِي كتبه إِلَى من يأنس بِهِ وَيُحِبهُ فتسلم مِنْهُ الْكتب وَعَاد النجاب فِي خدمته فَلَمَّا وصل إِلَى الْقَاهِرَة احتفل سركس لَهُ وأضاف وَقدم وَغرم أَمْوَالًا ثمَّ أبْصر نجابه وَاقِفًا بِبَابِهِ فَأخْبرهُ الْخَبَر فاستشعر من ذَلِك وتضور فَمضى وَتَبعهُ عسكره وزين الدّين قراجه فوصلا إِلَى الْقُدس وسكنا بِهِ وَعرف الناصرية جلية الْحَال فَأخذُوا فِي الِانْتِقَال وتوهم الْأَفْضَل من البَاقِينَ فقبضهم وحوى جوهرهم وعرضهم فتفرقت الْكَلِمَة المجتمعة وتوقفت الهمم المسرعة وَأمر الْأَفْضَل بِالْخطْبَةِ لِابْنِ الْعَزِيز على جَمِيع المنابر ثمَّ الدُّعَاء لَهُ فِي الآخر ونقشت السِّكَّة أَيْضا باسم الْوَلَد فِي الْبَلَد وَغير الْبَلَد

ص: 447

قَالَ وَلما اسْتَقر الْأَفْضَل بِمصْر حملوه على قصد دمشق وحصرها وَقَالُوا لَهُ اطلب بلدك الَّذِي مِنْهُ أخرجت وَعَن الْمقَام فِيهِ أزعجت وَمَالك فِي مصر مَا يَكْفِيك ودمشق لَك بِوَصِيَّة أَبِيك وجاءته رسل أَخِيه الظَّاهِر من حلب وهداياه وَقَالَ لَهُ انتهز الفرصة فعمنا عَنَّا مَشْغُول وَإِلَى أَن يتم من ماردين مُرَاده وينضم إِلَى بياضه سوَاده تخرج دمشق عَن يَده وتعجله الْيَوْم فِيهَا عَن غده وَأَنا أصل إِلَيْك وأقدم عَلَيْك بالبنود والجنود والأساود وَالْأسود فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى خرج بالعسكر واستناب سيف الدّين يازكوج مَكَانَهُ

قَالَ وَوصل إِلَى الْملك الْعَادِل الْأَمِير سراسنقر أحد الْأُمَرَاء الناصرية المفارقين فاستحثه على مُفَارقَة ماردين وتواصل من الناصرية جمَاعَة بعده وَعِنْدهم من الاستحثاث مَا عِنْده فحركه القَوْل وتجرد عَن الْعَسْكَر واستصحب مَعَه الأميرين عز الدّين بن الْمُقدم وَبدر الدّين دلدرم وسرى لَيْلًا لخمس بَقينَ من رَجَب وَأوصى وَلَده الْكَامِل أَن يسير فِي مضايقة حصن ماردين بسيرته ويقتدي بعزمته

وَوصل إِلَى دمشق يَوْم الِاثْنَيْنِ حادي عشر شعْبَان وَأخذ فِي تحصين الْبِلَاد ووصلت العساكر المصرية يَوْم الْخَمِيس وأحاطت بِدِمَشْق ودخلها جمَاعَة مِنْهُم من بَاب السَّلامَة بلغُوا إِلَى السُّوق الْكَبِير وأعلنوا الْفَتْح بِالتَّكْبِيرِ وَلم يتبعهُم أحد على هَذَا التَّدْبِير فَخَرجُوا من بَاب الفراديس وكروا على أَعْقَابهم لمن وقف لَهُم من الكراديس

ص: 448

وَأما الْأَفْضَل فَإِنَّهُ وصل إِلَى الميدان الْأَخْضَر وَضرب فِيهِ دهليز سرادقه وأقدم برواعده وبوارقه فَأَشَارَ عَلَيْهِ أمراؤه بالتأخر عَن تِلْكَ الْمنزلَة وَكَانَت مِنْهُم زلَّة فنزلوا عِنْد ميدان الْحَصَى ثمَّ تَأَخَّرُوا إِلَى مَسْجِد الْقدَم وامتلأ ذَلِك الفضاء بمضارب الخيم ففترت الصدمة الأولى وَقصرت الصدعة الطُّولى وخمد الْجَمْر فَصَارَ رَمَادا واستحالت تِلْكَ الأمواج المتلاطمة ثمادا ولزموا مَنَازِلهمْ أَكثر من سِتَّة أشهر هُنَاكَ وتمت فوارط عدمت الِاسْتِدْرَاك وامتدت خيامهم من أقْصَى داريا إِلَى الغوطة وظنوا أَنهم آخذون بمخنق دمشق المضغوطة

وَكَاتب الْملك الْعَادِل جمَاعَة من أُمَرَاء الْعَسْكَر الْمصْرِيّ ففارقوه ودخلوا دمشق فأكرمهم واحترمهم مِنْهُم طغرل المهراني وأياز البانياسي وَابْن كهدان ومثقال الْخَادِم وَابْن أُخْت السُّلْطَان ابْن سعد الدّين كمشبه وَكثر الواصلون القاطعون لمن وَرَاءَهُمْ وَأحسن الْعَادِل جزاءهم فتكاثرت الأطماع وَتَتَابَعَتْ الرؤوس والأتباع

وَوصل الْملك الظَّاهِر وَمَعَهُ أَخَوَاهُ الظافر والمعز وجاءهم الْملك الْمُجَاهِد صَاحب حمص وعسكر حماة دون سلطانها وحسام الدّين بِشَارَة صَاحب بانياس وَهُوَ شيخ الدولة وكبيرها

ص: 449

وأمينها وأميرها وَفِي حمايته حصنا تبنين وهونين وَمَا يزَال أسرى من كبراء أهل الْكفْر بدين الله عِنْده مرهونين فرغبهم فِي السَّلامَة وَالسّلم وَالِاحْتِمَال والحلم وَأَشَارَ على كل من الْجَانِبَيْنِ بتجنب المجانبة والتقرب بالمقاربة والمراقبة وجاءهم أَيْضا سعد الدّين مَسْعُود صَاحب صفد وَأَخُوهُ نور الدّين مودود

قَالَ وَلما جبنوا عَن مضايقة الْحصار واصلوا قطع الْأَشْجَار وَكسر الْأَنْهَار وَمنع كل مَا يدْخل إِلَى الْبَلَد من نعْمَة وَنعم وغنيمة وغنم حَتَّى ردوا القوافل وصدوا الْفُرُوض والنوافل

قَالَ وَكَانَ الناصرية المقيمون بالقدس قد استولوا عَلَيْهِ ونظفوا مِمَّن ارْتَابُوا بِهِ حواليه وأخرجوا مِنْهُ المغاربة وَرِجَاله وأجناده الرَّاتِبَة وَمَعَهُمْ الْأَمِير فَارس الدّين مَيْمُون صَاحب نابلس وَعز الدّين سامة صَاحب كَوْكَب وبيسان

ثمَّ وصل الْخَبَر بِأَن سركس وَمن مَعَه واصلون إِلَى دمشق فتجرد من المحاصرين عَسْكَر إِلَى طريقهم وَكَانُوا قد وصلوا إِلَى طبرية وعبروا مِنْهَا إِلَى الْبِقَاع وتكمنوا خلال تِلْكَ الضّيَاع وسيروا إِلَى بعلبك مَا صحبهم من الأثقال والأحمال وَكَانَ صَاحبهَا الأمجد فِي جَانب الْملك الْعَادِل وتجردوا خيلا وقطعوها لَيْلًا وتوقلوا الْجبَال حَتَّى أشرفوا على دمشق من عقبَة دمر وَقد فاتوا الْعَسْكَر فتقوى عَسْكَر الْبَلَد فصاروا يبكرون ويركبون

ص: 450

ويقربون من الْعَسْكَر الْمصْرِيّ وَلَا يرقبون وحفر المحاصرون حَولهمْ خَنْدَقًا عميقا فَصَارَ لَهُم بِهِ عَن الْحصار شغل شاغل

قَالَ وعَلى الْجُمْلَة فَمَا ظهر مِنْهُم صنع إِلَّا فِي قطع المَاء وَمنع الْميرَة والمضايقة الْكَثِيرَة وإحراق الْبَسَاتِين وتخريب الطواحين حَتَّى إِذا انحسمت الْموَاد وفنيت فِي الْبَلَد الأزواد اضطروا إِلَى التَّسْلِيم واضطربوا على التَّأْخِير والتقديم فتسلط الرّعية على الْملك الْعَادِل وَحَمَلُوهُ على التَّسْلِيم والاستسلام

فتباينت آراء الْمُلُوك المحاصرين بِمَا دبره الْملك الْعَادِل سيف الدّين وَلَا بُد للكبار من الاحتيال إِذا صمم الصغار على الاغتيال وَلَيْسَ فِي ذَلِك بِدعَة لَان الْحَرْب خدعة

فنفذ إِلَى الظَّاهِر فِي الْبَاطِن وَقَالَ لَهُ أَنْت السُّلْطَان وحكمك على جَمِيع الْأَمَاكِن والمواطن وَأَنا أسلم إِلَيْك دمشق على أَنَّهَا تكون لَك لَا لغيرك فَقَالَ الظَّاهِر لِأَخِيهِ الْأَفْضَل قلدني فِي الانعام بِدِمَشْق منَّة المتفضل فَقَالَ لَهُ هَذِه لَا تَخْلُو من أَقسَام جالبات لأسقام أَجلك أَن تتولاها تَوْلِيَة النَّائِب وَإِن أَخَذتهَا دوني فَمن النوائب وَإِن أَعْطَيْتنِي عوضا مِمَّا أعرف لَك فِيهِ غَرضا فَمَا لَك مَا يصلح أَن تقايض بِهِ دمشق وَأَنت لَا تَدعِي لَهَا الْعِشْق فَتغير بِهَذَا رَأْي الظَّاهِر وَالله المطلع على الضمائر

ص: 451