الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْقَضَاء بالموصل فَخرج فِي أَوَاخِر شعْبَان فَلَمَّا وصل بَغْدَاد بجل وَعظم وَكَانَ قد تردد إِلَى بَغْدَاد دفعات فِي الْأَيَّام الصلاحية بِسَبَب الرسَالَة فَهُوَ كَانَ الْمعِين لَهَا كَمَا تقدم ذكره
فصل فِي وَفَاة جمَاعَة من الْأَعْيَان فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى توفّي فِي دَاره بِدِمَشْق الْأَمِير صارم الدّين قايماز النجمي وَكَانَ مُتَوَلِّي أَسبَاب صَلَاح الدّين رحمه الله فِي مخيمه وبيوته يعْمل عمل أستاذ الدَّار وَإِذا فتح بَلَدا سلمه إِلَيْهِ واستأمنه عَلَيْهِ فَيكون أول من افتض عذرته وشام ديمته وَحصل لَهُ من بلد آمد عِنْد فَتحه وَمن ديار مصر عِنْد موت عاضدها أَمْوَال عَظِيمَة وَتصدق فِي يَوْم وَاحِد بسبعة آلَاف دِينَار مصرية عينا وَأظْهر أَنه قضى من حُقُوق الله فِي ذمَّته دينا
وَهُوَ بِالْعرْفِ مَعْرُوف وبالخير مَوْصُوف يحب اقتناء المفاخر بِبِنَاء الرَّبْط والقناطر وَمن جُمْلَتهَا رِبَاط خسفين ورباط نوى وَله مدرسة مجاورة دَاره وَلما كفى الله دمشق الْحصْر نَهَضَ وَرَاء
الْعَادِل إِلَى مصر فَرده إِلَى دمشق ليلازم خدمَة الْملك الْمُعظم وَلَده وَيكون من أقوى عدده وأوفى عدده وَكَانَ فِي خلقه زعارة وَكَأن حصافته مستعارة
قَالَ وَلما دفن نبشت أَمْوَاله وفتشت رحاله وَحضر أُمَنَاء القَاضِي وضمناء الْوَالِي وأخرجوا خبايا الزوايا وسموط النُّقُود وخطوط النسايا وغيروا رسوم الْمنزل ومعالمه واستنبطوا دنانيره ودراهمه وحفروا أَمَاكِن فِي الدَّار وبركة الْحمام فِي الْجوَار فحملوا أوقارا من النضار وظهروا على الْكُنُوز المخفية والدفائن الألفية فَقيل زَادَت على مئة ألف دِينَار وَهُوَ قَلِيل فِي جنب مَا يحرز بِهِ من كَذَا وَكَذَا قِنْطَار
واستقل مَا طواه الخزن وأخفاه الدّفن وَقيل كَانَ يكنز فِي صحارى ضيَاعه ومغارات إقطاعه
قلت واتهم بعده جمَاعَة بِأَن لَهُ عِنْدهم ودائع وتأذى بذلك المتأبي مِنْهُم والطائع وداره بِدِمَشْق هِيَ الَّتِي بناها الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْفَتْح مُوسَى بن الْعَادِل دَارا للْحَدِيث فِي سنة ثَلَاثِينَ وست مئة وأخرب الْحمام الَّذِي كَانَ مجاورا لَهَا وَأدْخلهُ فِي ربعهَا وَذَلِكَ فِي جوَار قلعة دمشق بَينهمَا الخَنْدَق وَالطَّرِيق وَثمّ مدرسته الْمَعْرُوفَة بالقيمازية
قَالَ الْعِمَاد وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة توفّي يَعْنِي بِمصْر الْحَاجِب لُؤْلُؤ وَكَانَ فِي الْأَيَّام الصلاحية أَشْجَع الشجعان وأفرس الفرسان وَله مقامات فِي الْغُزَاة ومواقف مَعَ العداة وَهُوَ الَّذِي نَهَضَ وَرَاء مراكب الفرنج الناهضة فِي بَحر أَيْلَة إِلَى بر الْحجاز وأتى فِي كسرهم وأسرهم بالاعجاب والاعجاز وَكَانُوا قطعُوا الطَّرِيق فِي بَحر عيذاب على التُّجَّار وحصلت أَمْوَالهم تَحت الِاسْتِيلَاء بعد حصولهم تَحت الاسار فأنقذ واستنقذ وَمَا نزل حَتَّى أَخذ وسَاق إِلَى الْقَاهِرَة أُولَئِكَ الْكفَّار مقهورين واعتقلهم بهَا مأسورين
قلت وَفِيه يَقُول الرضي بن أبي حَصِينَة الْمصْرِيّ يُخَاطب الفرنج
(عَدوكُمْ لُؤْلُؤ وَالْبَحْر مَسْكَنه
…
والدر فِي الْبَحْر لَا يخْشَى من الْغَيْر)
(فَأمر حسامك أَن يحظى بنحرهم
…
فالدر مذ كَانَ مَنْسُوب إِلَى النَّحْر)
وَقد قيل فِيهِ أشعار كَثِيرَة تقدم بَعْضهَا فِي أَخْبَار سنة ثَمَان
وَسبعين
قَالَ الْعِمَاد وَمن دَلَائِل سماحه مَا شاهدته بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين من مبراته الظَّاهِرَة أَنه لما حط الْقَحْط رَحْله وَوصل الْمحل مَحَله وَتمّ الغلاء وَعم الْبلَاء ابتكر هَذَا الْحَاجِب الْكَبِير مكرمَة لم يسْبق إِلَيْهَا وَذَلِكَ أَنه كَانَ يخبز كل لَيْلَة اثْنَي عشر ألف رغيف فَإِذا أصبح جلس على بَاب الْموضع الَّذِي فِيهِ حشر الْفُقَرَاء ثمَّ يفتح من الْبَاب مِقْدَار مَا يخرج مِنْهُ وَاحِد بعد وَاحِد وَيعلم أَنه غير عَائِد فَيتَنَاوَل كل مِنْهُم قرصة وَيرى ذَلِك من خيراته فرْصَة فَمَا يزَال قَاعِدا حَتَّى يفرق الألوف على الألوف
وَكَانَ هَذَا دأبه فِي هَذَا الغلاء حَتَّى هَب رخاء الرخَاء فَحِينَئِذٍ تنوعت صدقاته واستغرقت بالصلات أوقاته
وَكَانَ بهي الشيب نقي الجيب قد جعل الله الْبركَة فِي عمره وَخَصه مُدَّة حَيَاته بامرار أمره فأنجده فِي أَوَان ضعفه بِتَضْعِيف بره وَلَا شكّ أَنه من الْأَوْلِيَاء الأبدال وَالصَّالِحِينَ الصَّالِحِي الْأَعْمَال
قَالَ وَفِي يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة وَأَنا بالديار المصرية توفّي الْفَقِيه الْكَبِير شهَاب الدّين الطوسي وَهُوَ
أكبر الْأَئِمَّة الشَّافِعِيَّة ورئيسها وَإِلَيْهِ فتياها وتدريسها وَهُوَ من أَصْحَاب مُحَمَّد بن يحيى وَكم واجه الْمُلُوك بِالْحَقِّ المر وَأنكر عَلَيْهِم مَا ينكرونه من الْعرف ويعرفونه من النكر وَلما وصل إِلَى مصر كَانَ تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب متوليها فأعجبه سمت الْمَذْكُور فولاه مدرسته بِمصْر وَهِي الْمَعْرُوفَة بمنازل الْعِزّ فوليها وَأقَام فِيهَا مُفِيدا حَتَّى فَازَ فِي جنَّة النَّعيم بفوزه وخلت منَازِل الْعِزّ من منَازِل عزه وَأصْبح النَّاس حول سَرِيره مزدحمين وَعَلِيهِ متوجعين فوصلوا بِهِ إِلَى القرافة مَكَان الرَّحْمَة والرافة وَهُنَاكَ الأصاغر والأكابر من الْمُلُوك والأمراء مشَاة وجنازته بِمَا فِيهِ من لِبَاس التَّقْوَى مغشاة وَلما نفضوا أَيْديهم من ترابه انْفَضُّوا من أيادي بركته متربين وبنار اللهف والتلهب عَلَيْهِ مضطرمين مضطربين
ونمى الْخَبَر إِلَى حماة وَعرف ابْن تَقِيّ الدّين فولى قَاضِي دمشق محيي الدّين بن الزكي بِمصْر وقُوف أَبِيه وسير نَائِبه لتسلم ذَلِك وتوليه وَكَانَ اتّفق حُضُوره عِنْده فِي الرسَالَة فاهتدى برشده إِلَى الضَّلَالَة
قَالَ وَفِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الْفَقِيه الْعَالم بدر الدّين عَسْكَر رَئِيس الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق
قلت وَقيل كَانَت وَفَاته فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى وَيعرف بِابْن العقادة
قَالَ وَفِي سَابِع عشر شعْبَان توفّي بحلب الْفَقِيه الْكَبِير ظهير الدّين عبد السَّلَام الْفَارِسِي وَكَانَ أبرع فَقِيه وأفقه بارع ورد إِلَى أصفهان سنة تسع وَأَرْبَعين وَلَقي بهَا الْعلمَاء المبرزين وخالط صدورها بني الخجندي وَكَانَ تفقه بكرمان وَقَرَأَ على فَخر الدّين الرَّازِيّ من أكبر تلامذة مُحَمَّد بن يحيى وتنقل فِي بِلَاد خُرَاسَان وَالْعراق ولقيته بِمصْر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين فِي الْعَهْد الصلاحي وسامة السُّلْطَان الْمقَام بهَا ليفوض إِلَيْهِ التدريس بِقَبْر الشَّافِعِي رضي الله عنه فَعبر وَمَا صَبر وَعَاد إِلَى الْبِلَاد ثمَّ وَفد إِلَى دمشق فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَتِسْعين ثمَّ سَار إِلَى حلب فِي ثَانِي شعْبَان فَكَانَ من وَفَاته بهَا مَا كَانَ
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة توفّي بنيسابور الْفَقِيه الْكَبِير محيي الدّين بن محيي الدّين مُحَمَّد بن يحيى
وفيهَا توفّي أَيْضا صَاحب آمد قطب الدّين سكمان ابْن نور الدّين بن قرا أرسلان
وفيهَا مَاتَ بِدِمَشْق فِي الْعشْر الْأَوْسَط من شعْبَان الْهمام الْعَبْدي الشَّاعِر الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن نصر بن عقيل بن أَحْمد بن عَليّ بن عبد الْقَيْس من ربيعَة وَقدم دمشق سنة خمس وَتِسْعين وَهُوَ أشعر من رَأَيْته فِي هَذَا الزَّمَان وسمعته ينشد الْملك الْعَادِل ودمشق محصورة كلمة شاعرة وصادفته ذَا سمت حسن وفصاحه وحصافه ولسن وَمَعَهُ ديوَان شعره يحوي قلائد دره وفرائد سحره وتوفر على مدح الأمجد صَاحب بعلبك وَمن شعره
(وَمَا النَّاس إِلَّا كَامِل الْحَظ نَاقص
…
وَآخر مِنْهُم نَاقص الْحَظ كَامِل)
(وَإِنِّي لمثر من حَيَاء وعفة
…
وَإِن لم يكن عِنْدِي من المَال طائل)
قَالَ وَتُوفِّي فِي هَذِه السّنة قبل الْفَاضِل بِثَلَاثَة أَيَّام الْأَثِير بن بنان وَكَانَ مشمولا فِي الدولتين بِكُل قبُول واحترام وإحسان
وَكَانَ السُّلْطَان لما تصرف فِي الْقصر ولاه بيع موجوده وبذل فِي تصريفه غَايَة مجهوده وَلما فرغ من شغله أبقاه على رسم أنعامه كُله وَاسْتمرّ إمراره وَاسْتقر قراره وَجلسَ فِي بَيته يسمع عَلَيْهِ رواياته الْعَالِيَة حَتَّى أدْرك أَيَّام الْملك الْعَزِيز وَلم يدْرك فِي الْعِزّ أملا وَلم يملك عملا حَتَّى تغير خلقه وتقلل رزقه وَتبطل حَقه وَآل أمره إِلَى اعتقاله بالديوان واحتباسه فِي الرهون
وَمِمَّنْ غاظه وَزِير الْعَزِيز وَكَانَ مؤدبه فِي الصغر واستوزره فِي الْكبر فتجهمه وأسمعه مَا كرهه وَقَالَ لَهُ مَا أحسن مَا أدبت