الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَفتح أَيْضا جَمِيع إقليم أنطاكية ومعاقلها الَّتِي للفرنج والأرمن وَحده من أقْصَى بِلَاد جبلة واللاذقية إِلَى بِلَاد ابْن لاون وَبقيت أنطاكية بمفردها والقصير من حصونها وَلم يبْق من الْبِلَاد الَّتِي لم تفتح أَعمالهَا وَلم تحل عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ حَالهَا سوى طرابلس فَإِنَّهَا لم يفتح مِنْهَا إِلَّا مَدِينَة جبيل وَقد سحبت عَلَيْهَا المهلة الذيل ومعاقلها بَاقِيَة وَلَيْسَ لَهَا من عَذَاب الله الْوَاقِع واقية
وَالْخَادِم الْآن على التَّوَجُّه إِلَيْهَا وعزم النُّزُول عَلَيْهَا وَأَنه قد رتب الْجَانِب القبلي والبلد الْقُدسِي وشحن الثغور من حد جبيل إِلَى عسقلان بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وآلات الْعدَد وَالْعدَد المتواصل المدد ورتب فِيهَا وَلَده الْأَفْضَل عليا لحمايتها وَحفظ ولايتها وقلد وَلَده الْعَزِيز عُثْمَان ولَايَة مصر ومملكة أقاليمها لتهذيب أحوالها وتقويمها
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد وَلما فرغ السُّلْطَان من شغل القلاع وَنزل إِلَى الوهاد من التلاع تجدّد للأجل الْفَاضِل عزم مصر فَركب السُّلْطَان مَعَه للوداع ثمَّ تحول إِلَى صحراء بيسان وَأقَام بهَا إِلَى مستهل ذِي الْحجَّة ثمَّ رَحل يَوْم الْجُمُعَة مستهل الشَّهْر وَمَعَهُ أَخُوهُ الْعَادِل وسلكا طَرِيق الْغَوْر إِلَى الْقُدس وَوَصله يَوْم الجمعه ثامن الشَّهْر
وَهُوَ يَوْم التَّرويَة وَصلى الْجُمُعَة فِي قبَّة الصَّخْرَة وَعِيد بهَا يَوْم الْأَحَد الْأَضْحَى وَسَار يَوْم الأثنين إِلَى عسقلان للنَّظَر فِي مهامها ونظم أَسبَاب أَحْكَامهَا ثمَّ أذن للعادل فِي الْعود إِلَى مصر لمساعدة وَلَده الْعَزِيز وودعه وَأَعْطَاهُ الكرك وَأخذ مِنْهُ عسقلان قَالَه ابْن شَدَّاد ورحل على سمت عكا بعسكره موفقا فِي مورده ومصدره فَمَا عبر بِبَلَد إِلَّا قوى عدده وَكثر عدده
وانفصل الْعِمَاد عَن خدمته إِلَى دمشق عِنْد رحيله من بيسان لعَارض مرض سلبه الامكان وَمَا زَالَ مُنْفَصِلا عَنهُ إِلَى أَن وصل السُّلْطَان دمشق بعد شَهْرَيْن مستهل صفر من السّنة الجديدة
وَفِي هَذِه السّنة فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَمَضَان توفّي الْأَمِير مجد الدّين مؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد بن عَليّ بن منقذ وَكَانَ مولده بشيزر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة فَبلغ عمره سِتا وَتِسْعين سنة
وفيهَا فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى توفّي الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى بن عُثْمَان بن حَازِم الْحَازِمِي الهمذاني بِبَغْدَاد صَاحب المصنفات على صغر سنه مِنْهَا العجالة والناسخ وَغَيرهمَا ومولده سنة ثَمَان أَو تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة رحمهمَا الله تَعَالَى
قَالَ الْعِمَاد وَوصل كتاب من مصر وَنحن على حِصَار صفد أَن اثْنَي عشر رجلا أعْلنُوا بشعار أهل الْقصر ودخلوا من بَاب زويلة إِلَى قرب الصياقلة مجذوبي السيوف لادالة الدولة الزاهقة ونصرة الدعْوَة الْبَاطِلَة وهم ينادون بآل عَليّ وَفِي زعمهم أَنهم يقيلون بالصولة ويقلبون بالبأس لِبَاس الدولة ويخالون أَنهم إِذا ثَارُوا أثاروا وَإِذا داروا أداروا فَمَا اكترث بهم مكترث وَلَا انْبَعَثَ إِلَيْهِم منبعث فَلَمَّا تحققوا أَنهم لَا مُجيب لَهُم وَلَا دَاع تفَرقُوا فِي الدروب واضمحلوا وَكَانُوا عقدوا على الْوَفَاء فانحلوا ثمَّ أخذُوا ووقذوا واعتقلوا وَلم يستنقذوا
وَلما علم السُّلْطَان بِهَذَا الْأَمر عراه الْهم وتضجر بِمن على بَابه من وُفُود مصر وَقَالَ إِلَى مَتى نتحمل مِنْهُم هَذَا وهم بطردهم وردعهم وردهم وَكَانَ قد وَفد إِلَى الْبَاب السلطاني جمَاعَة من أَوْلَاد الوزراء المصريين والأمراء بهَا المقدمين وَمن أهل الْمَعْرُوف المعروفين وَوَافَقَ ذَلِك دُخُول الْفَاضِل إِلَيْهِ فَأخْبرهُ بالْخبر فَقَالَ لَهُ يجب أَن تشكر الله على هَذِه النِّعْمَة فقد عرفت بِهَذَا طَاعَة رعيتك وموافقة نياتهم لنيتك أَلَيْسَ لم يلب دعوتهم أحد وَلم يكن من ورائهم مدد فطب نفسا وزد بمنزلتك عِنْد الله أنسا
فَقَالَ السُّلْطَان كَانَ الْمُلُوك قبلي تخافهم وتهرب مِنْهُم الرّعية وتتوقع مِنْهُم البلية والآن فقد تكاثروا علينا وتوافدوا إِلَيْنَا حَتَّى أضجرونا وأملونا ونفرونا فَإِذا ركبنَا أَو نزلنَا تعاورونا بالقصص وساورونا بالغصص
فَقَالَ لَهُ أَنْت أولى بشكر الله على هَذِه العارفة كَانَ بِمصْر من صَاحب الْقصر وأشياعه وخدمه وَأَتْبَاعه وأمرائه وخواصه وَذَوي استخلاصه وجهاته وإلزامه كل من كَانَ يرتع الْخلق فِي رياض إنعامه وَكَانَ بِالشَّام فِي كل بلد وَال وَصَاحب لَهُ على أَهله نعم ومواهب وملوك يلوذ بهم الْأَقَارِب والأجانب وَالْيَوْم أَنْت سُلْطَان الْجَمِيع وَقد رد الله الآمال فِي تِلْكَ الصَّنَائِع كلهَا إِلَى مَا لَك من حسن الصَّنِيع وَقد اجْتمع اولئك المتفرقون على بابك ووفدوا إِلَى جنابك فَلَا يَجدونَ بعد الله إِلَّا وجودك وجودك فَأكْرم وفودك
فاغرورقت بالدموع عَيناهُ وبالسماح يَدَاهُ وَأقسم أَنه مَا عَاشَ
لَا يرد قَاصِدا وَلَا يصد وافدا وَتقدم فِي الْحَال بِقَضَاء حُقُوق الوافدين وإنجاح آمال القاصدين
قلت وَكتب إِلَى السُّلْطَان فِي هَذَا الْمَعْنى أَبُو الْفَتْح سبط ابْن التعاويذي من بَغْدَاد
(فَلَا يضجرنك ازدحام الْوُفُود
…
عَلَيْك وَكَثْرَة مَا تبذل)
(فَإنَّك فِي زمن لَيْسَ فِيهِ
…
جواد سواك وَلَا مفضل)
(وَقد قل فِي أَهله المنعمون
…
وَقد كثر البائس المرمل)
(وَمَا فِيهِ غَيْرك من يستماح
…
وَمَا فِيهِ إلاك من يسْأَل)
وقرأت رقْعَة بِخَط الْفَاضِل الْمَمْلُوك يُنْهِي وُصُول فَخر الْكتاب الْجُوَيْنِيّ وَقد كَاد يهْلك من لَهب الْحر وَالْمَشَقَّة فِي السّير وَكَيف يكون حَال ابْن السّبْعين مَعَ الْمَرَض اللَّازِم والقولنج الدَّائِم ونحافة الاعضاء وَضعف الْقُوَّة واستشعار انْقِطَاع الرزق الَّذِي هُوَ نَظِير انْقِطَاع الْعُمر وَمَا أَظن أَن الله أجْرى على يَد الْمولى وَلَا فَرح عدوا لَهُ بِأَن يَنْقَطِع رزق مثل هَذَا الْبَقِيَّة الْحَسَنَة والضيف الراحل والأديب الْفَاضِل فِي أَيَّام مَوْلَانَا الَّتِي هِيَ تَارِيخ الْكَرم ومواسم النعم