الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فانفصل الْحَال على أَنهم حكمُوا ثَلَاث مئة من أعيانهم وَحكم الثَّلَاث مئة اثْنَي عشر من أعيانهم وَحكم الاثنا عشر ثَلَاثَة مِنْهُم وَقد باتوا على حكم الثَّلَاثَة فَمَا يأمرونهم بِهِ يفعل فَلَمَّا أَصْبحُوا حكمُوا عَلَيْهِم بالرحيل فَلم يُمكنهُم الْمُخَالفَة وَأَصْبحُوا فِي بكرَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة راحلين إِلَى نَحْو الرملة ناكصين على أَعْقَابهم وَللَّه الْحَمد 0
ووقف عَسْكَرهمْ إِلَى أَن لم يبْق فِي الْمنزلَة إِلَّا الْآثَار ثمَّ نزلُوا بالرملة وتواتر الْخَبَر بذلك فَركب السُّلْطَان - قدس الله روحه - وَركب النَّاس وَكَانَ سرُور وَفَرح وَلَكِن السُّلْطَان خَافَ على مصر لما حصلوا عَلَيْهِ من الْجمال وَالظّهْر وَكَانَ قد ذكر الإنكلتير مثل هَذَا مرَارًا
فصل فِي تردد رسل الإنكلتير فِي معنى الصُّلْح وَمَا جرى فِي أثْنَاء ذَلِك إِلَى أَن تمّ وَللَّه الْحَمد
وَقد سَاق ذَلِك القَاضِي ابْن شَدَّاد أحسن سِيَاق واستقصى الْأَمر فِيهِ بِخِلَاف الْعِمَاد فَقَالَ إِن الإنكلتير جَاءَ مِنْهُ رَسُول يَقُول قد هلكنا نَحن وَأَنْتُم والأصلح حقن الدِّمَاء وَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَقد أَن
ذَلِك عَن ضعف مني بل للْمصْلحَة وَلَا يغتر بتأخري عَن منزلي فالكبش يتَأَخَّر لينطح
ثمَّ جَاءَ رَسُوله يَقُول لَا يجوز لَك أَن تهْلك الْمُسلمين كلهم وَلَا يجوز لي أَن أهلك الفرنج كلهم وَهَذَا ابْن أُخْتِي الكندهري قد ملكته هَذِه الديار وسلمته إِلَيْك يكون هُوَ وَعَسْكَره بحكمك وَلَو استدعيتهم إِلَى الشرق سمعُوا وأطاعوا وَأَن جمَاعَة من الرهبان والمنقطعين قد طلبُوا مِنْك كنائس فَمَا بخلت عَلَيْهِم بهَا وَأَنا أطلب مِنْك كَنِيسَة وَتلك الْأُمُور الَّتِي كَانَت تضيق صدرك لما كَانَت تجْرِي المراسلة مَعَ الْملك الْعَادِل قد قلت بِتَرْكِهَا وأعرضت عَنْهَا وَلَو أَعْطَيْتنِي مقرعة أَو قَرْيَة قبلتها وقبلتها
فَاسْتَشَارَ السُّلْطَان الْأُمَرَاء فِي جَوَابه فأشاروا بالمحاسنة وَعقد الصُّلْح لما كَانَ قد أَخذ الْمُسلمين من الضجر والتعب وعلاهم من الدُّيُون وَاسْتقر الْحَال على هَذَا الْجَواب إِنَّك إِذا دخلت مَعنا هَذَا الدُّخُول فَمَا جَزَاء الاحسان إِلَّا الاحسان ابْن أختك يكون عِنْدِي كبعض أَوْلَادِي وسيبلغك مَا أفعل فِي حَقه من الْخَيْر وَأَنا أُعْطِيك أكبر الْكَنَائِس وَهِي الْقِيَامَة وَبَقِيَّة الْبِلَاد نقسمها والساحلية الَّتِي بِيَدِك تكون بِيَدِك وَالَّتِي بِأَيْدِينَا من القلاع الجبلية تكون لنا وَمَا بَين العملين يكون مُنَاصَفَة وعسقلان وَمَا وَرَاءَهَا تكون خرابا لَا لنا وَلَا لكم وَإِن أردتم قراها كَانَت لكم وَالَّذِي كنت أكرهه حَدِيث عسقلان فانفصل الرَّسُول طيب الْقلب
قَالَ واتصل الْخَبَر أَنهم بعد وُصُول الرَّسُول إِلَيْهِم راحلون إِلَى جِهَة عسقلان طالبون جِهَة مصر
وَوصل رَسُول من جَانب قطب الدّين بن قليج أرسلان يَقُول إِن البابا قد وصل إِلَى قسطنطينية فِي خلق لَا يعلم عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَقَالَ الرَّسُول إِنِّي قتلت فِي الطَّرِيق اثْنَي عشر فَارِسًا وَيَقُول تقدم إِلَى من يتسلم بلادي مني فَانِي قد عجزت عَن حفظهَا فَلم يصدق السُّلْطَان هَذَا الْخَبَر وَلَا اكترث بِهِ
ثمَّ جَاءَ رسوا الإنكلتير يطْلب أَن يكون فِي قلعة الْقُدس عشرُون نَفرا وَأَن من سكن من النَّصَارَى والفرنج فِي الْبَلَد لَا يتَعَرَّض لَهُم وَأما بَقِيَّة الْبِلَاد فلنا مِنْهَا الساحليات والوطاة والبلاد الجبلية لكم وَأخْبر الرَّسُول من عِنْد نَفسه مناصحة أَنهم قد نزلُوا عَن حَدِيث الْقُدس مَا عدا الزِّيَارَة وَإِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا تصنعا وَأَنَّهُمْ راغبون فِي الصُّلْح وَأَن الإنكلتير لَا بُد لَهُ من الرواح إِلَى بَلَده
فَأُجِيب بِأَن الْقُدس لَيْسَ لكم فِيهِ حَدِيث سوى الزِّيَارَة فَقَالَ الرَّسُول وَلَيْسَ على الزوار شَيْء يُؤْخَذ مِنْهُم فَعلم من هَذَا القَوْل الْمُوَافقَة
وَأما الْبِلَاد فعسقلان وَمَا وَرَاءَهَا لَا بُد من خرابه فَقَالَ الرَّسُول قد خسر الْملك على سورها مَالا جزيلا فَسَأَلَ المشطوب
أَن يَجْعَل مزارعها وقراها فِي مُقَابل خسارته فَأجَاب السُّلْطَان وَأَن الداروم وَغَيره يخرب وَيكون بَلَدهَا مُنَاصَفَة وَأما بَاقِي الْبِلَاد فَيكون لَهُم من يافا إِلَى صور بأعمالها وَمهما اخْتَلَفْنَا فِي قَرْيَة كَانَت مُنَاصَفَة
ثمَّ جَاءَ الرَّسُول يَقُول الْملك يَسْأَلك ويخضع لَك فِي أَن تتْرك لَهُ هَذِه الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة عامرة وَأي قدر لَهَا عِنْد ملكك وعظمتك وَمَا سَبَب إصراره عَلَيْهَا إِلَّا أَن الفرنج لم يسمحوا بهَا وَهُوَ قد ترك الْقُدس بِالْكُلِّيَّةِ لَا يطْلب أَن يكون فِيهِ لَا رُهْبَان وَلَا قسوس إِلَّا فِي الْقِيَامَة وَحدهَا فَتتْرك لَهُ أَنْت هَذِه الْبِلَاد وَيكون الصُّلْح عَاما فَيكون لَهُم كل مَا فِي أَيْديهم من الداروم إِلَى أنطاكية وَلكم مَا فِي أَيْدِيكُم وينتظم الْحَال وَيروح وَإِن لم يَنْتَظِم الصُّلْح فالفرنج مَا يمكنونه من الرواح وَلَا يُمكنهُ مخالفتهم
قَالَ القَاضِي فَانْظُر إِلَى هَذِه الصِّنَاعَة فِي استخلاص الفرص باللين تَارَة وبالخشونة أُخْرَى وَكَانَ - لَعنه الله - مُضْطَرّا إِلَى الرواح وَهَذَا عمله مَعَ اضطراره وَالله المسؤؤل فِي أَن يَكْفِي الْمُسلمين مكره فَمَا بلوا بأعظم حِيلَة وَلَا أَشد إقداما مِنْهُ
فَأَجَابَهُ السُّلْطَان بِأَن أنطاكية لنا مَعَهم حَدِيث وَرُسُلنَا
عِنْدهم فَإِن عَادوا بِمَا نُرِيد أدخلناهم فِي الصُّلْح وَإِلَّا فَلَا وَأما الْبِلَاد الَّتِي سَأَلَهَا فَلَا يُوَافق الْمُسلمُونَ على دَفعهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا قدر لَهَا وَأما سور عسقلان فَيَأْخُذ فِي مُقَابلَة مَا خسر عَلَيْهِ لدا فِي الوطاة
ثمَّ عَاد الرَّسُول وَقَالَ إِن الْملك قَالَ لَا يمكننا أَن نخرب من عسقلان حجرا وَاحِدًا وَلَا يسمع عَنَّا فِي الْبِلَاد مثل ذَلِك وَأما الْبِلَاد فحدودها مَعْرُوفَة لَا مناكرة فِيهَا وَعند ذَلِك تأهب السُّلْطَان لِلْخُرُوجِ إِلَى جِهَة الْعَدو وَإِظْهَار الْقُوَّة وَشدَّة الْعَزْم على اللِّقَاء
وبلغه فِي الْعَاشِر من رَجَب أَن الفرنج - خذلهم الله - قد رحلوا طَالِبين نَحْو بيروت فبرز من الْقُدس إِلَى منزلَة يُقَال لَهَا الجيب وَجَاء الْعَادِل من الشرق وَالظَّاهِر من حلب ورحل من الجيب إِلَى بَيت نوبَة ثمَّ رَحل إِلَى الرملة فَنزل بهَا على تلال بَين الرملة ولد وَركب جَرِيدَة حَتَّى أَتَى يازور وَبَيت دجن وأشرف على يافا ثمَّ نزل عَلَيْهَا من الْغَد ورتب عسكره فِي الميمنة وَلَده الظَّاهِر وَفِي الميسرة أَخُوهُ الْعَادِل وَركب المنجنيقات وزحف عَلَيْهَا فَأرْسل الْعَدو رسولين نَصْرَانِيّا وفرنجيا يطلبان الصُّلْح فَطلب مِنْهُم قَاعِدَة الْقُدس وقطيعته فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك واشترطوا أَن ينْظرُوا إِلَى يَوْم السبت تَاسِع عشر رَجَب فَإِن جَاءَتْهُم نجدة وَإِلَّا تمت الْقَاعِدَة على مَا اسْتَقر
فَأبى السُّلْطَان الانظار وَأمر بالنقب فخشي وأحرق فَوَقع بعض الْبَدنَة فَوضع الْعَدو أخشابا عَظِيمَة خلف النقب فالتهب فَمنع من الدُّخُول فِي الثلمة وقاتلت خَارج الْأَبْوَاب إِلَى اللَّيْل فَلَمَّا أَصْبحُوا وَقعت الْبَدنَة فعلا غُبَار مَعَ الدُّخان فأظلم الْأُفق وَمَا تجاسر أحد على الولوج خوفًا من اقتحام النَّار فَلَمَّا انكشفت الغبرة ظَهرت أسنة قد نابت مناب الأسوار ورماح قد سدت الثلمة حَتَّى عَن نُفُوذ الْأَبْصَار وَرَأى النَّاس هولا عَظِيما من صَبر الْقَوْم وثباتهم وَلَقَد رَأَيْت رجلَيْنِ على ممشى السُّور يمنعان المتسلق فِيهِ من حهة الثلمة وَقد أَتَى أَحدهمَا حجر المنجنيق فَأَخذه وَنزل إِلَى دَاخل فَقَامَ رَفِيقه فِي مقَامه متصديا لمثل مَا لحقه أسْرع من لمح الْبَصَر بِحَيْثُ لم يفرق بَينهمَا إِلَّا ناقد بَصِير
وَلما رأى الْعَدو مَا قد آل الْأَمر إِلَيْهِ سِيرُوا يطْلبُونَ الْأمان فَقَالَ رحمه الله الْفرس بِفَارِس والتركبلي بِمثلِهِ والراجل بالراجل وَالْعَاجِز فعلى قطيعة الْقُدس
فَنظر الرَّسُول وَرَأى الْقِتَال على الثلمة أَشد من إضرام النَّار فَسَأَلَ السُّلْطَان أَن يبطل الْقِتَال إِلَى أَن يعود فَقَالَ مَا أقدر على منع الْمُسلمين من هَذَا الْأَمر وَلَكِن ادخل إِلَى أَصْحَابك فَقل لَهُم ينحازون إِلَى القلعة ويتركون النَّاس يشتغلون بِالْبَلَدِ فَمَا بَقِي دونه
مَانع فَفَعَلُوا وانحازوا إِلَى قلعة يافا بعد أَن قتل مِنْهُم جمَاعَة وَدخل النَّاس الْبَلَد عنْوَة ونهبوا مِنْهُ أقمشة عَظِيمَة وغلالا كَثِيرَة وأثاثا وبقايا قماش مَا نهب من الْقَافِلَة المصرية واستقرت الْقَاعِدَة على الْوَجْه الَّذِي قَرَّرَهُ السُّلْطَان
وَكَانَ قايماز النجمي فِي طرف الْغَوْر لحمايته من عَسْكَر الْعَدو الَّذِي بعكا فوصل مِنْهُ كتاب يخبر فِيهِ أَن الإنكلتير الملعون لما سمع خبر يافا أعرض عَن قصد بيروت وَعَاد على قصد يافا فَاشْتَدَّ عزم السُّلْطَان على تَتِمَّة الْأَمر وتسلم القلعة وَكنت مِمَّن لم ير الْأمان لانه قد لَاحَ أَخذهم وَكَانَ النَّاس لَهُم مُدَّة لم يظفروا من الْعَدو بمغنم يوثبهم عَلَيْهِ فَكَانَ أَخذهم عنْوَة مِمَّا يبْعَث همم الْعَسْكَر غير أَن الْأمان وَقع وَاتفقَ الصُّلْح فَكنت بعد ذَلِك مِمَّن يحث على إِخْرَاج الْعَدو من القلعة وتسلمها خوفًا من لُحُوق النجدة
وَكَانَ السُّلْطَان يشْتَد حرصه على ذَلِك غير أَن النَّاس قد أقعدهم التَّعَب عَن امْتِثَال الْأَمر وَأخذ مِنْهُم الْحَدِيد وَشدَّة الْحر ودخان النَّار بِحَيْثُ لم يبْق لَهُم استطاعة على الْحَرَكَة
وَسَمعنَا بوق الفرنج فِي السحر فَعلمنَا بوصول النجدة فسير السُّلْطَان معي عز الدّين جرديك وَعلم الدّين قَيْصر ودرباس المهراني وَعدل الخزانة شمس الدّين وَقَالَ امْضِ إِلَى الْملك الظَّاهِر وَقل لَهُ يقف ظَاهر الْبَاب القبلي وَتدْخل أَنْت وَمن ترَاهُ إِلَى القلعة وتخرجون الْقَوْم وتستولون على مَا فِيهَا من الْأَمْوَال والأسلحة وتكتبها بخطك إِلَى الظَّاهِر وَهُوَ ظَاهر الْبَلَد وَهُوَ يسيرها إِلَيْنَا
فَفَعَلْنَا ودخلنا القلعة وأمرنا الفرنج بِالْخرُوجِ فَأَجَابُوا وتهيؤوا فَقَالَ جرديك لَا يَنْبَغِي أَن يخرج مِنْهُم أحد حَتَّى يخرج النَّاس من الْبَلَد خشيَة أَن يتخطفوهم وَكَانَ النَّاس قد داخلهم الطمع فِي الْبَلَد وَأخذ يشْتَد فِي ضرب النَّاس وإخراجهم وهم غير مضبوطين بعدة وَلَا مَحْصُورين فِي مَكَان فَكيف يُمكن إخراجهم
وَطَالَ الْأَمر إِلَى أَن، علا النَّهَار وَأَنا ألومه وَهُوَ لَا يرجع عَن ذَلِك وَالزَّمَان يمْضِي فَلَمَّا رَأَيْت الْوَقْت يفوت قلت لَهُ إِن النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة فِي إخراجهم فَأجَاب وأخرجنا خَمْسَة وَأَرْبَعين نَفرا بخيولهم وَنِسَائِهِمْ وسيرناهم ثمَّ اشتدت أنفس البَاقِينَ وحدثتهم نُفُوسهم بالعصيان وَكَانُوا استقلوا المراكب الَّتِي جَاءَتْهُم وظنوا أَن لَا نجدة لَهُم فِيهَا وَلم يعلمُوا أَن الإنكلتير مَعَ الْقَوْم ورأوهم قد تَأَخَّرُوا عَن النُّزُول إِلَى علو النهارفخافوا أَن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا فَخرج من خرج ثمَّ بعد ذَلِك قويت النجدة حَتَّى صَارُوا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ مركبا فَقَوِيت نفوس البَاقِينَ فِي الْحصن فظهرت مِنْهُم أَمَارَات الْعِصْيَان ودلائله
فَقلت لِأَصْحَابِنَا خُذُوا حذركُمْ فقد تَغَيَّرت عزائم الْقَوْم فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة بِحَيْثُ صرت خَارج الْبَلَد وَقد حمل الْقَوْم من القلعة وأخرجوا من كَانَ فِي الْبَلَد من الأجناد وَلَقَد ازْدحم النَّاس فِي الْبَاب حَتَّى كَاد يتْلف مِنْهُم جمَاعَة وَبَقِي فِي بعض الْكَنَائِس
جمَاعَة من رعاع الْعَسْكَر مشتغلين بِمَا لَا يجوز فَهَجَمُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا مِنْهُم وأسروا وَعرف السُّلْطَان فَأمر النَّاس فزحفوا وَعَاد الْحصار كَمَا كَانَ وحشروا الْعَدو فِي القلعة واستبطؤوا نزُول النجدة إِلَيْهِم وخافوا خوفًا عَظِيما فأرسلوا بطركهم والقسطلان إِلَى السُّلْطَان يعتذران مِمَّا جرى ويسألانه الْقَاعِدَة الأولى
وَكَانَ سَبَب امْتنَاع نزُول النجدة أَنهم رَأَوْا الْبَلَد مشحونا ببيارق الْمُسلمين ورجالهم فخافوا أَن تكون القلعة قد أخذت وَكَانَ الْبَحْر يمْنَع من سَماع الصَّوْت وَكَثْرَة الضجيج والتهليل وَالتَّكْبِير فَلَمَّا رأى من فِي القلعة شدَّة الزَّحْف عَلَيْهِم وَامْتِنَاع النجدة من النُّزُول مَعَ كثرتها فَإِنَّهَا بلغت نيفا وَخمسين مركبا مِنْهَا خَمْسَة عشر من الشواني علمُوا أَن النجدة قد ظنُّوا أَن الْبَلَد قد أَخذ فوهب رجل مِنْهُم نَفسه للمسيح وقفز من القلعة إِلَى الميناء وَكَانَ رملا فَلم يصبهُ شَيْء وَعدا إِلَى الْبَحْر فَحدث الإنكلتير بِالْحَدِيثِ فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى نزل كل من فِي الشواني إِلَى الميناء هَذَا كُله وَأَنا أشاهد ذَلِك فحملوا على الْمُسلمين فأخرجوهم من الميناء فَقبض السُّلْطَان على الرُّسُل وَأمر بتأخر الثّقل والأسواق إِلَى يازور فَرَحل النَّاس وَتَأَخر لَهُم ثقل عَظِيم مِمَّا كَانُوا نهبوا من يافا
وَخرج الإنكلتير إِلَى مَوضِع السُّلْطَان الَّذِي كَانَ فِيهِ لمضايقة
الْبَلَد وَأمر من فِي القلعة أَن يخرجُوا إِلَيْهِ ليعظم سوَاده
ثمَّ اجْتمع بِهِ جمَاعَة من المماليك طَلَبهمْ وَحضر الْحَاجِب أَبُو بكر العادلي وَكَانَ قد صَادِق جمَاعَة من خَواص المماليك وَدخل مَعَهم دُخُولا عَظِيما بِحَيْثُ كَانُوا يَجْتَمعُونَ بِهِ أَوْقَات مُتعَدِّدَة وَكَانَ قد صَادِق من الْأُمَرَاء جمَاعَة كبدر الدّين دلدرم وَغَيره فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْده جد وهزل وَمن جملَة مَا قَالَ
هَذَا السُّلْطَان عَظِيم وَمَا فِي الأَرْض للاسلام ملك أكبر وَلَا أعظم مِنْهُ كَيفَ رَحل عَن الْمَكَان بِمُجَرَّد وصولي وَوَاللَّه مَا لبست لأمة حَرْبِيّ وَلَا تأهبت لأمر وَلَيْسَ فِي رجْلي إِلَّا زربول الْبَحْر فَكيف تَأَخّر
ثمَّ قَالَ وَالله إِنَّه لعَظيم وَالله مَا ظَنَنْت أَنه يَأْخُذ يافا فِي شَهْرَيْن فَكيف أَخذهَا فِي يَوْمَيْنِ ثمَّ قَالَ لأبي بكر الْحَاجِب تسلم على السُّلْطَان وَتقول لَهُ بِاللَّه عَلَيْك أجب سُؤَالِي فِي الصُّلْح فَهَذَا أَمر لَا بُد لَهُ من آخر وَقد هَلَكت بلادي وَرَاء الْبَحْر وَمَا دوَام هَذَا مصلحَة لَا لنا وَلَا لكم
فَأرْسل السُّلْطَان إِلَيْهِ فِي الْجَواب إِنَّك كنت طلبت الصُّلْح أَولا على قَاعِدَة وَكَانَ الحَدِيث فِي يافا وعسقلان والآن فقد خربَتْ هَذِه يافا فَيكون لَك من قيسارية إِلَى صور
فَأرْسل الإنكلتير يَقُول إِن قَاعِدَة الافرنج أَنه إِذا أعْطى وَاحِد لوَاحِد بَلَدا صَار تبعه وَغُلَامه وَأَنا أطلب مِنْك هذَيْن البلدين يافا وعسقلان وَتَكون عساكرهما فِي خدمتك دَائِما وَإِذا احتجت إِلَيّ وصلت إِلَيْك فِي أسْرع وَقت وخدمتك كَمَا تعلم خدمتي
فَقَالَ السُّلْطَان حَيْثُ دخلت هَذَا الْمدْخل فَأَنا أجيبك على أَن تجْعَل البلدين قسمَيْنِ أَحدهمَا لَك وَهُوَ يافا وَمَا وَرَاءَهَا وَالثَّانِي لي وَهُوَ عسقلان وَمَا وَرَاءَهَا ثمَّ رتب السُّلْطَان اليزك بيازور وَأمر بخرابها وخراب بَيت دجن ورتب النقابين لذَلِك وَسَار إِلَى الرملة فَعَاد رَسُول الإنكلتير يشْكر على إِعْطَائِهِ يافا ويجدد السُّؤَال فِي عسقلان وَيَقُول لَهُ إِن وَقع الصُّلْح فِي هَذِه الْأَيَّام السِّتَّة سَار إِلَى بِلَاده وَإِلَّا احْتَاجَ أَن يشتي هَا هُنَا
فَأَجَابَهُ السُّلْطَان فِي الْحَال وَقَالَ أما النُّزُول عَن عسقلان فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ وَأما تشتيته هَا هُنَا فَلَا بُد مِنْهَا لانه قد استولى على هَذِه الْبِلَاد وَيعلم أَنه مَتى غَابَ عَنْهَا أخذت بِالضَّرُورَةِ وَإِذا أَقَامَ أَيْضا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِذا سهل عَلَيْهِ أَن يشتي هَاهُنَا وَيبعد عَن أَهله ووطنه مسيرَة شَهْرَيْن وهوشاب فِي عنفوان شبابه وَوقت اقتناص لذاته مَا يسهل عَليّ أَن أشتي وأصيف وَأَنا فِي وسط بلادي وَعِنْدِي أَهلِي وأولادي وَيَأْتِي إِلَيّ مَا أريده وَمن أريده وَأَنا شيخ كَبِير قد كرهت لذات الدُّنْيَا وشبعت مِنْهَا ورفضتها عني والعسكر الَّذِي يكون عِنْدِي فِي الشتَاء غير الَّذِي يكون
عِنْدِي فِي الصَّيف وَأَنا أعتقد أَنِّي فِي أعظم الْعِبَادَات وَلَا أَزَال كَذَلِك حَتَّى يُعْطي الله النَّصْر لمن يَشَاء
ثمَّ جَاءَ رَسُوله يَقُول كم أطرح نَفسِي على السُّلْطَان وَهُوَ لَا يقبلني وَأَنا كنت أحرص حَتَّى أَعُود إِلَى بلادي والآن فقد هجم الشتَاء وتغيرت الأنواء وعزمت على الاقامة وَمَا بَقِي بَيْننَا حَدِيث
ثمَّ بلغ السُّلْطَان أَن عَسْكَر الْعَدو قد رَحل من عكا قَاصِدا يافا فَسَار رحمه الله فَنزل على العوجاء وَوصل من أخبرهُ أَن الْعَدو دخل قيسارية وَلم يبْق فِيهِ طمع وبلغه أَن الإنكلتير نَازل خَارج يافا فِي نفر يسير فَوَقع لَهُ أَن يكبسه فَأَتَاهُ فَوجدَ خيمه نَحْو عشر خيم فحملوا عَلَيْهِم فثبتوا وَلم يتحركوا من أماكنهم وكشروا عَن أَنْيَاب الْحَرْب وَكَانُوا على الْمَوْت أَصْبِر فارتاع الْمُسلمُونَ مِنْهُم ووجموا من ثباتهم وداروا حَولهمْ حَلقَة وَكَانَت عدَّة الْخَيل سَبْعَة عشر وَقيل تِسْعَة والرجالة ثَلَاث مئة أَو أَكثر فَوجدَ السُّلْطَان من ذَلِك موجدة عَظِيمَة وَدَار على الأطلاب بِنَفسِهِ يحثهم على الحملة ويعدهم بِالْحُسْنَى على ذَلِك فَلم يجب دعاءه أحد سوى وَلَده الظَّاهِر
قَالَ وَبَلغنِي أَنه قَالَ لَهُ الْجنَاح أَخُو المشطوب قل لغلمانك الَّذين ضربوا النَّاس يَوْم فتح يافا وَأخذُوا مِنْهُم الْغَنِيمَة يحملون وَكَانَ فِي قُلُوب الْعَسْكَر من صلح السُّلْطَان على يافا حَيْثُ فوتهم الْغَنِيمَة فَلَمَّا رأى السُّلْطَان ذَلِك أعرض عَن الْقِتَال وَغَضب وَسَار إِلَى يازور
قَالَ وَلَقَد بَلغنِي أَن الإنكلتير أَخذ رمحه ذَلِك الْيَوْم وَحمل من طرف الميمنة إِلَى طرف الميسرة فَلم يعرض لَهُ أحد
قلت وَوصل من الْفَاضِل كتاب من دمشق يَقُول فِيهِ كثر الارجاف بِهَلَاك ملك الإنكلتير فَإِن كَانَ كَذَلِك فجواب كل من قصر فِي يافا عَن أَخذه عَن السُّلْطَان {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله} وَجَوَاب السُّلْطَان لَهُم عَن ملك الإنكلتير إِلَّا تقتلوه فقد قَتله الله وَلم يزل لطيفا وَلم يزل مَوْلَانَا يحمل الثّقل ثقيلا وخفيفا وَمن كَانَ الله عَلَيْهِ لم يكن قَوِيا وَمن كَانَ الله مَعَه لم يكن ضَعِيفا
قَالَ القَاضِي ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى النطرون ثمَّ إِلَى الْقُدس فَنظر العمائر ورتبها ثمَّ عَاد إِلَى النطرون وتوافت إِلَيْهِ فِيهِ العساكر وَوصل عَلَاء الدّين ابْن صَاحب الْموصل ثمَّ قدم عَسْكَر مصر وَفِيهِمْ سيف الدّين يازكوج وَجَمَاعَة الأَسدِية فِي خدمَة وَلَده الْملك الْمُؤَيد مَسْعُود وَوصل الْمَنْصُور نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن تَقِيّ
الدّين فَلَقِيَهُ الظَّاهِر إِلَى بَيت نوبَة وَدخل بِهِ على السُّلْطَان فَنَهَضَ واعتنقه وضمه إِلَى صَدره وغشيه الْبكاء فَصَبر نَفسه حَتَّى غَلبه الْأَمر فَبكى النَّاس لبكائه سَاعَة ثمَّ باسطه وَسَأَلَهُ عَن الطَّرِيق وَكَانَ مَعَه عَسْكَر جميل فقرت عين السُّلْطَان بِهِ ثمَّ سَار وَنزل فِي مُقَدّمَة الْعَسْكَر مِمَّا يَلِي الرملة
وَلما رأى السُّلْطَان العساكر قد اجْتمعت جمع أَرْبَاب الرَّأْي وَقَالَ إِن الإنكلتير قد مرض مَرضا شَدِيدا والافرنسيسية قد سَارُوا رَاجِعين ليعبروا الْبَحْر من غير شكّ ونفقاتهم قد قلت وَأرى أَن نسير إِلَى يافا فَإِن وجدنَا فِيهَا طَمَعا وَإِلَّا عدنا إِلَى عسقلان فَمَا تلحقها النجدة إِلَّا وَقد بلغنَا مِنْهَا غَرضا فوافقوه على ذَلِك فَأرْسل عز الدّين جرديك وجمال الدّين فرج سادس شعْبَان حَتَّى يَكُونَا قَرِيبا من يافا
هَذَا ورسل الإنكلتير لَا تَنْقَطِع فِي طلب الْفَاكِهَة والثلج وأوقع الله عَلَيْهِ فِي مَرضه شَهْوَة الكمثرى والخوخ وَكَانَ السُّلْطَان يمده بذلك ويقصد كشف الْأَخْبَار بتواتر الرُّسُل وَالَّذِي انْكَشَفَ لَهُ أَن فِيهَا ثَلَاث مئة فَارس على قَول المكثر ومئتي فَارس على قَول المقلل وَأَن الكندهري تردد بَينه وَبَين الفرنسيسية فِي مقامهم وهم عازمون على عبور الْبَحْر قولا وَاحِدًا
فَسَار السُّلْطَان إِلَى جِهَة الرملة وَجَاء رَسُول الإنكلتير مَعَ
الْحَاجِب أبي بكر يشْكر السُّلْطَان على اسعافه بالفاكهة والثلج وَذكر أَبُو بكر أَنه انْفَرد بِهِ وَقَالَ لَهُ قل لأخي - يَعْنِي الْملك الْعَادِل - يبصر كَيفَ يتَوَصَّل إِلَى السُّلْطَان فِي معنى الصُّلْح ويستوهب لي مِنْهُ عسقلان وأمضي وَيبقى هُوَ هَا هُنَا مَعَ هَذِه الشرذمة الْيَسِيرَة وَيَأْخُذ الْبِلَاد مِنْهُم فَلَيْسَ غرضي إِلَّا إِقَامَة جاهي بَين الفرنجية وَإِن لم ينزل السُّلْطَان عَن عسقلان فتأخذ لي مِنْهُ عوضا عَن خسارتي على عمَارَة سورها فَأرْسل السُّلْطَان إِلَى الْعَادِل إِن نزلُوا عَن عسقلان فَصَالحهُمْ فَإِن الْعَسْكَر قد ضجر من مُلَازمَة البيكار والنفقات قد نفدت
ثمَّ إِن الإنكلتير نزل عَن عسقلان وَعَن الْعِوَض عَنْهَا واستوثق مِنْهُ على ذَلِك فأحضر السُّلْطَان الدِّيوَان يَوْم السبت ثامن عشر شعْبَان وَذكر يافا وعملها وَأخرج الرملة مِنْهَا ولد ومجدل يابا ثمَّ ذكر قيسارية وأعمالها وأرسوف وعملها وحيفا وعملها وعكا وعملها وَأخرج مِنْهَا الناصرة وصفورية وَأثبت الْجَمِيع فِي ورقة وَقَالَ للرسول هَذِه حُدُود الْبِلَاد الَّتِي تبقى فِي أَيْدِيكُم فَإِن صالحتم على ذَلِك فمبارك وَقد أَعطيتكُم يَدي فَينفذ الْملك من يحلف فِي بكرَة غَد وَإِلَّا فنعلم أَن هَذَا تدفيع ومماطلة
وَكَانَ من الْقَاعِدَة أَن تكون عسقلان خرابا وَأَن يتَّفق أَصْحَابنَا وأصحابهم على خرابها وَاشْترط دُخُول بِلَاد الاسماعيلية واشترطوا هم دُخُول صَاحب أنطاكية وطرابلس فِي الصُّلْح وَشرط أَن تكون الرملة ولد بَين الْمُسلمين وَبينهمْ مُنَاصَفَة
واستقرت الْقَاعِدَة على أَنهم يحلفُونَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان وَرَضي الاستبارية والداوية وَسَائِر مقدمي الافرنجية بذلك وَلم يحلف الانكلتير بل أخذُوا يَده وَعَاهَدُوهُ وَاعْتذر بِأَن الْمُلُوك لَا يحلفُونَ وقنع من السُّلْطَان بِمثل ذَلِك
ثمَّ حلف الْجَمَاعَة فَحلف الكند هري ابْن أُخْته الْمُسْتَخْلف عَنهُ فِي السَّاحِل وباليان بن بارزان ابْن صَاحِبَة طبرية وَوصل ابْن الهنفري وَابْن بارزان وَجَمَاعَة من مقدميهم إِلَى السُّلْطَان فَأخذُوا يَده على الصُّلْح واقترحوا حلف جمَاعَة الْعَادِل وَالْأَفْضَل وَالظَّاهِر والمنصور وَسيف الدّين المشطوب ودلدرم وَابْن الْمُقدم وَصَاحب شيزر وكل مجاور لبلادهم وَحلف لصَاحب أنطاكية وطرابلس وعلق الْيَمين بِشَرْط حلفهم للْمُسلمين
قَالَ وَوصل رَسُول سيف الدّين بكتمر صَاحب خلاط يُبْدِي الطَّاعَة والموافقة وتسيير الْعَسْكَر وَحضر رَسُول الكرج وَذكر فصلا فِي معنى الديارات الَّتِي لَهُم فِي الْقُدس وعمارتها وَشَكوا من أَنَّهَا أخذت من أَيْديهم وَيسْأل ردهَا إِلَى أَيدي نوابهم وَرَسُول صَاحب أرزن الرّوم يبْذل الطَّاعَة والعبودية
قَالَ الْعِمَاد وعقدت هدنة عَامَّة فِي الْبر وَالْبَحْر والسهل والوعر وَجعل لَهُم من يافا إِلَى قيسارية إِلَى عكا إِلَى صور وأدخلوا فِي الصُّلْح أطرابلس وأنطاكية وَوَقعت الْمُصَالحَة مُدَّة ثَلَاث
سِنِين وَثَلَاثَة أشهر أَولهَا مُبْتَدأ أيلول الْمُوَافق للحادي وَالْعِشْرين من شعْبَان
قَالَ وَكَانَ الفرنج قد ملؤوا يافا من الرِّجَال والأسلحة والأقوات ليتقووا بهَا على فتح الْقُدس لتَكون لَهُم ظهرا وعونا لقربها من الْبَيْت الْمُقَدّس
قلت وَمن الْأَلْفَاظ الْفَاضِلِيَّةِ وَقد فعلت الأقدار فِي رياضة عرائكهم مَا كَانَ سَببه هَذِه الحركات الْمُبَارَكَة وَكَيف يشنع ملك إنكلتير بالغدر وَهُوَ - لَعنه الله - قد أَتَى بأقبح الْغدر وأفحشه فِي أهل عكا نَهَارا جهارا وَشهد فِيهَا بخزيته وفضيحته الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى وغدر الفرنج مَعْلُوم
(إِذا غدرت حسناء أوفت بعهدها
…
وَمن عهدها أَن لَا يَدُوم لَهَا عهد)
الْقَوْم هادنوا لما ضعفوا ويفسخون إِذا قووا وَنحن نَنْتَظِر فِي ملك إنكلتير مَا تفصح عَنهُ الْمَقَادِير فِي أمره إِمَّا الْهَلَاك وشاباش لَهَا فَيلقى الْأَحِبَّة المركيس ودوك وَملك الألمان وَيُؤْنس فِي النَّار غربتهم وَيكثر عدتهمْ وَإِمَّا أَن يعافى وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَهُوَ بَين أَمريْن إِمَّا أَن يرجع إِلَى لعنة الله وَإِلَى مُرُوءَة الْبَحْر فِي تغريقه وَإِمَّا أَن يُقيم فهنالك قد أبدى الشَّرّ
ناجذيه ونكص الملعون من الْوَفَاء على عَقِبَيْهِ وانتظر الفرصة لتنتهز والعورة ليثب
وَمِمَّا قيل فِي هَذِه الْهُدْنَة أَبْيَات من قصيدة نجم الدّين يُوسُف بن الْحُسَيْن ابْن المجاور الَّتِي تقدّمت فِي فتح الْبَيْت الْمُقَدّس وَهِي
(يَا صَاح قل للانكلتير الْكَلْب دع
…
عَنْك الْجُنُون وَخذ مقَالَة منصف)
(الْقُدس مَا فِيهِ لسرجك مطمع
…
كلا وَلَا نور الاله بمنطفي)
(وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى فَعَنْهُ تقص من
…
وَقع الدبابيس الأليمة تعرف)
(واستفت نَفسك فَهِيَ أَخبث نَاصح
…
واترك مُتَابعَة اللجاج الْمُتْلف)
(واعجب لرمح بالرؤوس معمم
…
واطرب لسيف بالدماء مغلف)
(قد قلت لما قيل صلح قد جرى
…
هَذَا حَدِيث مجزف ومحرف)
(سلف تولى السَّيْف عقد شُرُوطه
…
أحبب بِهِ من مُسلم ومسلف)
(ظنوه سلما وَهُوَ فِي أَرْوَاحهم
…
سلم إِلَى أجل لَهُم متخلف)
وَذكر أَبُو الْحسن ابْن الساعاتي الإنكلتير هَذَا فِي شعره فِي قصيدة مدح بهَا السُّلْطَان - رحمهمَا الله - يَقُول فِيهَا
(منعت ظباء المنحنى بأسوده
…
وَأَشد مَا أشكوه فتك ظبائه)
(فعلت بِنَا وَهِي الصّديق لحاظها
…
كضبي صَلَاح الدّين فِي أعدائه)