الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعاهدة قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} 1.
هذا هو حكم الإسلام في معاهدات السلام التي تحفظ الأمن الدولي وحقوق الإنسان..
يقول الشيخ شلتوت رحمه الله: "وجاءت دول الحضارة الحاضرة فخدعت الناس بما سمته "القانون الدولي العام" وبما سمته "الهيئات الدولية المحكمة" وها هي ذي المجازر البشرية على أيديهم في أكثر أقاليم المعمورة، تنطق بخداعهم وفشلهم كما تنطق بكذبهم إذا قالوا: السلم أو قالوا حقوق الإنسان، والإنسانية منهم براء2:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ} 3.
وبعد، فتلك هي أهم مبادئ الجهاد في الشريعة الإسلامية، وإنها لمبادئ رائعة تظهر سماحة الدين الإسلامي وإنسانيته وعدله، كما تظهر حزمه وقوته وأنه لا يقبل الهزيمة ولا الضيم ولا الاستكانة ولا الهوان ولا الجبن ولا الخور.
وإن دينًا يحرر الإنسان من سيطرة الهوى والشهوة، ويحرر الوجدان من الطغيان والقسوة، ويحرر العباد من الظلم والذل، ويحرر البلدان من الفساد والضلال لهو دين جدير أن يخترق شغاف القلوب فيملؤها رحمة وعدلًا ومودة وحبًّا، وهو دين جدير أن يسود ويمجد، ويتمسك المؤمنون به بإيمان مطلق ويدعون له بإخلاص وهدى.
1 سورة التوبة: 3.
2 الإسلام عقيدة وشريعة للشيخ شلتوت: ص478.
3 سورة الأنفال: 55-56.
المبحث الثاني: التضامن الإسلامي
مدخل
…
التضامن الإسلامي
الحاجة إلى التضامن الإسلامي
إن التضامن الإسلامي مطلب كل فرد مسلم، وأنشودة كل مؤمن ناضج
الفكر متقد المشاعر متيقظ القلب، وغاية كل مجتمع عاش في ظل الإسلام ونعم بعدالته ورحمته وتسامحه، وتمتع إخوانه برغد العيش، وعرف في حماه مدلول الأمن على النفس والشرف والمال، وذاق في رحابه طعم الحرية في أوسع معناها وفي شتى ميادينها: حرية الرأي والفكر والكلمة، حرية العقيدة والعبادة، حرية التعلم وممارسة العمل المشروع.
والتضامن في واقع الأمر عنوان القوة ومفتاح المجد، ومقدمة حصينة لكل فلاح ولكل نجاح في الشئون العامة والخاصة، والداخلية والخارجية. وهو قانون مهم من قوانين المجتمعات المتحضرة الراقية، وعنصر جوهري من عناصر الحياة السعيدة الملائمة للفطرة الإنسانية.
والتضامن الإسلامي لازم من لوازم عقيدة التوحيد، ودعامة من دعائمها. وإذا كانت الحاجة ماسة في كل وقت لتضامن المسلمين واجتماع كلمتهم واتحاد صفوفهم فهي أبرز ما تكون في هذا الوقت المعاصر، الذي تجمعت فيه قوى الشر والعدوان ضد المسلمين، يشير إلى هذا الوضع ما صح في دلائل النبوة عن النبي، صلى الله عليه وسلم:"توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "لا، بل أنتم كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن"، قال قائل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت"1.
فالظروف الحالية المحيطة بالمسلمين تفرض عليهم حتمية التضامن الإسلامي ووحدة الصف وإزالة الخلافات الجانبية، ذلك لأن العدو متربص بهم الدوائر، وهو يتخذ من تفرق كلمتهم ومن تمزق وحدتهم منفذًا لتحقيق أغراضه الدنيئة، وأفكاره الاستعمارية الخبيثة.
لقد استطاعت الصهيونية أن تلم شعثها من عوالم مختلفة، وآفاق متباعدة وأن تتفق مع الشيوعية الملحدة ومع الاستعمار الحاقد لتتخذ موطنًا لها في قلب البلاد العربية بعد أن اقتطعت هذا الجزء الغالي من الديار الإسلامية. ومن هذا الموطن يبيتون مؤامراتهم ويضعون خططهم لتمزيق الفكر الإسلامي وللقضاء على
1 رواه أبو داود وأحمد بن حنبل: 5/ 225.
الوحدة الإسلامية، ويعملون متآزرين لإثارة الفتن والأزمات والاضطرابات السياسية والاقتصادية في البلاد الإسلامية، ولم يتوانوا لحظة واحدة عن إثارة أسباب العداء بين طبقات الشعب الواحد، حتى أصبحت الجماعة الواحدة والشعب الواحد طبقات متحاربة متباغضة، وانتقلت ساحة المعركة من ميدانها الحقيقي إلى داخل البلد الواحد، فهذا يميني وذاك يساري، وهذا تقدمي وذاك رجعي، وهذا يقتل ذاك وبعضهم يأخذ برقاب بعض باسم هذه الشعارات الجوفاء التي أثارها العدو الماكر..
والدعوة إلى التضامن الإسلامي لا تأتي تلبية للحاجة الملحة وللظروف المحيطة بالأمة الإسلامية فقط وإنما هي استجابة لأمر إلهي، وتحقيق لمطلب ديني. قال الله تعالى:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 1. وقال جل من قائل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} 2 وقال جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} 3 وقال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} 4. وقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 5.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"6. وقال: "المؤمن أخو المؤمن لا يخذله ولا يقتله ولا يسلمه بحسب امرئ من الإثم أن يحقر أخاه". وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر"7.
1 الأنفال: 63.
2 الحجرات: 10.
3 الأنعام: 159.
4 آل عمران: 103.
5 آل عمران: 105
6 رواه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد.
7 البخاري.