المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مجالات نشر العلمانية: - أضواء على الثقافة الاسلامية

[نادية شريف العمري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: في محيط الثقافة

- ‌المبحث الأول: تعريف الثقافة

- ‌في الاستعمال اللغوي

- ‌في الاستعمال الاصطلاحي:

- ‌الفرق بين الثقافة والعلم:

- ‌العلاقة بين الثقافة والحضارة:

- ‌الثقافة الإسلامية:

- ‌الفرق بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات:

- ‌المبحث الثاني: خصائص الثقافة الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌أولى هذه الخصائص أنها ربانية المصدر:

- ‌الخاصية الثانية: الثبات

- ‌الخاصية الثالثة: الشمول

- ‌خاصية التوازن:

- ‌خاصية الإيجابية:

- ‌خاصية الواقعية المثالية:

- ‌المبحث الثالث: أهمية دراسة الثقافة الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌الازدهار الحضاري للأمة الإسلامية:

- ‌تأثر الغرب بالثقافة الإسلامية:

- ‌الأدواء التي حلت بالمسلمين:

- ‌تفاعل المسلم مع ثقافته:

- ‌الأساسيات التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية:

- ‌دور الثقافة الإسلامية في العصر الحديث:

- ‌ما الذي تقدمه الثقافة الإسلامية للإنسان المعاصر:

- ‌الفصل الثاني: ركائز الثقافة الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: الإيمان والعقيدة

- ‌المبحث الثاني: التشريع ومصادره

- ‌مدخل

- ‌القرآن الكريم

- ‌مدخل

- ‌أسماء القرآن الكريم:

- ‌الآيات المكية والمدنية:

- ‌جمع القرآن الكريم:

- ‌جمع عثمان بن عفان، رضي الله عنه:

- ‌الأسلوب القرآني في الطلب والتخيير:

- ‌أساس التشريع في القرآن الكريم:

- ‌أنواع الأحكام الواردة في القرآن الكريم:

- ‌دلالة القرآن الكريم بين القطعية والظنية:

- ‌السنة الشريفة

- ‌مدخل

- ‌السنة في اللغة والاصطلاح

- ‌أقسام السنة باعتبار السند

- ‌أقسام السنة باعتبار ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌نسبة السنة المطهرة للقرآن الكريم:

- ‌مكانة السنة في التشريع:

- ‌الفصل الثالث: تحديات أمام الثقافة الإسلامية التيارات المعادية

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: النصرانية

- ‌مدخل

- ‌ الحروب الصليبية:

- ‌ التبشير:

- ‌أساليب التبشير:

- ‌تعاون التبشير واليهودية:

- ‌الاستشراق

- ‌مدخل

- ‌تاريخ الاستشراق:

- ‌خطر الاستشراق:

- ‌أمثلة من مظاهر تحامل المستشرقين:

- ‌وسائل المستشرقين لتحقيق أهدافهم:

- ‌المبحث الثاني: اليهودية

- ‌التوراة

- ‌ التلمود:

- ‌ البروتوكولات:

- ‌الجمعيات اليهودية:

- ‌موقف المسلمين من المبادئ اليهودية:

- ‌المبحث الثالث: الشيوعية

- ‌مدخل

- ‌الترابط الوثيق بين الشيوعية واليهودية:

- ‌مقومات الماركسية

- ‌مدخل

- ‌ التفسير المادي للتاريخ

- ‌إلغاء الملكية الفردية والقضاء على الأسرة

- ‌القضاء على الدين

- ‌القضاء على الأخلاقيات

- ‌الغزو الشيوعي:

- ‌المبحث الرابع: التغريب

- ‌مدخل

- ‌العلمانية

- ‌مدخل

- ‌موقف الإسلام من العلمانية:

- ‌مجالات نشر العلمانية:

- ‌العلمانية والإعلام:

- ‌القومية

- ‌مدخل

- ‌كيف دخلت القومية إلى البلاد الإسلامية:

- ‌الفصل الرابع: الجوانب العملية في الثقافة الإسلامية

- ‌توطئة

- ‌المبحث الأول: الجهاد فريضة مستمرة

- ‌مدخل

- ‌تعريف الجهاد:

- ‌وللجهاد سبل كثيرة يتحقق بكل واحد منها

- ‌تاريخ تشريع الجهاد في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌سبب تشريع الجهاد:

- ‌مراحل تشريع الجهاد:

- ‌فضل الجهاد

- ‌مدخل

- ‌أجر المجاهدين:

- ‌من هو الشهيد:

- ‌مبحث شروط المجاهدين في الإسلام

- ‌حكم الجهاد

- ‌مدخل

- ‌أدلة وجوب الجهاد:

- ‌الإعداد للجهاد

- ‌مدخل

- ‌إعداد معنوي

- ‌إعداد مادي

- ‌أخلاق المسلمين في القتال:

- ‌ومن مظاهر رأفة الإسلام في الحرب:

- ‌المعاهدات في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌الشروط التي يجب تحققها في المعاهدة

- ‌الوفاء بالمعاهدات:

- ‌المبحث الثاني: التضامن الإسلامي

- ‌مدخل

- ‌أسباب انقسام الأمة الإسلامية:

- ‌تاريخ الدعوة إلى التضامن الإسلامي:

- ‌أول مجتمع قام على أساس التضامن:

- ‌أسس التضامن الإسلامي

- ‌مدخل

- ‌ الأخوة الإيمانية:

- ‌ التكافل الاجتماعي:

- ‌ الشورى:

- ‌ العدل:

- ‌الخلافة وأثرها على وحدة الأمة الإسلامية:

- ‌واجب المسلمين لتحقيق التضامن الإسلامي:

- ‌دواعي التضامن الإسلامي:

- ‌الفهرس

الفصل: ‌مجالات نشر العلمانية:

من هذا العرض الموجز يتضح أنه لا يوجد منفذ واحد تدخل منه العلمانية إلى التربية الإسلامية، ذلك لأن البيئة التي وجدت فيها العلمانية وهي "الغرب أو الشرق الشيوعي" تختلف اختلافًا كليًّا عن البيئة العربية الإسلامية، وإن الظروف الأوروبية التي أتاحت لظهور العلمانية لم توجد ولن توجد ظروف مماثلة لها في البلاد الإسلامية، ولو كان الإسلام منتشرًا في أوروبا وحاكمًا لحياتها لما نشأت العلمانية في الفكر الأوروبي، ولما وصل تفكير بعض الأوروبيين إلى التطرف في النزعة المادية لحل بعض المشكلات الاجتماعية.

يقول أحد العلماء الغربيين: "إن الغربي لا يصير عالمًا إلا إذا ترك دينه، بخلاف المسلم فانه لا يترك دينه إلا إذا صار جاهلًا"1.

1 عن كتاب شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلامي: ص30.

ص: 238

‌مجالات نشر العلمانية:

1-

التعليم: إن من أخطر الأساليب التي اتبعها التغريب بعامة والعلمانية بخاصة "التعليم والثقافة" بهدف تمييع الشخصية الإسلامية، ووضعها في القالب الذي يريده، ذلك لأن التعليم طريق مختصر وممهد لتضليل الأفكار ولتشويه الحقائق ولبلبلة الآراء.. قد يسهل على المدرس الأوروبي "شرقيًّا كان أو غربيًّا" أن يضع الأمور حيثما يشاء، وبالمقياس الذي يخدم مصلحته ثم يوجه الأنظار إليها، ويسلط الأضواء عليها، فإذا الجيل بأكمله يرى ما يراه المدرس، وإذا بالطالب يهوى ما يهواه مدرسه، ويبغض ما يبغضه مدرسه، ويرى المستقيم مائلًا والمائل سويًّا، والصحيح خطأ والخطأ صحيحًا، لأنه إنما ينظر إلى الأشياء بمنظار مدرسه.. وهكذا تقلب المفاهيم وتنكس الحقائق وتتغير المبادئ تبعًا لمطامع ونوايا المدرس، وبهذه الطريقة تتمكن الفئة الضالة المضلة من تغيير اتجاه جيل من الأجيال، وإذا فسد الجيل فمن العسير بمكان إعادة الأمور إلى أوضاعها والمياه إلى جداولها، والقيم إلى مفاهيمها، ومن العسير أيضًا إبعاد الشبهات بعد انتشارها، وتصحيح الأفكار بعد فسادها.

يقول الدكتور عبد الستار فتح الله، في كتابه "الغزو الفكري، والتيارات المعادية للإسلام": "لقد تنبه كثير من المسيحيين إلى سذاجة فكرة التبشير

ص: 238

بمسيحيتهم.. لأن عناصر الإسلام وحقائقه الراقية. تسمو إلى غير ما حدود عما لدى المبشرين من عقائد وأخلاق وعادات تطبع المسلم بطابع الإحساس بالتفوق والاعتزاز بدينه، لذلك اتجه التفكير التبشيري إلى إيجاد "حامض" مذيب لهذه المناعة الإسلامية في نفوس المسلمين، وقد كان التعليم والثقافة الأوربية هما أخطر المواد التي استخدمت في تحقيق هذا العمل التخريبي الهدام على أوفى الوجوه"1.

وقد أدرك المبشرون أنفسهم أهمية "التعليم والثقافة" كوسيلة لبث أفكارهم فقال زويمر: "المدارس هي من أحسن الوسائل لترويج أغراض المبشرين، وقد كان عدد التلاميذ في المدرسة التبشيرية في طهران قبل سنتين فقط "40 إلى 50" فصاروا الآن "115" وكلهم يتلقون التربية النصرانية بكل إتقان. وكذلك الحال في مدرسة تبريز التي يديرها هذا القسيس، فقد كان فيها 3 تلاميذ من المسلمين ثم صاروا 50

"2.

يقول القسيس "سن كلير تيسدال" في تقرير له عن التبشير في فارس: "بذلت إرساليات التبشير جهدها في بلاد فارس ونجحت في تبديد ما يعتقدونه في النصارى من أنهم مشركون بالله ويعبدون آلهة ثلاثة. وهذا الاعتقاد وقر في نفوس المسلمين لما يشاهدونه في الكنائس الشرقية والكاثوليكية إلا أنهم عادوا الآن فصاروا يفرقون بين الفرقتين النصرانيتين وتبين لديهم أن البروتستانتية خالية من الوثنية فارتاحوا لها"3.

وقال أحد المفكرين الإسلاميين: "ما طمحت الدول الأوربية إلى الاستيلاء على بلد أو إقليم من الشرق عمومًا إلا وسبقت إليها بافتتاح المدارس بمرسليها الدينيين، ومن تخلق بأخلاقهم ليعدوا لها طريق الاستعمار، علمًا منهم بأن مأمورية هؤلاء المعلمين ليست عبارة عن بث الأخلاق، وتعاليم -دينية كانت أو فنية- وهم إذا دخلوا قرية، وظهروا بهذا المظهر لا يلاقون معارضة أو ممانعة،

1 من الكتاب نفسه: ص37 بتصرف.

2 الغارة على العالم الإسلامي: ص101.

3 الغارة على العالم الإسلامي: ص99.

ص: 239

لأن حجتهم نشر العلم والتهذيب، ورفع لواء التمدن، ومن لا يرضى بذلك فليس له من اسم الإنسانية نصيب وتقوم عليه قائمة حرب التعنيف والتنديد بلسان كل خطيب وقلم كل كاتب، فلا مناص من أن تقبل هذه الأقاليم الشرقية الوافدين إليها من المرسلين الذين لهم نصراء الهداية والمعارف والتمدن في ظاهر العين وسفراء الاستعمار والاستيلاء في الحقيقة، وهل يتصور أن قومًا جازوا البحار وتجشموا الأخطار لمحض منفعة من وفدوا إليهم خدمة للإنسانية كما يقولون؟

كلا.. ولا هي محض التكسب واستجلاب الدرهم والدينار.. إننا نعلم حق العلم أنه ما من مدرسة من هذه المدارس إلا ولها جمعية من الجمعيات الخيرية في مملكتها، تنفق عليها النفقات الطائلة ولا يكون ذلك عبثًا، ونرى بأعيننا من جهة أخرى أن كل دولة غربية ما وضعت يدها على أمة أو قبيلة -تملكًا أو حماية- إلا وجعلت مقدمة ذلك المدارس، فبان أن المقصد العظيم والباعث القوي هو سياسي وملِّيٌّ في آن واحد"1.

وقد عقد المبشرون مؤتمرًا في "أدنبرج" سنة "1910م" وحضره "1200" مبشرًا من المندوبين.. وتفرع إلى لجان ثمان، خاضت اللجنة الثالثة منها في الأعمال المدرسية التي يقوم بها المبشرون فقالت:"اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوروبيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها"2.

ويقول القائد الفرنسي الجنرال "بيير كيللر" عن وسائل التأثير الفرنسي في الشام قبل احتلالها: "التربية الوطنية كانت بكاملها تقريبًا في أيدينا، وفي بداية حرب عام "1914" كان أكثر من اثنين وخمسين ألف تلميذ يتلقون دروسهم في مدارسنا، وكان بين هؤلاء فتيات ينتمون إلى عائلات إسلامية عريقة، مما جعل الجمعية المركزية السورية التي تألفت في باريس تعلن عام 1917م أن جميع ميول السوريين وعواطفهم تتجه نحو فرنسا، بعد أن تعلموا لغتها وخبروها على مر

1 عن كتاب الغزو الفكري: ص39.

2 الغارة على العالم الإسلامي: ص115- 119.

ص: 240

الأجيال وتأكدوا من إخلاصها وتجردها".

ويقول أيضًا: "إن كلية عينطور في لبنان هي وسط ممتاز للدعاية الفرنسية" ويقول: "إن مؤسساتنا تعمل دون ملل لتغذية النفوذ الفرنسي مثل: معهد الدراسات العبرية في القدس ومعهد الدراسات الإسلامية في القاهرة، والمدرسة الإكليريكية الدومينيكانية في الموصل.."1.

ويصرح زعيم المبشرين النصارى "زويمر" بالأثر الذي خلفته المدارس الأجنبية في البلدان الإسلامية قائلًا: "لقد قبضنا -أيها الإخوان- في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، وإنكم أعددتم نشأ في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقًا لما أراده الاستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يعرف همه في دنياه إلا في الشهوات.. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء"2.

وتلك الأقوال وهذه التصريحات تبين السر في اهتمام المبشرين بإنشاء مدارس تبشيرية في المدن والقرى على السواء، وفي إرسال المدرسين والمدرسات إلى تلك المدارس، وفي الإشراف الكنيسي الكامل على مناهج التعليم والتثقيف في البلاد الإسلامية، التي امتدت إليها الأيدي الآثمة، أيدي الكفر والضلال، أيدي الفساد والبغي.. وكان للمبشرين أسلوبهم في توجيه التعليم الوجهة التي يريدونها: وأول هذه الأساليب: إنشاء مدارس مدنية، تعلم جميع العلوم الكونية والإنسانية عدا العلوم الإسلامية. وثاني هذه الأساليب إلقاء الحصار المادي والمعنوي على المدارس الأهلية أو الحكومية التي تعلم العلوم الإسلامية، وذلك بقطع المعونات المادية عنها، وبالتقليل من مكانة أستاذ الدين وبالاستخفاف بالأقوال التي يتفوه بها.. وبوسمه بالرجعية والجحود والتحجر..

1 عن كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: 2/ 264.

2 أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي: ص63.

ص: 241

وثالثها: إنشاء مدارس تبشيرية تمول من قبل حكوماتها وكنائسها، فقد أنشئ في دمشق على سبيل المثال ثلاث مدارس تحتضن أبناء المسلمين منذ العمر المبكر حتى يصلوا إلى المرحلة الجامعية، بالإضافة إلى إنشاء الجامعة الأمريكية في بيروت وفي مصر..

ورابعها: إرسال البعثات من أبناء المسلمين إلى البلاد الأجنبية لمتابعة الدراسة قبل أن ينهلوا من الثقافة الإسلامية شيئًا وقبل أن يقوى وازع الإيمان في قلوبهم وقبل أن تنمو شخصيتهم الإسلامية.. هؤلاء الشباب يرسلون خاوية عقولهم من العلوم الإسلامية، فارغة قلوبهم من الولاء للمسلمين، غير راسية أقدامهم على المبادئ الدينية.. زائغة أبصارهم، حائرة آمالهم. هؤلاء يتعلمون في جامعات أوربا كجامعة السوربون أو جامعة لندن.. ثم يعودون بعد سنوات لا تقل عن الخمس من زهرة الحياة.. يعودون وهم يحملون الوباء والأمراض السارية الخبيثة.. يدعون لفصل الدين عن الدنيا، ينادون بأن تخضع الأنظمة الحياتية لقانون روماني وفرنساوي.. وهؤلاء هم الذين يحتلون مناصب القيادة في الأمة ويمسكون زمام المجتمع.. رحماك اللهم بالأمة الإسلامية.

وخامسها: وأخطرها نشر الاختلاط بين الجنسين في جميع مراحل التعليم، وقد طبقت بحرارة وحماس وبكثرة في المرحلة الجامعية، وهي مرحلة الشباب الأول المتفتح المتوثب، وفي المرحلة الابتدائية التي تمتد إلى سن المراهقة الأولى، ولا تقل الخطورة هنا عن سابقتها، وتزداد الخطورة بوجود أساتذة رجال في مدارس البنات على اختلاف مراحلها، وبوجود مدرسات نساء في مدارس البنين على اختلاف مراحلها.. وربما تطاول الطيش الصبياني على الأستاذة الأنثى فأهدرت كرامتها، وعندئذ تفقد حرمة العلم وتضيع هيبته..

يقول الدكتور "محمد محمد حسين" في كتابه "حصوننا مهددة من داخلها": "فإذا هذا الاختلاط يصبح حقيقة واقعة بطريق ملتو خفي لم يكد يتنبه إليه أحد، بعد أن طالت المرحلة الابتدائية إلى ست سنوات يتجاور فيها الذكور والإناث، ومن المعروف أن الإناث في بلادنا يدخلن سن المراهقة في وقت مبكر لا يتجاوز السنة الحادية عشرة في كثير من الأحيان. بل لقد أصبحنا أمام بعض المدارس المختلطة في مرحلة التعليم الإعدادي، بعد أن تكشفت تجربة

ص: 242

الاختلاط في الجامعة عن مآس لا يستطيع تجاهلها إلا مكابر أو مدلس.. وأصبح هذا النظام ضربًا من ضروب الإلزام لا يستطيع والد أن يفر منه أو يتفاداه لأن عليه أن يختار بين أن يبعث بابنه وبابنته إلى هذا الوسط وبين أن يحرمهم من التعليم ويحجبهم في ظلمات الجهل. بل إنه لا يستطيع اختيار الطريق الثاني -على ظلمه وظلامه- لأن قوانين الدولة تجبره على أن يعلم أولاده حتى نهاية المرحلة الأولى على الأقل"1.

وقد كان لوجود المدارس التبشيرية في قلب البلاد الإسلامية، ولمحاولة تغريب الفكر الإسلامي أثره الخطير في إضعاف كيان المجتمع الإسلامي، وفي تشويه كثير من الحقائق الإسلامية في عقول الجيل الذي ربي في مدارس التغريب أو نهل من الجامعات الأوربية. ويمكن أن أحصر هذه الخطورة في النقاط التالية:

1-

ظهور اتجاهين فكريين مختلفين، بل قل متضادين وهذا ما يهدف إليه التغريب، لأن التمزق الفكري سيتبعه تمزق في الوجود الكياني للمجتمع الإسلامي، ومن ثم يسهل ذوبان معالم الثقافة الإسلامية وتمييع الشخصية الإسلامية.

وتبعًا للانقسام الفكري، انقسم المجتمع الإسلامي إلى قسمين: الأول ويمثله القادمون من البعثات الأوربية والمتعلمون في مدارس التغريب، وهؤلاء يدعون إلى الانفتاح الكامل على المجتمع الغربي الأوربي، كما ينادون بضرورة الاقتباس من عاداتهم وتقاليدهم وآرائهم، وإن كانت مخالفة لحقيقة الإسلام وجوهره.. ويذكر الدكتور محمد محمد حسين نموذجين لهذا الاتجاه أولهما:"سلامة موسى، في كتابه اليوم والغد""الذي احتوى على مقالات نشرت في خلال سنتي 1925-1926م وأضيف إليها مقالات عند نشر الكتاب سنة 1927م"2.

1 ص: 238.

2 الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: 2/ 221 وما بعدها الطبعة الثالثة.

ص: 243

يقول سلامة موسى: "كلما ازددت خبرة وتجربة وثقافة توضحت أمامي أغراض في الأدب كما أزاوله. فهي تتلخص في أنه يجب علينا أن نخرج من آسيا: "ديانة" وأن نلتحق بأوربا، فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني. وكلما زادت معرفتي بأوربا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها. هذا هو مذهبي الذي أعمل له طوال حياتي، سرًّا وجهرًا.. فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب". ويقول: "أريد أن تكون ثقافتنا أوربية لكي نغرس في أنفسنا حب الحرية والتفكير الجريء" كما يفصح عن إرادته بقوله "أريد من التعليم أن يكون تعليمًا أوربيًّا لا سلطان للدين عليه ولا دخول له فيه" و"يريد من الحكومة أن تكون ديموقراطية برلمانية كما هي في أوربا، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد أو المأمون، أوتوقراطية دينية"1.

ويقول: "إن هذا الاعتقاد بأننا شرقيون قد بات عندنا كالمرض ولهذا المرض مضاعفات، فنحن لا نكره الغربيين فقط ونتأفف من طغيان حضارتهم فقط، بل يقوم بذهننا أنه يجب أن نكون على ولاء للثقافة العربية، فندرس كتب العرب ونحفظ عباراتهم عن ظهر قلب كما يفعل أدباؤنا المساكين أمثال المازني والرافعي، وندرس ابن الرومي ونبحث عن أصل المتنبي، ونبحث في علي ومعاوية ونفاضل بينهما، ونتعصب للجاحظ. وليس علينا للعرب أي ولاء، وإدمان الدرس لثقافتهم مضيعة للشباب وبعثرة لقواهم، فيجب أن نعودهم الكتابة بالأسلوب المصري الحديث، لا بأسلوب العرب القديم.. ثم يجب أن نذكر أن إدمان الدرس للعرب يشتت الأدب المصري ويجعله شائعًا لا لون له"2.

ويقول: "لنا من العرب ألفاظهم، ولا أقول لغتهم، بل لا أقول كل ألفاظهم، فإننا ورثنا عنهم هذه اللغة العربية وهي لغة بدوية لا تكاد تكفل الأداء إذا تعرضت لحالة مدنية راقية كتلك التي نعيش بين ظهرانيها الآن".

ويقول أيضًا: "ونحن في حاجة إلى ثقافة حرة أبعد ما تكون عن الأديان،

1 كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: 2/ 223.

2 المصدر السابق.

ص: 244

ولا بأس من أن نعتمد على الترجمة إلى حد بعيد حتى يتمصر العلم وتتمصر ألفاظه وعندئذ نسير فيه بالتأليف...." "ولكن تعليم العربية، في مصر لا يزال في أيدي الشيوخ الذين ينقعون أدمغتهم نقعًا في الثقافة العربية، أي ثقافة القرون المظلمة، فلا رجاء لنا بإصلاح التعليم حتى نمنع هؤلاء الشيوخ منه، ونسلمه للأفندية الذين ساروا شوطًا بعيدًا في الثقافة الحديثة"1.

والنموذج الثاني لدعوة التغريب يمثله د. طه حسين، في معظم كتاباته، ولكنه أشد ما يكون بروزًا ووضوحًا وحماسة في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" الذي ظهر عام 1938م.

يقول الدكتور محمد محمد حسين: "وهذا الكتاب أشد خطرًا من الكتاب السابق -يعني كتاب: اليوم والغد لسلامة موسى- وأبلغ أثرًا. وترجع خطورته إلى أن صاحبه قد شغل مناصب كبيرة في الدولة، مكنته من تنفيذ برامجه أو إرساء أسس تنفيذها على الأقل. فقد كان عميدًا لكلية الآداب بالقاهرة، وكان مديرًا عامًّا للثقافة بوزارة التربية والتعليم -المعارف وقتذاك- وكان مستشارًا فنيًّا بها. وكان مديرًا لجامعة الإسكندرية. وكا آخر الأمر وزيرًا للتربية والتعليم، ثم إن شهرته وكثرة المعجبين به وتأثر الكثرة الكبيرة من تلاميذه بآرائه ومناهجه وافتتانهم بها قد زاد في خطورة أثره"2.

يقول طه حسين: "إن سبيل النهضة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب" ويقول: "هذه الحضارة الإسلامية الرائعة لم يأت بها المسلمون من بلاد العرب، وإنما أتوا ببعضها من هذه البلاد، وببعضها الآخر من مجوس الفرس، وببعضها الآخر من نصارى الروم.. وقد احتمل المسلمون راضين أو كارهين زندقة الزنادقة ومجون الماجنين ذلك في الحدود المعقولة، ولكنهم لم يرفضوا الحضارة الأجنبية التي أنتجت تلك الزندقة وهذا

1 عن كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: ص223-227.

2 الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: ص228.

ص: 245

المجون"1.

ويقول: "لا بد من تطور طويل دقيق قبل أن يصل الأزهر إلى الملاءمة بين تفكيره وبين التفكير الحديث، والنتيجة الطبيعية لهذا أننا إذا تركنا الصبية والأحداث للتعليم الأزهري الخالص، ولم نشملهم بعناية الدولة ورعايتها وملاحظتها الدقيقة المتصلة، عرضناهم لأن يصاغوا صيغة قديمة، ويكونوا تكوينًا قديمًا، وباعدنا بينهم وبين الحياة الحديثة التي لا بد لهم من الاتصال بها والاشتراك فيها، وعرضناهم لطائفة غير قليلة من المصاعب التي تقوم في سبيلهم حين يرشدون، وحين ينهضون بأعباء الحياة العملية، فالمصلحة الوطنية العامة من جهة ومصلحة التلاميذ والطلاب الأزهريين من جهة أخرى، تقتضيان إشراف وزارة المعارف على التعليم الأولي والثانوي في الأزهر"2.

وهكذا نلمس في فكر هذين الرجلين التأثير القوي الذي أحدثته حركة التغريب؛ فهما في كل قول من قوليهما يهدمان ركنًا من أركان الإسلام، وفي كل تعبير من تعبيراتهما يهاجمان شعيرة من شعائر الدين، وهما يكرهان الشرق لأنه متمسك بدينه، ويحبان الغرب لأنه نبذ الدين..ويدعوان بصراحة دعوة مباشرة وغير مباشرة علنية وسرية، مكشوفة أو مكتومة للتخلي عن الدين وعن كل ما يربطنا به من رباط، وأن نتخلى عن مقومات الحضارة الإسلامية وعن كل ما يشدنا إلى الأخوة الإيمانية والرابطة الدينية.. ويتمنيان من كل قلبيهما: أن يلبس الشرق المسلم لباس الغرب الملحد، وأن يأكل من أكله وأن ينهج نهجه وأن يتبع سبيله.. إنها لعمري دعوة فاسدة مريعة ضالة مضلة إنه التغريب الذي غير فيهما النظرة الإسلامية تغييرًا كاملًا.

القسم الثاني: ويمثله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تربوا التربية الدينية، وأخذوا بالعلوم الإسلامية، فوفوا لها ودافعوا عن التراث الإسلامي، وأبرزهم رشيد رضا والعقاد، ومصطفى صادق الرافعي.

يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه "المعركة بين القديم والجديد تحت

1 مستقبل الثقافة "الفقرة 9 ص46-50" نقلًا عن كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر.

2 مستقبل الثقافة "الفقرة 13 ص75-77" عن كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ص237.

ص: 246

راية القرآن" عن الذين يدعون للتغريب "فئة من شبابنا قد أخذوا بغير أخلاق هذا الدين، ونشئوا في غير قومه وعلى غير مبادئه، فرأوا فيه بظنونهم وقالوا برأيهم ورضوا له ما لا يرضاه أهله، فهؤلاء مهما كثروا لا يستطيعون أن يحدثوا حدثًَا، بل يفنون والجماعة باقية، وينقصون والأمة نامية، ويذهبون إلى رحمة الله، ومن رحمة الله أنهم لا يعودون ثانية"1.

أجل ما زال للدعوة الحميدية ألسنة ناطقة، وأقلام كاتبة، وأفواه معبرة، وأيدي عاملة وآذان واعية، وأدمغة مفكرة وأفئدة مخلصة، ما زال للحق رجال ينافحون عنه ويحمون حماه ويذودون عن حياضه، ويبذلون النفس والنفيس والغالي والعزيز في سبيل أن ينصر الحق وأن ترتفع رايته وأن يعلو شأنه وأن يزدان قدره وأن تقوى شوكته.. وإنه من تمام النعم على الأمة عدم خلو الأرض من قائم لله بحجته، ووجود هؤلاء الرجال المخلصين المدافعين الثابتين الصابرين علامة من علامات عظمة الإسلام، وبرهان من براهين قوة الدعوة الخالدة، ودليل من أدلة استمرار الديانة الغراء الخالدة التي تكفل الله تبارك وتعالى من علياء سمائه بحفظها وبقائها ما بقيت في الأرض حياة..

2-

الخطورة الثانية التي خلفتها مدارس التغريب:

ابتعد الذين دعوا إلى العلمانية عن روح الإسلام، وعن فهم مبادئه، فداخَل إيمانهم الضعف، وبذرت في قلوبهم بذور التشكيك وعدم اليقين وعلت أبصارهم غشاوة الافتتان بالغرب فلم يميزوا بين الغث والسمين وبين الباطل والحق وبين الخبيث والطيب.. فحسبوا أن النهضة الفكرية والعلمية والأدبية والاجتماعية تكمن في تقليد الغرب، وفي اتباع سننهم حذو القذة بالقذة، ولم يقارنوا بين بيئتهم الجاهلة وبيئتنا النيرة وبين ظروفهم الداكنة وظروفنا الواضحة، وبين دينهم المحرف وديننا المحفوظ..

وقد عموا عن إدراك أسباب عزنا الأول ومجدنا العظيم وحضارتنا التليدة، حينما كانت أوربا غارقة في ظلمات الجهل، وحينما كانت الكنيسة تصدر أحكامها بالإعدام على من يبحث في علم من العلوم بحثًا منطقيًّا سديدًا، ومن

1 عن كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ج2 ص244.

ص: 247

يدري لعلهم نسوا التاريخ الإسلامي الزاهر وأيامه الباسمة، أو إنهم درسوا هذا التاريخ دراسة مشوهة مكتوبة كتابة أوروبية مغرضة أو صهيونية ماكرة أو إلحادية طاغية، ومهما يكن فحري بهم أن يفكروا تفكيرًا سويًّا، وأن يمحصوا الأمور ويفندوها ويردوا النتائج إلى أسبابها.. وألا ينسلخوا من أمتهم، ومن دينهم، ومن شخصيتهم.

3-

وثالث هذه الأخطار التي خلفتها مدارس التغريب يكمن في أن الذين تأثروا بأفكار الأوروبيين، ورضعوا لبانهم، وشربوا من مشاربهم، ونظروا بمنظارهم.. وبهروا بمدنيتهم، ووسائل معيشتهم قد اتخذوا في البلاد الإسلامية مراكز اجتماعية رفيعة ومناصب حكومية عالية، فغدوا قادة للفكر وروادًا للتجديد، ودعاة للنهضة الحديثة المنشودة، وعندئذ تمكنوا من نشر أفكارهم وبسط آرائهم، وامتدت أيديهم للتلاعب في مناهج التعليم، ولوضع مخططات ثقافية جديدة تتناسب مع الوقت المعاصر والزمن المتطور والأحداث المتغيرة.. وبغمضة عين، وبخطة قلم أبعدوا العلوم الدينية عن المناهج التعليمية في كافة المراحل الدراسية واكتفوا بوضع مادة سموها "التربية الدينية" ثم تمادوا أكثر فأكثر فاقترحوا أن تسمى مادة "الأخلاق الدينية" ويدرس تحت هذا العنوان الأخلاق الإسلامية والمسيحية والموسوية..؟ أو ليست كلها ديانات سماوية..؟ أو ليست كلها تدعو إلى التخلق بالفضيلة..؟ ومن ثم تعالت صيحات تطالب بدمج التعليم الديني المسيحي "الكنيسي" مع التعليم الديني الإسلامي بكتاب واحد.. وإذا كان الطلاب المسلمون يتعلمون دينهم فلم لا يتعلم الطلاب المسيحيون دينهم أيضًا، وكلهم في مدارس حكومية سواء.. هذا ما فهمه دعاة الباطل من التجديد ومن ملاءمة مقتضى العصر ومن مسايرة الأحداث والوقائع..

وهم قبل هذا الإجراء جعلوا التعليم قاصرًا على العلوم المدنية والوطنية، مع دراسة لبعض الوقائع التاريخية المكتوبة بأقلام مسمومة ماكرة خبيثة.. والتي صورت الخلافة العثمانية صورة مشوهة ووضعتها في قالب استعماري مبدأ وسلوكًا وسيرة وتعاملًا وأخلاقًا.

وصورت احتلال الدول الأوروبية السياسي والعسكري للبلاد الإسلامية، بصورة المحب المشفق، فلم يكن استعمارًا ولا احتلالًَا وإنما كان حماية

ص: 248

ووصاية، وخدمة للإنسانية، ففي هذا العهد انتشرت المدارس والجاليات التعليمية والإرساليات الطبية، حرصًا على قتل الأوبئة في مهدها، والتخلص من الأمراض المستعصية، وليأخذ المسلم نصيبًا من الوعي الصحي والوعي التعليمي.. هذه رسالة الاستعمار.. إنها رسالة شريفة تعمل لغاية نبيلة.. هذه الصور المقلوبة رأسًا على عقب وهذه الحقائق المنكوسة هي التي درست في عهد الاحتلال الأوربي للبلاد الإسلامية وما زالت تدرس إلى الآن وبعد زوال الاستعمار العسكري استبقاء للاستعمار الفكري ومهادنة لسياسة الغرب والشرق، وتعايشًا سلميًّا لعدو لدود متربص لا يغفل عن المكر والخداع والخيانة والنيل من الحرمات الإسلامية والمقدسات الدينية..

وبعد.. فهل أدرك القائمون على التعليم خطورة إبعاد التعليم الديني عن التدريس في المدارس المتوسطة والثانوية.. وخطورة الاستهانة بمدرس العلوم الدينية والتقليل من مكانته والإنقاص من قدره، والسعي لإغلاق فمه وإخراس لسانه، وصم أذنيه، وإسبال جفونه.

وهل أدركوا أهمية الاتجاه إلى تدريس الثقافة الإسلامية، وإنارة الفكر الإسلامي في المرحلة الجامعية على اختلاف فروعها وكلياتها وأقسامها.

نريد -نحن المسلمين- أن نعلم أبناءنا وبناتنا التعليم الصحيح السليم، تعليمًا فكريًّا وروحيًّا وجسميًّا، تعليمًا خاليًا من الغرضية ومن المطامع القريبة ومن الأهواء الشخصية.. التعليم المتكامل الذي يجعل من أولادنا جيلًا متفتحًا واعيًا يقظًا حذرًا فطنًا كيسًا فاهمًا لمبادئه معتزًّا بدينه متذوقًَا للغته مرتبطًا بتراثه الإسلامي وأمته الإسلامية، متصلًا بإخوانه في كافة أقطار العالم وفي مختلف الأوطان والبيئات، من غير اعتبار للحدود المصطنعة أو الألوان المتباينة، أو اللهجات المتعددة.. نريد أن نجعل العلوم الدينية أساسًا للتعليم في كافة المراحل، بل وأساسًا للحياة، لأنه لا انفصام في الإسلام ولا ازدواجية ولا ثنائية.. فالإسلام أصل ونبع، ولا نريد أن ننقص العلوم الدنيوية حقها..

نريد أن نكتب تاريخنا بأيدينا ونبعد الوجود الاستشراقي والتبشيري والإسرائيلي والإلحادي عن تاريخنا وعن حاضرنا ومستقبلنا..

نريد أن نشيد مكتبتنا بأيدينا وأن نزيدها ثراء بأقلامنا وأفكارنا الأصيلة.

ص: 249