الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويمكن أن أذكر أبرز الأسباب التي دعت الفلاسفة إلى القول بفصل الدين عن الدولة:
1-
إن دافع "العلمانية" في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان التنازع على السلطة بين الدولة والكنيسة.
2-
إن الدافع على "العلمانية" في القرن التاسع عشر هو الاستئثار بالسلطة، لذلك كانت العلمانية تهدف إلى إلغاء الثنائية بهدم الكنيسة والدين كتمهيد لا بد منه للوصول إلى "السلطة المنفردة".
3-
إن الموطن الذي ولد فيه الفكر العلماني في مرحلتيه هو انجلترا، وفرنسا، وألمانيا، ومع هذا فلم تأخذ هذه البلدان الاتجاه العلماني في التطبيق على الحياة الواقعية، فالتاج البريطاني ما زال حاميًا للبروتستنت، وفرنسا لم تزل حامية للكثلكة في صورة عملية، والدولة في هذه البلاد ما زالت تساعد المدارس الدينية المساعدات المالية1.
1 الإسلام في حل مشاكل المجتمعات الإسلامية المعاصرة: ص12-33.
موقف الإسلام من العلمانية:
الإسلام دين التوحيد الخالص الذي يقوم على إنكار الشرك ومقاومته بشتى صوره، وهو دين يرفض الثنائية من حيث الأصل، ويرفض أن يخضع الإنسان لغير الله، ويرفض أن يستعلي بعض الناس على بعضهم الآخر1 وهو دين المساواة، فالناس جميعًا متساوون أمام الله تبارك وتعالى وأمام الشريعة الإلهية، وما على الحاكم المسلم إلا أن يطبق حكم الله على النحو الذي ارتضاه تعالى.. وعلى الحاكم والمحكوم أن يرجعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ليحكماها في كافة القضايا، الحديثة منها والقديمة.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ
1 الإسلام في حل مشاكل المجتمعات المعاصرة: ص33 وما بعدها.
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 1.
فالقرآن الكريم وهو كتاب الله المنزل على رسوله الأمين، وهو الكتاب الصادق المحفوظ عن كل تغيير أو تبديل بحفظ الله تعالى يوجب على الناس جميعًا حاكمهم ومحكومهم تحكيم شريعة الله تعالى، وأنه ليس للحاكم أي صفة مقدسة تخرجه عن كونه إنسانًا، أو كونه معصومًا عن الخطأ في اجتهاداته وفي تصرفاته الخاصة التي تعتمد على رأيه الخاص وتفكيره في مسألة من المسائل. وتروي كتب السير والتاريخ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وهو الذي نزل الوحي مؤيدًا آراءه في بضعة أحكام، حينما أراد أن يحدد المُهور ويمنع التغالي بها. ارتفع صوت امرأة وهي تقول: كيف تريد أن تفعل ذلك وقد قال الله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} 2، فقال عمر، رضي الله عنه: أصابت امرأة وأخطأ عمر3.
وإذا كانت دعوة التوحيد في الألوهية في الإسلام، تستهدف المساواة بين الناس في اعتبار الإنسانية، وفي البقاء في المستوى الإنساني، وفي المشاركة في خصائص الإنسانية من الخطأ والصواب. فإنه ليس هناك في نظر الإسلام مكان في المجتمع المسلم لنزاع حول السلطة، لأنه ليس لمجموعة من الناس أن تتميز على غيرها بأن لها حقًّا مقدسًا، أو أن لها حق التسلط على غيرها، أو أن لها حقًّا في وضع أحكام شرعية تلزم بها سائر الناس.. كلا إن الحكم إلا لله، وهذا هو معنى التوحيد الذي جاء به الإسلام.
أجل لقد قرر الإسلام الوحدة في ثلاثة أصول عامة:
1-
قرر وحدة النفس البشرية، فلا انفصال بين الدين والحياة. أو الدنيا والآخرة أو الروح والجسم، أو الواقع والمثال.
1 النساء: 58، 59.
2 النساء: 20.
3 استعنا بهذه القصة لشيوعها في كتب التاريخ وإن كانت لم ترد في كتب الحديث، ولا في المصادر التاريخية الأولى.
2-
وقرر وحدة الجنس البشري، فلا فرق بين أبيض وأسود أو عربي وعجمي إلا بالتقوى.
3-
وقرر الإسلام وحدة الدين "منذ نوح إلى محمد عليه وعلى الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام" توحيد الله وثبات الأخلاق، والمسئولية الفردية والبعث والجزاء1.
ولم يوجد في ظل الحكم الإسلامي في يوم من الأيام نزاع بين الدين والعلم، ذلك لأن الإسلام دين علم ووعي وتقدم وحركة وديناميكية ونهضة وحضارة.. ومنذ اللحظة الأولى التي انبثق فيها فجر الإسلام جاء النداء للرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر بالتعلم والقراءة والكتابة:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .
روى الإمام البخاري رضي الله عنه بسنده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حديث بدء الوحي، وهو حديث طويل وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كان في غار حراء يتعبد، جاءه الملك فقال: اقرأ قال، صلى الله عليه وسلم:"ما أنا بقارئ". قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني"، فقال: اقرأ، "قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني" فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} 2.
فهل يوجد بيان أبرع أو دليل أقطع على فضل العلم والإعلاء من قيمته ومن إجلال العلماء من أن يبتدئ نزول الوحي بهذه الآيات الباهرات؟
وبعد أن نزلت هذه الآيات الكريمة نزل قوله تعالى: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} 3، وفي هذه المرة من نزول الوحي صدرت الآيات بحرف من حروف
1 شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلامي: ص23.
2 سورة العلق الآيات: 1-5.
3 سورة القلم: 1.
الهجاء.. وأقسم الله تبارك وتعالى بالقلم والكتابة وهما وسيلتان مهمتان من وسائل العلم والمعرفة..
وفي القرآن الكريم حشد كبير من الآيات في بيان فضل العلم وفي الحث على طلبه، والحث على البحث العلمي المنطقي الدقيق المرتب على مقدمات مسلمة، وعلى براهين واضحة وعلى حجج قوية.. للوصول إلى السنن الكونية والقوانين التي تنتظم الظواهر الطبيعية بل ذهبت الآيات القرآنية إلى أبعد من ذلك فجعلت البحث العلمي والتفكر في بديع خلق السموات والأرض وفي معرفة النفس الإنسانية ومقوماتها الطبيعية وعواملها المؤثرة، وفي معرفة التركيب الفيزيولوجي للأحياء كلها، من نبات وحيوان وإنسان.. أساسًا للإيمان بوحدانية الله، وللإيمان بانفراد الله بالخلق والقدرة على الإيجاد والإحياء والإماتة..
ويقول سبحانه: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} 3.
وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} 4.
فالآية القرآنية تشير إلى ظاهرة طبيعية، وهي أنه إذا ما التقى نهران في ممر مائي فإن أحدهما لا يذوب في الآخر.. هذه الظاهرة معروفة لدى الإنسان قديمًا
1 الرحمن: 1-7.
2 الغاشية: 17-21.
3 الذاريات: 20-21.
4 الفرقان: 53.
ولكن قانونها لم يكتشف إلا مند بضع عشرات من السنين.. وقد أكدت المشاهدات والتجارب أن هناك قانونًا ضابطًا للأشياء السائلة يسمى "قانون المط السطحي""Surface Tension" وهو يفصل بين السائلين، لأن تجاذب الجزئيات يختلف من سائل لآخر، ولذا يحتفظ كل سائل باستقلاله في مجاله. وقد استفاد العلم الحديث كثيرًا من هذا القانون.
ولعل قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} 1، يشير إلى هذه السنة الثابتة.
قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} 2، إن الإنسان منذ القديم كان يرى عالمًا كبيرًا قائمًا بذاته في الفضاء مكونًا من الشمس والقمر والنجوم، ولم ير له أية ساريات. أو أعمدة. الإنسان في العصر الحديث يجد في هذه الآية العظيمة تفسيرًا لمشاهداته التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون أعمدة في الفضاء، وقد توصل إلى معرفة قانون "الجاذبية" فأدرك بواسطته عظمة تلك الآية القرآنية، وأدرك أيضًا أن الأجرام إنما تبقى في أماكنها المحددة بسر إلهي يتجلى في قانون الجاذبية.
وفي القرآن الكريم آيات أكثر من أن تحصى تحث على العلم وتشيد به، وتجعل معرفة السنن الكونية والقوانين الطبيعية أدلة شاهدة وثابتة على قدرة الله في الخلق وفي الإيجاد سبحانه وتعالى.
قال تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 3، فبمقدار تعمق الإنسان في الجانب العلمي في صدق وإخلاص تكون خشية الله تعالى، ذلك لأن المتعمق يرى من سنن الكون ومن الإتقان في الصنع، ومن الحكمة في التدبير ما يجعله ساجدًا لمبدعه وخالقه.. وإن الذين يتصلون بعلم التشريح مثلًا من قريب أو يتخصصون فيه يرون من الإحكام المحكم ومن الدقة الدقيقة في مختلف الأجهزة الجسمية وفي أعضاء هذه الأجهزة ما يضطرهم ويلزمهم إلزامًا
1 الرحمن: 20-21.
2 الرعد: 2.
3 فاطر: 28.
إلى السجود لله الواحد الذي أبدع هذا التنسيق وأوجد هذا الترتيب.
وليس علم التشريح وحده هو الذي يبهر العالم المتبحر فيه، وإنما يبهر علم الفلك العالم الفلكي، ويبهر علم الأحياء عالم الأحياء.. وهكذا نجد انبهار النفس في كل ميدان من ميادين المعرفة الكونية في أرضها وفي سمائها وما بين السماء والأرض..
يقول سبحانه عن الليل والنهار: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} 1، فالآية الكريمة تشرح للإنسان سر مجيء الليل والنهار. وفيها إشارة رائعة إلى دوران الأرض محوريًّا، وهو الدوران الذي يعتبر سبب مجيء الليل والنهار طبقًا للمعلومات الحديثة.
وقد أدلى رجل الفضاء الروسي "جاجارين" بعد دورانه في الفضاء حول الأرض أنه شاهد تعاقبًا سريعًا للظلام والنور على سطح الأرض بسبب دورانها المحوري حول الشمس"2.
وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} 3، وإذ يقول:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 4، وخشية الله في حقيقة الأمر ما هي إلا ثمرة للعلم وأساس من أهم أسس الإسلام.. ومن هنا نبعت ضرورة التعلم، فالتعلم واجب ديني يفرضه علينا الإسلام كما يفرض علينا التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وزكاة وحج..
ولهذا كان من أبرز مقومات شخصية المسلم العلم، العلم بالكون والعلم بالإنسان والعلم بالنفس، وبكل ما تتسع له كلمة العلم من معنى.. يقول سبحانه:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 5، فالعلم طريق يتسع لجميع المؤمنين، وهو الطريق
1 الأعراف: 54.
2 الإسلام يتحدى: ص125 وما بعدها.
3 الذاريات: 20، 21.
4 سورة فاطر: 28.
5 آل عمران: 18.
الوحيد إلى الإيمان بوحدانية الله تبارك وتعالى.
وبعد، فهل لعاقل أن يقول: إن الاسلام يحجر على العقل البشري، ويضعه في قوقعة زجاجية لا يخرج منها ولا يحيد عنها..؟
كلا! وإنما جعل له ميدانًا فسيح الأرجاء رحب البنيان.. جعل ميدانه، الأرض بما فيها من سهول وصحاري، وجبال ووديان ومزروعات ونباتات وأنهار وبحار، وحيوانات.. وإنسان.. والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وكواكب وما بين السماء والأرض.. كل هذا ميدان للعقل البشري.. أفلا يتسع هذا الميدان الرحب للعلم؟ ويبني إنسان هذا الجيل معلوماته على ما وصل إليه الأقدمون، ويترك للجيل بعده آفاقًا وآفاقًا.. وما زال الإنسان يدور في ذلك العلم منذ أن وجد على سطح الأرض.. ومع هذا فلم يصل إلى كل المعرفة، وإلى كل العلوم، وما زال هناك مجاهيل.. ربما تكتشفها الأجيال القادمة وصدق الله العظيم إذ يقول:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلًا} 1.
فليس في الإسلام مجال للجذب والشد، وللمد والجزر بين رجال الدين ورجال العلم.. لأن رجال الإسلام هم العلماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وكما أن العلم يتحقق بمعرفة الحلال والحرام والفرض والمسنون والمكروه، يتحقق كذلك بأن يأخذ الإنسان نصيبًا من العلوم الكونية والعلوم الإنسانية والعلوم النفسية.. وليس الإسلام هنا قصرًا على رجال معينين يسمون أنفسهم "برجال الدين" كما للكنيسة "كهنوت ورهبان" كلا.. الرجل في الإسلام أي رجل عليه أن يتعلم من أمور الدين بما يستقيم به شأن دينه، وعليه أن يتعلم من الأمور الدنيوية ما يزداد به إيمانًا وتقوى، وبما يخدم مجتمعه وأمته وحضارته.
وهكذا عمد الإسلام إلى بناء النفس الإنسانية على الإيمان بالله تعالى، وقرر أن الإيمان بالله سبحانه قوة دافعة تعطي الأمل، وتحول دون اليأس وتبعث الثقة المتجددة في النفس، وتحرص على الصبر والثبات على البحث العلمي النافع.. كما قرر أن الإيمان ليس مضادًا للعلم والمعرفة، وليست المعرفة بديلًا للإيمان.. فالإسلام يجمع بين مفهوم المعرفة القائم على الحس والتجربة،
1 سورة الإسراء: 85.
ومفهوم المعرفة القائم على الوحي، وقد جعل الإسلام الإيمان بالغيب شرطًَا أساسيًّا من شروط المعرفة.. وقد دعا في أكثر من آية إلى التفكر والتدبر والتأمل في خلق السماء والأرض وما فيهما وما بينهما.. قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} 1.
وليس فهم الحياة بوصفها معبرًا وطريقًا إلى الآخرة بمنقص من هدف تحسينها وبنائها وعمارتها، ولكنه عامل مهم في جعلها أكثر أصالة وعمقًا، لأنه يقوم أساسًا على مفهوم المسئولية الفردية والجزاء والعمل في اتجاه منهج الله عز وجل.
وقد دعا الإسلام إلى العمل والاهتمام به، وإلى الرضى بقضاء الله في النتائج.. كما أن الإسلام لم يحارب الرغبات الإنسانية الداخلية، ولكنه وجهها التوجيه السليم الذي يتلاءم مع الفطرة الطبيعية ومع الخلقة الإنسانية. قال تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 2.
ويمكن أن ألخص الموقف الإسلامي3 من الحركة العلمانية ضمن المفاهيم التالية:
1-
إن التدين جزء من الطبيعة البشرية، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش من غير دين، ولقد عجزت المذاهب جميعها والأيديولوجيات على اختلافها أن تقدم له بديلًا عن الدين يشفي روحه، ويملأ حياته. ولقد حرر الإسلام الإنسان من عبودية المجتمع ومن عبودية الأفراد ليتجه إلى الله وحده.
2-
حرر الإسلام الفكر من الظنون والفروض والأساطير والخرافات والأوهام والأهواء، ودعا إلى التمسك بالمنابع الإسلامية الأصيلة، وفي مقدمتها "القرآن الكريم" و"سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم" ومن هنا كان التحرك الفكري للمسلمين إنما يجري في إطارهما، فإذا خرج عنهما وقع الحرج والضيق
1 سورة سبأ: 46.
2 آل عمران: 14.
3 عن كتاب شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلامي: ص317-325.
والتمزق والشتات الذي لا يزول إلا بالرجوع إليهما.
3-
إن حاضر الفكر الإسلامي والأدب العربي، والثقافة العربية لا تنفصل عن ماضيها الممتد المتصل المتفاعل خلال مراحل التاريخ المختلفة دون توقف، وإن الفكر الإسلامي الحديث هو ثمرة للفكر الإسلامي الذي بناه القرآن الكريم.
4-
إن الحرية في الإسلام تعني تحرير العقل البشري من قيد الوثنية مهما اختلفت أسماؤها ومن الجهل مهما تباينت تواريخها، ومن الخرافة والتقليد مهما لبست من مسوح، كما تعني تحرير الإنسان من قيد العبودية وسلطان الاستبداد والطغيان.
5-
إن الأخلاق في الإسلام ثابتة لا تختلف باختلاف المجتمعات ولا تتطور بتطور الأزمان ولا تتبدل بتبدل الأجيال.. وإنها مرتبطة بالإنسان، وإن الحق واحد لا يتعدد.
6-
إن الإسلام وحدة كاملة لا تقبل الانفصام ولا التجزئة ولا التفتيت وكل فرع فيه يقوم على أصول ثابتة، فالأخلاق لا تنفصل عن العبادة ولا تنفصل عن السياسة، كما إن العبادة لا تنفصل عن المعاملة..
7-
لقد ربط الإسلام في حياة الفرد بين عقيدته التي يؤمن بها ويدين لها وبين العمل والنشاط الذي يصدر عنه، وقرن بين العلم والعمل، فلا يطلب العلم ليبقى في حيز النظريات، وإنما يطلب ليطبق ويستفاد منه في تحسين وسائل الحياة الإنسانية.
8-
لا يرى الإسلام أن ثمة تعارضًا قائمًا بين مفهوم الإيمان ومفهوم المعرفة، ولا تقتصر المعرفة في الإسلام على الوسائل الحسية والبراهين التجريبية وإنما يضاف إليها التسليم بعلم الوحي، الذي أفاد الإنسان فائدة كبرى، وكفاه مؤنة البحث فيما وراء الطبيعة، والبحث عن اليوم الآخر، وقدم له وصفًا كاملًَا للحياة بعد الموت، هذا الوصف الذي يرضي الأشواق النفسية للإنسان، ويدخل في قلبه الطمأنينة والسكينة.