المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌القومية ‌ ‌مدخل … القومية: اتخذت القومية في القرن التاسع عشر مفهومًا خاصًّا يدل على - أضواء على الثقافة الاسلامية

[نادية شريف العمري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: في محيط الثقافة

- ‌المبحث الأول: تعريف الثقافة

- ‌في الاستعمال اللغوي

- ‌في الاستعمال الاصطلاحي:

- ‌الفرق بين الثقافة والعلم:

- ‌العلاقة بين الثقافة والحضارة:

- ‌الثقافة الإسلامية:

- ‌الفرق بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات:

- ‌المبحث الثاني: خصائص الثقافة الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌أولى هذه الخصائص أنها ربانية المصدر:

- ‌الخاصية الثانية: الثبات

- ‌الخاصية الثالثة: الشمول

- ‌خاصية التوازن:

- ‌خاصية الإيجابية:

- ‌خاصية الواقعية المثالية:

- ‌المبحث الثالث: أهمية دراسة الثقافة الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌الازدهار الحضاري للأمة الإسلامية:

- ‌تأثر الغرب بالثقافة الإسلامية:

- ‌الأدواء التي حلت بالمسلمين:

- ‌تفاعل المسلم مع ثقافته:

- ‌الأساسيات التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية:

- ‌دور الثقافة الإسلامية في العصر الحديث:

- ‌ما الذي تقدمه الثقافة الإسلامية للإنسان المعاصر:

- ‌الفصل الثاني: ركائز الثقافة الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: الإيمان والعقيدة

- ‌المبحث الثاني: التشريع ومصادره

- ‌مدخل

- ‌القرآن الكريم

- ‌مدخل

- ‌أسماء القرآن الكريم:

- ‌الآيات المكية والمدنية:

- ‌جمع القرآن الكريم:

- ‌جمع عثمان بن عفان، رضي الله عنه:

- ‌الأسلوب القرآني في الطلب والتخيير:

- ‌أساس التشريع في القرآن الكريم:

- ‌أنواع الأحكام الواردة في القرآن الكريم:

- ‌دلالة القرآن الكريم بين القطعية والظنية:

- ‌السنة الشريفة

- ‌مدخل

- ‌السنة في اللغة والاصطلاح

- ‌أقسام السنة باعتبار السند

- ‌أقسام السنة باعتبار ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌نسبة السنة المطهرة للقرآن الكريم:

- ‌مكانة السنة في التشريع:

- ‌الفصل الثالث: تحديات أمام الثقافة الإسلامية التيارات المعادية

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأول: النصرانية

- ‌مدخل

- ‌ الحروب الصليبية:

- ‌ التبشير:

- ‌أساليب التبشير:

- ‌تعاون التبشير واليهودية:

- ‌الاستشراق

- ‌مدخل

- ‌تاريخ الاستشراق:

- ‌خطر الاستشراق:

- ‌أمثلة من مظاهر تحامل المستشرقين:

- ‌وسائل المستشرقين لتحقيق أهدافهم:

- ‌المبحث الثاني: اليهودية

- ‌التوراة

- ‌ التلمود:

- ‌ البروتوكولات:

- ‌الجمعيات اليهودية:

- ‌موقف المسلمين من المبادئ اليهودية:

- ‌المبحث الثالث: الشيوعية

- ‌مدخل

- ‌الترابط الوثيق بين الشيوعية واليهودية:

- ‌مقومات الماركسية

- ‌مدخل

- ‌ التفسير المادي للتاريخ

- ‌إلغاء الملكية الفردية والقضاء على الأسرة

- ‌القضاء على الدين

- ‌القضاء على الأخلاقيات

- ‌الغزو الشيوعي:

- ‌المبحث الرابع: التغريب

- ‌مدخل

- ‌العلمانية

- ‌مدخل

- ‌موقف الإسلام من العلمانية:

- ‌مجالات نشر العلمانية:

- ‌العلمانية والإعلام:

- ‌القومية

- ‌مدخل

- ‌كيف دخلت القومية إلى البلاد الإسلامية:

- ‌الفصل الرابع: الجوانب العملية في الثقافة الإسلامية

- ‌توطئة

- ‌المبحث الأول: الجهاد فريضة مستمرة

- ‌مدخل

- ‌تعريف الجهاد:

- ‌وللجهاد سبل كثيرة يتحقق بكل واحد منها

- ‌تاريخ تشريع الجهاد في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌سبب تشريع الجهاد:

- ‌مراحل تشريع الجهاد:

- ‌فضل الجهاد

- ‌مدخل

- ‌أجر المجاهدين:

- ‌من هو الشهيد:

- ‌مبحث شروط المجاهدين في الإسلام

- ‌حكم الجهاد

- ‌مدخل

- ‌أدلة وجوب الجهاد:

- ‌الإعداد للجهاد

- ‌مدخل

- ‌إعداد معنوي

- ‌إعداد مادي

- ‌أخلاق المسلمين في القتال:

- ‌ومن مظاهر رأفة الإسلام في الحرب:

- ‌المعاهدات في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌الشروط التي يجب تحققها في المعاهدة

- ‌الوفاء بالمعاهدات:

- ‌المبحث الثاني: التضامن الإسلامي

- ‌مدخل

- ‌أسباب انقسام الأمة الإسلامية:

- ‌تاريخ الدعوة إلى التضامن الإسلامي:

- ‌أول مجتمع قام على أساس التضامن:

- ‌أسس التضامن الإسلامي

- ‌مدخل

- ‌ الأخوة الإيمانية:

- ‌ التكافل الاجتماعي:

- ‌ الشورى:

- ‌ العدل:

- ‌الخلافة وأثرها على وحدة الأمة الإسلامية:

- ‌واجب المسلمين لتحقيق التضامن الإسلامي:

- ‌دواعي التضامن الإسلامي:

- ‌الفهرس

الفصل: ‌ ‌القومية ‌ ‌مدخل … القومية: اتخذت القومية في القرن التاسع عشر مفهومًا خاصًّا يدل على

‌القومية

‌مدخل

القومية:

اتخذت القومية في القرن التاسع عشر مفهومًا خاصًّا يدل على تفضيل آصرة القوم على غيرها من الأواصر، ولكن جوهر هذا المعنى كان معروفًا منذ العصور القديمة، فقد عرف اليونان والرومان والهنود "القومية" وكانت تعني عندهم انتساب الفرد إلى قوم أو جنس معين.

وللقومية أركان خمسة عليها يرتفع بنيان هذا المفهوم، وهذه الأركان هي:

1-

وحدة الجنس بمعنى الانتساب إلى أصل واحد.

2-

وحدة الوطن.

3-

وحدة اللغة.

4-

وحدة التاريخ.

5-

العوامل الاقتصادية.

يقول الأستاذ سيد قطب في كتابه "هذا الدين": "وجاء الإسلام فوجد الناس يتجمعون على آصرة النسب، أو يتجمعون على آصرة الجنس، أو يتجمعون على آصرة الأرض، أو يتجمعون على آصرة المصالح والمنافع القريبة، وكلها عصبيات لا علاقة لها بجوهر الإنسان، إنما هي أعراض طارئة على جوهر الإنسان الكريم، وقال الإسلام كلمته الحاسمة في هذا الأمر الخطير الذي يحدد علاقات الناس بعضهم ببعض تحديدًا أخيرًا.

قال: إنه لا لون ولا جنس ولا نسب ولا أرض ولا مصالح ولا منافع هي التي تجمع بين الناس أو تفرق، إنما هي العقيدة.. إن آصرة المجتمع هي العقيدة، لأن العقيدة هي أكرم خصائص الروح الإنساني، فأما إذا نبتت هذه الوشيجة فلا آصرة ولا تجمع ولا كيان. إن الإنسانية يجب أن تتجمع على أكرم خصائصها لا على مثل ما تتجمع عليه البهائم من الكلأ والمرعى أو من الحد والسياج.

والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة وهي جنسيتها وإلا فلا أمة لأنه ليست هناك آصرة تجمعها، والأرض والجنس واللغة والنسب والمصالح المادية قريبة. لا تكفي واحدة منها ولا تكفي كلها لتكوين أمة إلا أن تربط بينها رابطة العقيدة"1.

1 هذا الدين: ص83 وما بعدها.

ص: 254

يقول الله تبارك وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} 1.

ويقول الرسول، صلى الله عليه وسلم:"كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان"2.

هذه النصوص الكريمة تبين أن الآصرة التي يتجمع المؤمنون حولها هي آصرة العقيدة، وهي وحدها، خليقة بالاعتبار لأنها تتناسب مع كرامة الإنسان ومع كونه خليفة الله في الأرض.

ونظرة سريعة نلقيها على التاريخ الإسلامي كفيلة أن تجعلنا مدركين لمقومات الدولة التي أنشأها رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، تلك الدولة التي أقامها رسول الله عليه الصلاة والسلام على رابطة العقيدة كانت أقوى دولة وأرحم دولة، لقد ألغى "صلى الله عليه وسلم" كل الفروق التي كانت معروفة في الجاهلية والتي كانت تجمع أبناء العشيرة الواحدة وأبناء القبيلة الواحدة.. قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد فيها الأوس والخزرج، وكان بينهما خصومات ومنازعات، فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين هاتين القبيلتين بالأخوة الإيمانية، وآخى بين أهل المدينة من جهة وبين المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وآثروا ما عند الله ورسوله.

وهكذا أنشئت أول دولة إسلامية عرفها الوجود كله، فتباهى بها التاريخ فخرًا، أنشئت هذه الدولة إذن على رابطة العقيدة دون الاعتبارات الأخرى، ومن هذا المنطلق قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"سلمان منا آل البيت".

من النصوص القرآنية والنبوية ومن وقائع تاريخنا الإسلامي المشرق يتجلى أن الآصرة الخليقة بالاعتبار في منظار الإسلام هي "العقيدة"، هذه الرابطة جديرة لأن يناط بها إنشاء أمة، وتجمع إنسانية، وإقامة دولة، فهي وحدها قادرة

1 التوبة: 24.

2 رواه البزار في مسنده.

ص: 255

على أن تؤلف بين قلوب البشر على اختلاف ديارهم وأجناسهم ولغاتهم واقتصادهم.. وهي وحدها قادرة على أن تجمع العالمين في دائرة واحدة، وأن تمدهم بقيم واحدة وأن تظلهم بأنظمة واحدة، وبشريعة واحدة، ومن هذا كله تنبع مشاعرهم وتتحد آمالهم وغاياتهم واتجاهاتهم..

قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} 1. هذه الدعوة العالمية الإنسانية اتجهت من رب العباد إلى الناس كافة ليتجمعوا على الرابطة الإلهية، رابطة الإيمان بوحدانية الله تعالى، رابطة الإسلام، وهذه الرابطة تذكرهم بوحدة الأصل "خلقكم من نفس واحدة" فالتاريخ البشري في نظر الإسلام تاريخ له مكانته وله أصالته وله منزلته العالية وله رفعته وله جلاله إنه يتناسب مع كرامة الإنسان ومع وظيفته في هذه الأرض.. وليس ماضيًا يغض المرء طرفه حياء منه، أو خجلًا من لوثة أصله، إنه تاريخ إنساني له أصالته الإنسانية، ومن ثم فليس لأحد أن يفخر على أحد أو أن يستعلي على أحد إذ إن الأب واحد والأسرة واحدة، فلم يبق إذن للجنس مكان كي يستعلي الإنسان بسببه على غيره، ولا وجود في هذا الميزان الدقيق الحساس لأسطورة شعب الله المختار أو لأسطورة العرق الآري.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} 2.

وقال الرسول، صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية"3. فليست دعوة التعصب للجنس أو للون، أو التعصب لطائفة اجتماعية دعوة معتبرة أو معترف بها في المجتمع الراقي المتقدم في ركب الحضارة وليس لها مكان أبدًا في مجتمع تقوم دعائمه على أسس المودة والرحمة والتعاون والمشاركة والإيثار..

1 النساء: 1-2.

2 سورة الحجرات: 13.

3 رواه أبو داود.

ص: 256

قد تصلح دعوة التعصب لجنس أو لون أو قوم في مجتمعات بدائية ليس لها رصيد خلقي ولا قاموس أدبي، وقد تصلح لتجمع بشري لم يستهد بهدي الله العلي العظيم، ولم يستضئ بتعاليم الدين، ولم يستنر بنوره الذي يبدد كل جهالة وكل ظلام.. كالمجتمع العربي قبل الإسلام. فقد كان اعتزاز العرب بأنسابهم اعتزازًا قويًّا جارفًا يجعلهم في تصورهم الخاطئ في مقدمة الركب الإنساني أو في منزلة أرفع من منزلة الإنسان، وكانت قريش -على الخصوص- تأخذها العزة القبلية دائمًا، فإذا حجَّت مؤدية عبادة لله تعالى لم تقف في عرفات حيث يقف الناس، ولم تفض من حيث أفاضوا استعلاء واستكبارًا بغير حق. فجاء الإسلام ليمنح الإنسانية عقيدة التوحيد، ويهبها رسالة السعادة والحب والمودة والألفة والمساواة، فقال سبحانه وتعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1، ونلحظ اليوم ثمة مجتمعات تنادي للتكتل حول الجنس أو العرق أو القبيلة، ويرافق هذه التكتلات آلاف من الأصوات تئن تحت وطأة الظلم، وصيحات من الألم -تكتم أنفاسها- بسبب اختلاف اللون أو الجنس.. وكلنا يعلم ما الذي يعانيه الزنوج الحمر والسود في أمريكا بسبب اختلاف الجنس واللون، هذه الدولة التي تعتبر نفسها في مقدمة الركب العالمي حضارة ومدنية وتقدمًا، بل تظن أن محور العالم في قبضتها وطوع أمرها تحركه كيفما شاءت، ولنا أن نتساءل: أليس للأخلاق اعتبار في التقدم الحضاري؟ أو ليس للقيم منزلتها اللائقة في الثقافة الأمريكية؟ ولا يزال الملونون في إفريقيا يعانون ما يعانون ويكابدون ما يكابدون من ظلم وتعسف وحرمان.. كل هذا بسبب اختلاف الألوان والأجناس.. هذا الأمر الذي ليس لهم فيه يد ولا قوة ولا حول، ولكنه الظلم المتأصل في النفس التي لم يهذبها التوحيد ولم يحالفها السعد فتصبغ صبغة إيمانية كاملة.

وأين موقع هذه المجتمعات التي تعتبر نفسها متقدمة مدنية من المجتمع الذي أقام دعائمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "أيها الناس! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم، وآدم من تراب، وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى. ألا هل

1 سورة البقرة: 199.

ص: 257

بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب."

وقد سمع مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر الغفاري يحتد على بلال وهو يحاوره ويقول له: يابن السوداء، فظهرت آثار الغضب الشديد على وجه الرسول، واتجه بالخطاب إلى أبي ذر وانتهره قائلًا:"إنك امرؤ فيك جاهلية، كلكم بنو آدم طف الصاع 1 ، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو عمل صالح" فوضع أبو ذر خده على الأرض وأقسم على بلال أن يطأه بحذائه حتى يغفر الله له زلته هذه، ويكفر عنه ما بدر منه من خلق الجاهلية2.

يذكر الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله أنه لما توغل المسلمون في مصر فاتحين حتى وقفوا أمام حصن نابليون، رغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين، فأرسل إليهم وفدًا ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدًا، فأرسل إليه عمرو بن العاص عشرة نفر فيهم "عبادة بن الصامت" وكان عبادة أسود شديد السواد طويلًا، وأمره عمرو أن يكون هو الذي يتولى الكلام، فلما وصلوا إلى المقوقس تقدمهم عبادة بن الصامت، فهابه المقوقس لسواده، وقال لهم: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فقال رجال الوفد جميعًا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا وهو خيرنا والمقدم علينا وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه وقد أمره الأمير دوننا بما أمره. وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله، فقال لهم: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم، فقالوا: كلا إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعًا وأفضلنا سابقة وعقلًا ورأيًا، وليس ينكر السواد فينا، فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة. فقال عبادة، حين رأى فزع المقوقس من السواد: إن في جيشنا ألف أسود هم أشد سوادًا مني3.

وهكذا حين كان الناس يرون السواد منقصة، ويرون الأسود غير أهل لأن

1 طف الشيء يطف طفا وأطف، واستطف دنا وتهيأ وأمكن وأشرف وبدا ليؤخذ وطف المكوك والإناء ما ملأ أصباره، والتطفيف أن يؤخذ أعلاه ولا يتم كيله "لسان العرب".

2 حقوق الإنسان د. علي عبد الواحد وافي ص10.

3 من روائع حضارتنا ص64.

ص: 258

يتولى مراتب البيض، كانت حضارتنا الإسلامية تلقي جميع أنواع التفاضل التي تعود إلى اللون أو اختلاف الدم..

"ولم يعرف في التاريخ الإسلامي أن مجتمعًا إسلاميًّا كان يقيم مجتمعات مغلقة على البيض لا يسكنها السود، كما أنه لم يسجل حادثة واحدة اضطهد فيها إنسان لونه، لأن البياض والسواد في حضارتنا ليس إلا بياض الأعمال أو سوادها.

ومع أن الحضارة الحديثة تعد من أشهر الحضارات التي عرفت بأنها قامت على مبادئ الإخاء والمساواة بين الناس، ومع أن هيئة الأمم المتحدة أعلنت ميثاق حقوق الإنسان الذي يمنع نظريًّا جميع أنواع التمايز ويعطي الناس جميعًا حقوقًا واحدة، إلا أن العالم لا يزال يطبق التمييز العنصري بسبب اللون في أبشع صوره وأشكاله"1.

"ففي أمريكا بلد الحرية والعلم -كما يقال- الذي يضع الإنسان على القمر، لا تزال تجري مأساة من أكبر مآسي التاريخ الإنساني وهي مأساة اضطهاد الزنوج، وعدم الاعتراف للعناصر الملونة بالمرتبة الإنسانية التي يتمتع بها الأبيض، ومع أن الزنوج يعتبرون مواطنين في هذه الدولة التي تحمل أعلام الحضارة الحديثة المعاصرة إلا أنهم لا يستطيعون أن يمارسوا عمليًّا حقوق المواطن كما يمارسها المواطن الأبيض، وفي ذلك يقول أحد رجال السياسة من البيض هناك: "ليس لأي رجل ملون يغمر قلبه الرغبة في المساواة السياسية عمل ما في ولايات الجنوب، إن هذه البلاد ملك للرجل الأبيض ويجب أن تظل كذلك"2.

وعلى هذا فالإسلام أوجد الأمة التي يربط بين أفرادها رباط العقيدة، ومن هذه العقيدة تتولد الآمال المشتركة، واللغة الموحدة، والتاريخ الزاهر الذي يشع حياة وحركة وتفاعلًا.. وتنمو في الأمة المصالح المشتركة والعلاقات الاجتماعية القوية.

1 المصدر السابق: ص65.

2 من روائع حضارتنا للدكتور السباعي: ص68.

ص: 259

ولهذا فإن -الأتراك المسلمين- يعتزون بالتاريخ الإسلامي، ويعتبرونه جزءًا من كيانهم، وكذلك الحال مع الأكراد، ومع الإيرانيين، ومع العرب الذين يفخرون بتاريخهم الإسلامي دون أن يعتزوا بأبي جهل أو بأبي لهب، وكذلك الشأن مع المصريين الذين يعتزون بالتاريخ الإسلامي لا بالتاريخ الفرعوني.. وما قيل في هؤلاء يقال في كافة الأجناس التي انتظمها الإسلام بعقد منضد موحد لا نرى بين حياته تمايزًا ولا اختلافًا، ولا تباينًا..

كتب شاه ولي الله عالم دلهي المتوفى سنة "1765م" يقول: "نحن غرباء في هذه البلاد -أي الهند- فلقد جاء أجدادنا منذ القديم ليعيشوا هنا، فالنسب العربي واللغة العربية هما موضع اعتزازنا وافتخارنا وبهما كان طريقنا إلى معرفة الله رب الأولين والآخرين، ولمعرفة محمد صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء والرسل، وعلينا أن نشكر الله على سابغ رحمته علينا، وذلك بالتمسك قدر استطاعتنا بعادات وتقاليد أجدادنا العرب فقد جاء من بينهم نبينا الكريم، وإليهم توجه أول ما توجه في دعوته"1.

ذلك لأن الإسلام، وهو بدء ميلاد الإنسانية، حمل إلى البشر، ولأول مرة في التاريخ "الأخوة الإيمانية" ووحدة الجنس الإنساني ووحدة الفكر ووحدة العقيدة، بديلًا عن الوثنية والشرك في الفكر والقلب، فهو الدين الوحيد الذي حرر الإنسان من فساد الجماعة، والجماعة من طغيان الفرد، وحرر النفس البشرية ذاتها من عبادة غير الله، ومن الخوف والرهبة لغير الله، وحرر العقل من التحجر والجمود والخمول، ودفعه دفعًا قويًّا إلى الكون المفتوح، لينظر ويتأمل، ويفكر ويرى وليمحص ويختبر ويعيد النتائج إلى أسبابها، ويربط بين الحركة ودوافعها، فجعل العلاقة بين الإنسان والكون علاقة تسخير واستخدام واستعمال، لا علاقة هيبة وخوف، وتصور لأوهام خرافية أو أساطير غير حقيقية.. فللإسلام وحده يعود الفضل في دفع الفكر البشري للبحث والتجربة والعلم والبرهان والدليل والحجة، وهذا ما أدى إلى إنشاء العلوم التجريبية التي تدين إليها المدنية الحديثة، والحضارة المعاصرة.

1 الغرب والشرق الأوسط تأليف برنارد لويس تعريب نبيل صبحي، نقلًا عن كتاب معالم الثقافة الإسلامية للدكتور عبد الكريم عثمان: ص145 الطبعة الثالثة.

ص: 260

وكلنا يعلم أن الحضارات قبل الإسلام كانت قائمة إما على الوثنية الفارسية وإما على المادية اليونانية، وكل ما أثر عن علماء اليونان والفرس كان عبارة عن محاولات بشرية لتبرير رغبات الإنسان ومطامعه وأهوائه لذلك كانت غارقة في الخيال، بعيدة عن الواقع متعسفة بحق الإنسان وبحق الجماعة، إلى أن جاء الإسلام، فأهدى للبشرية الإيمان والعلم والمعرفة القائمة على التجربة والملاحظة، وقذف في قلب الإنسان التوحيد وحب التحرر من كل سلطة إلا سلطان الخالق، وحب معرفة الحق، والجهر به، ونتج عن هذا كله ما نراه اليوم من نهضة علمية، وتمحيص فكري وتحرر نفسي..ومن هنا، فإن العلماء الذين شادوا الحضارة الإنسانية ودونوا العلوم والمعارف، وتوصلوا إلى النظريات الرياضية والفيزيائية والكيميائية، وإلى العلاجات الطبية، ووصف الأعراض المرضية، ليسوا فُرْسًا، وليسوا عربًا، وليسوا أتراكًا.. وإنما هم المسلمون، لأن الإسلام -وحده- هو الذي حرر الفكر البشري والنفس الإنسانية من الأوهام والأساطير ومن القيود والأغلال، وأعاد تكوينها تكوينًا جديدًا منفعلًا مع التوحيد متجاوبًا مع الإيمان.. فأنتجوا ما أنتجوا من محيط القرآن والإسلام وليس من محيط بلادهم أو تراثهم.. "ذلك أن الإسلام إنما أعاد صياغة عقليات وقلوب ونفوس أربابه وأصحابه خلقًا جديدًا، فشكلهم على نمط جديد هو روح الإسلام، ومن قلب هذا الروح كان إنتاجهم، ومن هنا، فإن هذا التكوين النفسي والعقلي هو بمثابة الجنس والأخوة الإسلاميين"1.

وعلى هذا فإن الفتوحات الإسلامية والمواقف الحاسمة والبطولات الخالدة، والمعاملة المثلى، والسماحة الكريمة والعدالة الاجتماعية، لم تكن لأيد عربية ولا فارسية ولا تركية ولا مصرية، وإنما كانت لأيد إسلامية فقط، ذلك لأن الإسلام دين عبادة وجهاد، عقيدة ومنهج حياة، نظام وقانون، مسجد وسيف، دولة وقوة، وهو بهذا صاغ النفس الإنسانية صياغة جديدة، فجعلها موحدة لله معتزة بدينها ساعية لنشر مبادئ الإسلام في أدنى الأرض وأعلاها، في مغربها ومشرقها:"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"2.

1 في سبيل إعادة كتابة تاريخ الإسلام للأستاذ أنور الجندي: ص10.

2 حديث شريف انظر الجامع الصغير.

ص: 261

وللغة العربية لغة الإسلام هي اللغة المحببة إلى قلوب المسلمين جميعًا -عربيهم وأعجميهم- لأنها لغة العقيدة والتوحيد، بها نزل القرآن الكريم وبها خاطب الوحي محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها نودي الإنسان، بإنسانيته {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} {يَا بَنِي آدَمَ} ليذكره بأصله الكريم السوي، وبها تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي لغة الأذان والإقامة والصلاة والنسك وسائر الشعائر الإسلامية، وهي التي تربط بين قلوب المسلمين، فبظلها يجتمعون، وبها يتعارفون ويتوحدون، وأكرم بها من لغة. وما كان الإمامان البخاري ومسلم -نضر الله وجهيهما- شيخي أهل السنة والجماعة إلا لأنهما جَمَعا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير، وإلا لأنهما حفظا للغة العربية هذا الأصل البلاغي العظيم، وللشريعة هذا النبع الصافي الزلال.

يقول الشيخ رشيد رضا، رحمه الله تعالى: "

فاللغة العربية ليست خاصة بجيل العرب سلائل يعرب بن قحطان، بل هي لغة المسلمين كافة، وما خدم الإسلام أحد من غير العرب إلا بقدر حظهم من لغته، ولم يكن أحد من العرب في النسب يفرق بين سيبويه الفارسي النسب وأستاذه الخليل العربي في فضلهما واجتهادهما في اللغة، ولا بين البخاري الفارسي وأستاذه أحمد بن حنبل العربي في خدمة السنة ولا نعرف أحدًا من علماء الأعاجم له حظ في خدمة الإسلام وهو يجهل لغته، ولولا أن ظل علماء الدين في جميع الشعوب الإسلامية مجمعين على التعبد بقراءة القرآن المعجز للبشر بأسلوبه العربي. وأذكار الصلاة، وغيرها بالعربية، ومدارسة التفسير والحديث بالعربية لضاع الإسلام منها"1.

ويقول أيضًا: "إن اللغة رابطة من روابط الجنس، وقد حرم الإسلام التعصب للجنس، لأنه مفرق للأمة، ذاهب بالاعتصام والوحدة، واضع للعداوة موضع الألفة، وقد كان من إصلاح الإسلام الديني والاجتماعي توحيد اللغة بجعل لغة هذا الدين العام، لغة لجميع الأجناس التي تهتدي به، فهو قد حفظ بها، وهي قد حفظت به، فلولاه لتغيرت كما تغير غيرها من اللغات، وكما كان يعروها التغير من قبله، ولولاها لتباعدت الأفهام في فهمه، ولصار أديانًا يكفر أهلها

1 نقلًا عن كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: 1/ 61.

ص: 262