الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: الجهاد فريضة مستمرة
مدخل
…
الجهاد في الإسلام
قبل أن أفصل القول في موضوع الجهاد في الإسلام أود أن أتكلم عن الحرب بصورة عامة..
منذ أن وجدت البشرية على سطح الكرة الأرضية، وهناك صراع بين الحق والباطل، بين قوى الخير وقوى الشر، ولعل هذا ما يشير إليه قول الله تبارك وتعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} 1.
ويذكر لنا القرآن الكريم موقف موسى عليه السلام من بني إسرائيل وقد طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، ويقاتلوا القوم الجبارين، فجبنوا وتقاعسوا وتخاذلوا، وهذا هو شأنهم دائمًا، النكث بالعهود، وعدم الاستجابة للأوامر، وظهورهم على حقيقتهم الجبانة إذا داهمهم خطر محقق، قال الله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ، قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ
1 الآيات "27-31" من سورة المائدة.
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} 1.
وقال سبحانه مبينًا دفع الناس بعضهم ببعض: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} 2.
ويمكن إرجاع الحرب التي تحدث بين الشعوب والأمم إلى أسباب ذكرها ابن خلدون في مقدمته3.
1-
المنافسة التي تحدث بين القبائل المتجاورة عادة، ولعل الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بين القبائل العربية قبل الإسلام تؤيد هذا السبب، وتبرز صحته، وأذكر على سبيل المثال من تلك الحروب، حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس.
2-
العدوان الذي ينشأ بين الأمم المتأخرة في مضمار الثقافة والحضارة، وكثيرًا ما تستهدف تلك الأمم استغلال الشعوب المستضعفة وبسط سلطانها عليها. لتسخيرها لأغراضها العدوانية وللاستفادة من منافع بلادها بغير حق.
3-
الغضب لله ولدينه وهو الجهاد المشروع في الإسلام، ومن أنواعه الدفاع عن كلمة التوحيد، والسعي لعبادة الله في الأرض وإقامة شعائر الدين.
4-
غضب للسلطان وهي الحرب التي يخوضها صاحب السلطان ضد المتمردين على حكمه الخارجين على سلطانه4.
أما الجهاد في الإسلام فهو جهاد إنساني، لم يشهد المؤرخون أنبل من أغراضه ولا أسمى من أهدافه ولا أرفع من مقاصده، فهو يجنح للسلم إن طلب
1 من سورة المائدة "20-24".
2 سورة الحج الآية "40".
3 المقدمة 1/ 226 ط الأعلمي بيروت عام 1971.
4 مقدمة ابن خلدون 1/ 226.
العدو، وهو رحيم رفيق لا يعتدي ولا يأخذ على حين غرة، ولا يقتل شيخًا مسنًا ولا امرأة ولا طفلًا ولا آمنًا غير باغ ولا آثم. وشريعة الإسلام في الجهاد شريعة عادلة غير معتدية كغيرها من الشرائع الإسلامية التي جاءت لتحمي لا لتبدد ولتعدل لا لتبغي ولتوحد لا لتفرق ولتنشر السلام والأمن لا لترهب الضعيف الآمن.
لقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة، يدعو إلى عقيدة التوحيد بالحسنى، ويصبر على أذى المؤذين، واعتداء المعتدين، ولم تمتد يده الشريفة لرد الأذى، أو لدفع العدوان بعدوان مثله، وإنما صلى الله عليه وسلم صبر وصابر وحث المسلمين على الثبات والتحمل والدفع بالحسنى، ورد الإيذاء بالقول الحكيم حتى ضاقت نفوس الصحابة رضوان الله عليهم مما عانوا، ومما لاقوا من عنت المشركين ومن مضايقة الضالين ومن اعتداء المعتدين، فما كان منهم إلا أن تركوا الديار والأهل والأوطان، تركوا ملاعب الصبا، ومرتع الشباب، تركوا الأحبة والأصحاب وهان عليهم المال والممتلكات، فهاجروا من مكة إلى الحبشة مرتين فرارًا بدينهم وإيثارًا لما عند الله من ثواب وأجر.
قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} 1، وقال:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} 2، وقال جل من قائل:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} 3، وقال:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} 4.
ونزلت الآيات تترى في تثبيت جنان الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الصبر على تحمل واجبات الدعوة، وفي احتمال الأذى، قال سبحانه:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} 5. وقد كانت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة تنفذ من وراء الحجب، وتدخل إلى النفوس والقلوب، فتلين لها القلوب وتخضع لها النفوس وتهذب بها الأخلاق وتسمو بها
1 سورة الأعراف/ 199.
2 سورة فصلت/ 34.
3 سورة الفرقان/ 63.
4 سورة الأحقاف/ 35.
5 الآية "125" من سورة النحل.