الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله متظلمون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«1» قال: فعدل لوقته.
وحكي أن الحجاج حبس رجلا في حبسه ظلما فكتب إليه رقعة فيها: قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام والموعد القيامة والسجن جهنم والحاكم لا يحتاج إلى بينة، وكتب في آخرها:
ستعلم يا نؤوم إذا التقينا
…
غدا عند الإله من الظلوم
أما والله إن الظلم لؤم
…
وما زال الظلوم هو الملوم
سينقطع التلذّذ عن أناس
…
أداموه وينقطع النعيم
إلى ديّان يوم الدين نمضي
…
وعند الله تجتمع الخصوم
وحكى أبو محمد الحسين بن محمد الصالحي قال: كنا حول سرير المعتضد بالله ذات يوم نصف النهار فنام بعد أن أكل، فانتبه منزعجا وقال: يا خدم، فأسرعنا الجواب فقال: ويلكم أعينوني والحقوا بالشط فأول ملاح ترونه منحدرا في سفينة فارغة فاقبضوا عليه وائتوني به ووكلوا بالسفينة من يحفظها.
فأسرعنا فوجدنا ملاحا في سفينة منحدرة وهي فارغة فقبضنا عليه ووكلنا بها من يحفظها وصعدنا به إلى المعتضد.
فلما رآه الملاح كاد يتلف فصاح عليه المعتضد صيحة عظيمة كادت روحه تذهب منها وقال: أصدقني يا ملعون عن قضيتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك:
فتلعثم، وقال: نعم كنت سحرا في المشرعة الفلانية فنزلت إمرأة لم أر مثلها عليها ثياب فاخرة وحلى كثيرة وجواهر فطمعت فيها واحتلت عليها حتى سددت فمها وغرّقتها وأخذت جميع ما كان عليها ثم طرحتها في الماء ولم أجسر على حمل سلبها إلى داري لئلا يفشوا الخبر علي، فعولت على الهروب والانحدار إلى واسط فصبرت إلى أن خلا الشط في هذه الساعة من الملاحين وأخذت في الانحدار فتعلق بي هؤلاء القوم فحملوني إليك، فقال:
وأين الحلى والسلب؟ قال: في صدر السفينة تحت البواري.
قال المعتضد: علي به الساعة، فحضروا به فأمر بتغريق الملاح ثم أمر أن ينادى ببغداد من خرجت له امرأة إلى المشرعة الفلانية سحرا وعليها ثياب فاخرة وحلى فليحضر، فحضر في اليوم الثاني ثلاثة من أهلها وأعطوا صفتها وصفة ما كان عليها فسلم ذلك إليهم.
قال: فقلت يا مولاي من أين علمت أو أوحي إليك بهذه الحالة وأمر هذه الصبية فقال: بل رأيت في منامي رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي: يا أحمد أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره على المرأة التي قتلها اليوم ظلما وسلبها ثيابها وأقم عليه الحد ولا يفتك، فكان ما شاهدتم. فيتعين على كل ولي أمر أن يعدل في الأحكام، وأن يتبصر في رعيته وعلى كل غافل أن يكف يده عن الظلم ويسلك سنن العدل ويعامل بالنصفة ويراقب الله في السر والعلانية ويعلم أن الله يجازي على الخير والشر ويعاقب الظالم على ظلمه وينتصر للمظلوم ويأخذ له حقه ممن ظلمه، وإذا أخذ الظالم لم يفلته.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب الحادي والعشرون في بيان الشروط التي تؤخذ على العمال وسيرة السلطان في استجباء الخراج وأحكام أهل الذمة
وفيه فصلان
الفصل الأول في سيرة السلطان في استجباء الخراج والانفاق من بيت المال وسيرة العمال
قال جعفر بن يحيى: الخراج عماد الملوك وما استغزوا بمثل العدل وما استنذروا بمثل الظلم، وأسرع الأمور في خراب البلاد تعطيل الأرضين وهلاك الرعية وانكسار
الخراج من الجور «1» .
ومثل السلطان إذا أجحف بأهل الخراج حتى يضعفوا عن عمارة الأرضين مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع فهو إن شبع من ناحية فقد ضعف من ناحية أخرى، وما أدخل على نفسه من الضعف والوجع أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع.
ومثل من كلف الرعية فوق طاقتهم كالذي يطين سطحه بتراب أساس بيته. وإذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرضين فيتركونها فتخرب الأرض ويهرب المزارعون فتضعف العمارة ويضعف الخراج وينتج من ذلك ضعف الأجناد وإذا ضعف الجند طمع الأعداء في السلطان.
وروي أن المأمون أرق ذات ليلة فاستدعى سميرا يحدثه فقال يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل بنت بومة البصرة لابنها، فقالت بومة البصرة لا أجيب خطبة ابنك حتى تجعلي في صداق ابنتي مائة ضيعة خربة، فقالت بومة الموصل لا أقدر عليها لكن إن دام وإلينا سلمه الله علينا سنة واحدة فعلت ذلك، قال: فاستيقظ لها المأمون وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض وتفقد أمور الولاة والعمال والرعية.
وقال أبو الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال:
وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون في زمن يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه من أموال مصر لخراج سنة واحدة من الذهب العين أربعة وعشرون ألف ألف وأربعمائة دينار «2» ، من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر الخلجان والانفاق على الجسور وسد الترع وتقوية من يحتاج إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لأقامة العوامل والتوسعة في البلدان وغير ذلك من الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذر وسائر نفقات تطبيق الأرض، ثمانمائة ألف دينار ولما ينصرف للأرامل والأيتام وإن كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون أربعمائة ألف دينار، ولما ينصرف لكهنتهم وبيوت صلاتهم مائتا ألف دينار، ولما ينصرف في الصدقات مما يصب صبا وينادى عليه، برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة ولم يحضر، فيحضر لذلك جمع كثير، مائتا ألف دينار. فإذا فرقت الأموال على أربابها دخل أمناء فرعون إليه وهنّأوه بتفرقة الأموال ودعوا له بطول البقاء ودوام العز والنعماء والسلامة، ثم نهوا إليه حال الفقراء فيأمر باحضارهم وتغيير شعثهم ويمد لهم السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستفهم من كل واحد منهم عن سبب فاقته فإن كان ذلك من آفة الزمان زاد عليه مثل الذي كان له، ولما ينصرف في نفقات فرعون الراتبة في كل سنة مائتا ألف دينار ويفضل بعد ذلك مما يتسلمه يوسف الصديق عليه السلام للملك ويجعله في بيت المال لنوائب الزمان أربعة عشر ألف ألف وستمائة ألف دينار.
وقال أبو رهم كانت أرض مصر أرضا مدبرة حتى أن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه حيث شاءوا ويرسلونه حيث شاءوا، وذلك قول فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
«3» . الآية.
وكان ملك مصر عظيما لم يكن في الأرض أعظم منه ملكا وكانت الجنان بحافتي النيل متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما دبروا من جسورها وحافاتها والزروع ما بين الجبلين من أولها إلى آخرها، وذلك قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 25 وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ 26
«4» .
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: استعمل فرعون هامان على حفر خليج سردوس فأخذ في حفره وتدبيره، فجعل أهل القرى يسألونه أن يجري لهم الخليج تحت قراهم ويعطوه مالا فكان يذهب به من قرية إلى قرية من المشرق إلى المغرب ومن الشمال إلى القبلة ويسوقه كيف أراد وإلى حيث قصد، فليس خليج بمصر أكثر عطوفا منه فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة جزيلة فحملها إلى فرعون وأخبره بالخبر، فقال له فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبده ويفيض عليه من خزائنه وذخائره ولا يرغب فيما
بأيديهم، رد على أهل القرى أموالهم، فرد عليهم ما أخذه منهم.
فإذا كانت هذه سيرة من لا يعرف الله ولا يرجو لقاءه ولا يخاف عذابه ولا يؤمن بيوم الحساب، فكيف تكون سيرة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويوقن بالحساب والثواب والعقاب.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
«1» . قال: هي خزائن مصر، ولما استوثق أمر مصر ليوسف عليه السلام، وكمل، وصارت الأشياء إليه وأراد الله تعالى أن يعوضه على صبره، لما لم يرتكب محارمه وكانت مصر أربعين فرسخا في مثلها، وما أطاع يوسف فرعون وهو الريان بن مصعب وناب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم، وكانت السنون التي حصل فيها الغلاء والجوع مات العزيز وتملك يوسف، وافتقرت زليخا، وعمي بصرها فجعلت تتكفّف الناس «2» فقيل لها: لو تعرضت للملك ربما يرحمك ويعينك ويغنيك فطالما كنت تحفظينه وتكرمينه، ثم قيل لها لا تفعلي لأنه ربما يتذكر ما كان منك إليه من المراودة والحبس فيسيء إليك ويكافئك على ما سبق منك إليه.
فقالت: أنا أعلم بحلمه وكرمه، فجلست له على رابية في طريقه يوم خروجه وكان يركب في زهاء مائة ألف من عظماء قومه وأهل مملكته، فلما أحست به قامت ونادت سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم والعبيد ملوكا بطاعتهم.
فقال يوسف عليه السلام: من أنت؟
فقالت: أنا التي كنت أخدمك بنفسي وأرجّل «3» شعرك بيدي وأكرم مثواك بجهدي وكان مني ما كان، وقد ذقت وبال أمري وذهبت قوتي وتلف مالي وعمي بصري وصرت أسأل الناس، فمنهم من يرحمني ومنهم من لا يرحمني، وبعدما كنت مغبوطة أهل مصر «4» كلها صرت مرحومتهم بل محرومتهم وهذا جزاء المفسدين، فبكى يوسف عليه السلام بكا، شديدا وقال لها: هل في قلبك من حبك إياي شيء؟ قالت: نعم والذي اتخذ إبراهيم خليلا لنظرة إليك أحب إلي من ملء الأرض ذهبا وفضة، فمضى يوسف وأرسل إليها يقول إن كنت أيّما تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك. فقالت لرسول الملك: أنا أعرف أنه يستهزىء بي هو لم يردني في أيام شبابي وجمالي، فكيف يقبلني وأنا عجوز عمياء فقيرة؟
فأمر بها يوسف عليه السلام فجهزت وتزوج بها وأدخلت عليه فصف يوسف عليه السلام قدميه وقام يصلي ودعا الله تعالى باسمه العظيم الأعظم، فرد الله عليها حسنها وجمالها وشبابها وبصرها كهيئتها يوم راودته فواقعها، فإذا هي بكر فولدت له إفرائيم بن يوسف ومنشا بن يوسف وطاب في الإسلام عيشهما حتى فرق الموت بينهما.
فينبغي للقوي أن لا ينسى الضعيف وللغني أن لا ينسى الفقير، فرب مطلوب يصير طالبا ومرغوب فيه يصير راغبا، ومسؤول يصير سائلا، وراحم يصير مرحوما، فنسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته ويغنينا بفضله.
ولما ملك يوسف عليه السلام خزائن الأرض كان يجوع ويأكل من خبز الشعير، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
ومن حسن سيرة العمال ما روي أن عمر رضي الله عنه استعمل على حمص رجلا يقال له: عمير بن سعد، فلما مضت السنة كتب إليه عمر رضي الله عنه إن أقدم علينا، فلم يشعر عمر إلا وقد قدم عليه ماشيا حافيا عكازته بيده وإداوته «5» ومزوده «6» وقصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال له: يا عمير أأجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال يا أمير المؤمنين: أما نهاك الله أن تجهر بالسوء، وعن سوء الظن؟ وقد جئت إليك بالدنيا أجرّها بقرابها، فقال له: وما معك من الدنيا؟ قال: عكازة أتوكأ عليها وأدفع بها عدوا إن لقيته ومزود أحمل فيه طعامي وإداوة أحمل فيها ماء لشربي ولطهوري، وقصعة أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي وآكل فيها طعامي، فو الله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي.
قال: فقام عمر رضي الله عنه من مجلسه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، فبكى بكاء شديدا، ثم قال: اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل، ثم عاد إلى مجلسه، فقال: ما صنعت في عملك