الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.
وأما النوم والسهر وما جاء فيهما:
فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل» .
وروي أن أم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قالت: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن صاحب النوم يجيء يوم القيامة مفلسا، وكان زمعة بن صالح ليلا طويلا فإذا أسحر نادى أهله:
يا أيها الركب المعرّسونا
…
أكلّ هذا الليل ترقدونا «1»
فيتواثبون بين باك وداع ومتضرع فإذا أصبح نادى: عند الصباح يحمد القوم السرى.
(وأنشدوا) :
يا أيها الراقد كم ترقد
…
قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وساعاته
…
حظّا إذا ما هجع الرقّد
من نام حتى ينقضي ليله
…
لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لذوي الألباب أهل التقى
…
قنطرة الحشر لكم موعد
وقيل: أن نومة الضحى تورث الغم والخوف، ونومة العصر تورث الجنون.
وأنشد بعضهم:
ألا إن نومات الضحى تورث الفتى
…
غموما ونومات العصير جنون
وعن العباس بن عبد المطلب أنه مرّ يوما بابنه وهو نائم نومة الضحى فوكزه برجله وقال له: قم لا أنام الله عينك أتنام في ساعة يقسم الله تعالى فيها الرزق بين العباد؟ أو ما سمعت ما قالت العرب أنها مكسلة مهزلة منسية للحاجة. والنوم على ثلاثة أنواع: نومة الخرق ونومة الخلق ونومة الحمق، فنومة الخرق نومة الضحى ونومة الخلق هي التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أمته فقال: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل «2» ، ونومة الحمق النومة بعد العصر لا ينامها إلا سكران أو مجنون. وكان هشام بن عبد الملك يقول لولده: لا تصطبح بالنوم فإنه شؤم ونكد.
وقال الثوري لطبيب: دلني على شيء إذا أردت النوم جاءني، فقال: ادهن رأسك وأكثر من ذلك واتق الله.
وكان طاوس يقول: لأن تختلف السياط على ظهري أحب إليّ من أن أنام يوم الجمعة، والإمام يخطب. وكان شداد بن أوس يتلوى على فراشه كالحبة على المقلى ويقول: اللهم إن النار منعتني النوم.
وأنشدوا في المعنى:
غيرت موضع مرقدي
…
يوما ففارقني السكون
قل لي فأوّل ليلتي
…
في حفرتي أنى أكون
وأنشد أبو دلف:
أمالكتي ردّي عليّ رقاديا
…
ونومي فقد شرّدته عن وساديا
أما تتقين الله في قتل عاشق
…
أمتّ الكرى عنه فأحيا اللياليا
وأنشد أبو غانم الثقفي:
رقدت رقاد الهيم حتى لو انني
…
يكون رقادي مغنما لغنيت «3»
فقيل: لمن هذا؟ فقال: لرقاد من رقاد العرب. وقيل:
إن نوم عبود يضرب به المثل، وكان عبود هذا عبدا أسود قيل إنه نام اسبوعا وقيل إنه تماوت على أهله وقال اندبوني لأعلم كيف تندبوني إذا أنا مت فسجي ونام وندب فإذا هو قد مات.
وأما الرؤيا:
فقد قيل فيها أقاويل وهو أنهم قالوا: إن النوم هو اجتماع الدم وانحداره إلى الكبد، ومنهم من رأى أن ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح. ومنهم من زعم أن ما يجده الإنسان في نومه من الخواطر إنما هو من الأطعمة والأغذية والطبائع. وذهب جمهور الأطباء إلى أن الأحلام
من الأخلاط وأن ذلك بقدر مزاج كل واحد منها وقوته، فالذي يغلب عليه الصفراء يرى بحورا وعيونا ومياها كثيرة ويرى أنه يسبح ويصيد سمكا، ومن غلبت على مزاجه السوداء رأى في منامه أجداثا وأمواتا مكفنين بسواد وبكاء وأشياء مفزغة، ومن غلب على مزاجه الدم رأى الخمر والرياحين وأنواع الملاهي والثياب المصبغة.
والذي يقع عليه التحقيق أن الرؤيا الصالحة كما قد جاء جزء من ستين جزء من النبوة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. والرؤيا على ضربين فمنهم من يرى رؤيا فتجيء على حالها لا تزيد ولا تنقص، ومنهم من يرى الرؤيا في صورة مثل ضرب له.
فمن ذلك ما حكي:
أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الجنة غرفا فقال: لمن هذه؟ فقيل لأبي جهل بن هشام فقال: ما لأبي جهل والجنة والله لا يدخلها أبدا. قال: فأتاه عكرمة ولده مسلما، فتأولها به وكذلك تأول في قتل الحسين لما رأى أن كلبا أبقع «1» يلغ في دمه، وكان ذلك بعد رؤياه عليه الصلاة والسلام بخمسين عاما.
وكذلك حين قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: «إني رأيت كأني رقيت أنا وأنت درجا في الجنة فسبقتك بدرجتين ونصف، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه:
يا رسول الله أقبض بعدك بسنتين ونصف.
ورأت عائشة رضي الله تعالى عنها سقوط ثلاثة أقمار في حجرتها فأولها أبوها بموته وموت النبي صلى الله عليه وسلم وموت عمر رضي الله تعالى عنهما ودفنهم في حجرتها فكان الأمر كذلك.
وحكي: أن أم الشافعي رضي الله تعالى عنه لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من فرجها وانقض بمصر ثم تفرق في كل بلد قطعة، فأول بعالم يكون بمصر وينتشر علمه بأكثر البلاد فكان كذلك.
وحكي أيضا: أن عاملا أتى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت الشمس والقمر اقتتلا، فقال له عمر: مع من كنت؟ قال: مع القمر، فقال: مع الآية الممحوة والله لا وليت لي عملا فعزله. ثم اتفق أن عليا رضي الله تعالى عنه وقع بينه وبين معاوية ما وقع فكان ذلك الرجل مع معاوية.
وأما من مهر في تعبير الرؤيا فهو ابن سيرين. جاءه رجل فقال له: رأيت كأني أسقي شجرة زيتون زيتا، فاستوى جالسا فقال: ما التي تحتك؟ قال: علجة اشتريتها، وفي رواية جارية، وأنا أطأها فقال: أخاف أن تكون أمك فكشف عنها فوجدها أمه.
وجاءه رجل فقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به فروج النساء وأفواه الرجال، فقال له: أنت مؤذن تؤذن بالليل فتمنع الرجال والنساء من الأكل والوطء. وجاءه رجل فقال: رأيت جارة لي قد ذبحت في بيت من دارها، فقال: هي امرأة نكحت في ذلك البيت، وكانت امرأة لصديق ذلك الرجل فاغتم لذلك ثم بلغه أن الرجل قدم في تلك الليلة وجامع زوجته في ذلك البيت.
وجاءه رجل معه جراب فقال له: رأيت في النوم كأني أسد الزقاق سدا وثيقا شديدا، فقال له: أنت رأيت هذا؟
قال: نعم، فقال لمن حضره: ينبغي أن يكون هذا الرجل يخنق الصبيان وربما تكون في جرابه آلة الخنق، فوثبوا عليه وفتشوا الجراب فوجدوا فيه أوتارا وحلقا فسلموه إلى السلطان.
وجاءته امرأة وهو يتغدى فقالت له: رأيت في النوم كأن القمر دخل في الثريا، ونادى مناد من فوق أن ائت ابن سيرين فقصي عليه، فتقلصت يده وقال: ويلك كيف رأيت هذا؟ فأعادت عليه فقال لأخته: هذه تزعم أني أموت لسبعة أيام وأمسك يده على فؤاده وقام يتوجع ومات بعد سبعة أيام.
وجاءه رجل فقال: رأيت كأني آخذ البيض وأقشره فآكل بياضه وآلقي صفاره، فقال: إن صدق منامك فأنت نباش الموتى فكان ذلك.
وحكي: أن ابن سيرين رأى الجوزاء قد تقدمت على الثريا فجعل يوصي، وقال: يموت الحسن وأموت بعده.
وهو أشرف مني فمات الحسن ومات بعده بمائة يوم.
وحكي: أن رجلا رأى عيسى عليه السلام فقال له:
يا نبي الله صلبك حق، قال: نعم، فعبره على بعضهم، فقال تكذب رؤياك بقوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
«2» . ولكن هو عائد على الرائي فكان كذلك.
وأتى ابنة مغيث آت في المنام فقال لها:
لك البشيرى بولد
…
أشبه شيء بالأسد
إذا الرجال في كبد
تغالبوا على بلد
…
كان له حظ الأسد
فولدت المختار بن أبي عبيد وذلك في عام الهجرة.
وقال رجل لسعيد بن المسيب: رأيت كأني بلت خلف المقام أربع مرات. قال: كذبت لست صاحب هذه الرؤيا، قال: هو عبد الملك، فقال: يلي أربعة من صلبه الخلافة.
وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: رأيت عليا رضي الله تعالى عنه في المنام فقال لي: ناولني كتبك فناولته إياها فأخذها وبددها فأصبحت أخا كآبة، فأتيت الجعد فأخبرته فقال: سيرفع الله شأنك وينشر علمك.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
من رآني في منامه فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت كأن رأسي قد قطع وأنا أنظر إليه فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: بأي عين كنت تنظر إلى رأسك فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي وأولوا رأسه بنبيه ونظره إليه باتباع سنته.
وقال رجل لعلي بن الحسين: رأيت كأني أبول في يدي، فقال: تحتك محرم فنظروا فإذا بينه وبين امرأته رضاع. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: رأيت كأني نبشت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضممت عظامه إلى صدري فهالني ذلك فسألت ابن سيرين، فقال: ما ينبغي لأحد من أهل هذا الزمان أن يرى هذه الرؤيا، قلت: أنا رأيتها. قال: إن صدقت رؤياك لتحيين سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة بشارة للمؤمن بما له عند الله من الكرامة في الدنيا والآخرة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تضرعت إلى ربي سنة أن يريني أبي في النوم حتى رأيته وهو يمسح العرق عن جبينه، فسألته فقال: لولا رحمة الله لهلك أبوك. إنه سألني عن عقال بعير للصدقة، فسمع بذلك عمر بن عبد العزيز فصاح وضرب بيده على رأسه وقال: فعل هذا بالتقي الطاهر فكيف بالمقترف عمر بن عبد العزيز. رضي الله عنهم أجمعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم.
الباب الحادي والستون في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى بلوغ المقاصد والتيقظ والتبصر
الحيلة من فوائد الآراء المحكمة وهي حسنة ما لم يستبح بها محظور، وقد سئل بعض الفقهاء عن الحيل في الفقه فقال: علمكم الله ذلك فإنه قال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
«1» وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة، ورّى بغيرها «2» ، وكان يقول:«الحرب خدعة» .
ولما أراد عمر رضي الله عنه قتل الهرمزان استسقى ماء فأتوه بقدح فيه ماء، فأمسكه في يده واضطرب فقال له عمر لا بأس عليك حتى تشربه، فألقى القدح من يده فأمر عمر بقتله: فقال: أو لم تؤّمني؟ قال: كيف أمنتك. قال: قلت لا بأس عليك حتى تشربه وقولك لا بأس عليك أمان ولم أشربه، فقال عمر: قاتلك الله أخذت مني أمانا ولم أشعر.
وقيل: كان دهاة العرب أربعة، كلهم ولدوا بالطائف:
معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع.
وكان يقال: الحاجة تفتح أبواب الحيل. وكان يقال:
ليس العاقل الذي يحتال للأمور إذا وقع فيها، بل العاقل الذي يحتال للأمور أن لا يقع فيها. وقال الضحاك بن مزاحم لنصراني: لو أسلمت، فقال: ما زلت محبا للإسلام إلا أنه يمنعني منه حبي للخمر، فقال: أسلم واشربها، فلما أسلم قال له: قد أسلمت، فإن شربتها حديناك وإن ارتددت قتلناك، فاختر لنفسك، فاختار الإسلام وحسن إسلامه، فأخذه بالحيلة.
وقيل: دليت من السماء سلسلة في أيام داود عليه الصلاة والسلام عند الصخرة التي في وسط بيت المقدس، وكان الناس يتحاكمون عندها فمن مد يده إليها وهو صادق نالها ومن كان كاذبا لم ينلها إلى أن ظهرت فيهم الخديعة، فارتفعت، وذلك أن رجلا أودع رجلا جوهرة، فخبأها في مكانه في عكازة، ثم إن صاحبها طلبها من الذي أودعها عنده فأنكرها، فتحاكما عند السلسلة، فقال المدعي:
اللهم إن كنت صادقا فلتدن مني السلسلة، فدنت منه فمسها، فدفع المدعى عليه العكازة للمدعي وقال: اللهم إن كنت تعلم أني رددت الجوهرة إليه، فلتدن مني السلسلة، فدنت منه فمسّها، فقال الناس: قد سوت السلسلة بين الظالم والمظلوم، فارتفعت بشؤم الخديعة، وأوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام:«أن احكم بين الناس بالبينة واليمين» . فبقي ذلك إلى قيام الساعة.
وكان المختار بن أبي عبيدة الثقفي من دهاة ثقيف وثقيف دهاة العرب، قيل: أنه وجه إبراهيم بن الأشتر إلى حرب عبيد الله بن زياد، ثم دعا برجل من خواصه، فدفع إليه حمامة بيضاء وقال له: إن رأيت الأمر عليكم فأرسلها، ثم قال للناس: إني لأجد في محكم الكتاب، وفي اليقين والصواب أن الله ممدكم بملائكة غضاب صعاب، تأتي في صور الحمام تحت السحاب. فلما كادت الدائرة تكون على أصحابه عمد ذلك الرجل إلى الحمامة، فأرسلها، فتصايح الناس: الملائكة الملائكة وحملوا، فانتصروا وقتلوا ابن زياد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: خرجت امرأتان ومعهما صبيان فعدا الذئب على صبي إحداهما فأكله، فاختصما في الصبي الباقي إلى داود عليه الصلاة والسلام فقال: كيف أمركما؟ فقصتا عليه القصة، فحكم به للكبرى منهما، فاختصما إلى سليمان عليه الصلاة والسلام فقال: ائتوني بسكين أشق الغلام نصفين لكل منهما نصف، فقالت الصغرى أتشقه يا نبي الله؟ قال: نعم، قالت: لا تفعل ونصيبي فيه للكبرى، فقال: خذيه، فهو ابنك، وقضى به لها «1» .
وجاء رجل إلى سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام، وقال: يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي، فلا أعرف السارق، فنادى الصلاة جامعة، ثم خطبهم وقال في خطبته: وإن أحدكم ليسرق أوز جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح الرجل رأسه، فقال سليمان:
خذوه، فهو صاحبكم.
وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة، وكان شابا جميلا، فأرسلت إليهما أن يحضرا عندها، فحضرا وجلست بحيث تراهما وتسمع كلامهما، فلما رأى المغيرة ذلك الشاب، وعاين جماله علم أنها تؤثره عليه، فأقبل على الفتى وقال: لقد أوتيت جمالا، فهل عندك غير هذا؟
قال: نعم. فعدد محاسنه ثم سكت. فقال له المغيرة:
كيف حسابك مع أهلك؟ قال: ما يخفى عليّ منه شيء وإني لأستدرك منه أدق من الخردل. فقال المغيرة: لكني أضع البدرة في بيتي، فينفقها أهلي على ما يريدون فلا أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها. فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إليّ من هذا الذي يحصي علي مثقال الذرة، فتزوجت المغيرة.
وبلغ عضد الدولة أن قوما من الأكراد يقطعون الطريق، ويقيمون في جبال شامخة ولا يقدر عليهم، فاستدعى بعض التجار ودفع إليه بغلا عليه صندوقان فيهما حلوى مسمومة كثيرة الطيب في ظروف فاخرة، ودنانير وافرة، وأمره أن يسير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية لإحدى نساء الأمراء، ففعل التاجر ذلك، وسار أمام القافلة، فنزل القوم، فأخذوا الأمتعة والأموال، وانفرد أحدهم بالبغل، وصعد به الجبل، فوجد به الحلوى، فقبح على نفسه أن ينفرد بها دون أصحابه، فاستدعاهم، فأكلوا على مجاعة، فماتوا عن آخرهم، وأخذ أرباب الأموال أموالهم.
وأتي لبعض الولاة برجلين قد اتهما بسرقة، فأقامهما بين يديه، ثم دعى بشربة ماء، فجيء له بكوز، فرماه بين يديه، فارتاع أحدهما وثبت الآخر، فقال للذي ارتاع: اذهب إلى حال سبيلك، وقال للآخر: أنت أخذت المال، وتلذذت به، وتهدده فأقر، فسئل عن ذلك، فقال: إن اللص قوي القلب، والبريء يجزع ولو تحرك عصفور لفزع منه.
وقصد رجل الحج، فاستودع إنسانا مالا، فلما عاد طلبه منه، فجحده المستودع، فأخبر بذلك القاضي أياسا، فقال: أعلم بأنك جئتني؟ قال: لا، قال: فعد إليّ بعد يومين، ثم إن القاضي إياسا بعث إلى ذلك الرجل، فأحضره، ثم قال له: إعلم أنه قد تحصلت عندي أموال كثيرة لأيتام وغيرهم وودائع للناس وإني مسافر سفرا بعيدا وأريد أن أودعها عندك لما بلغني من دينك وتحصين منزلك، فقال: حبا وكرامة. قال: فاذهب وهيىء موضعا للمال وقوما يحملونه، فذهب الرجل وجاء صاحب الوديعة، فقال له القاضي إياس: امض إلى صاحبك، وقل له إدفع إليّ مالي وإلا شكوكتك للقاضي أياس، فلما جاء، وقال له ذلك دفع إليه ماله واعتذر إليه، فأخذه وأتى إلى القاضي إياس وأخبره. ثم بعد ذلك أتى الرجل ومعه الحمالون لطلب الأموال التي ذكرها له القاضي، فقال له القاضي بعد أن أخذ الرجل ماله منه: بدا لي ترك السفر امض لشأنك لا أكثر الله في الناس مثلك.
ولما أراد شيرويه قتل أبيه ابرويز قال إبرويز للداخل عليه ليقتله: إني لأدلك على شيء فيه غناك لوجوب حقك عليّ. قال: وما هو؟ قال: الصندوق الفلاني فلما قتله وذهب إلى شيرويه وأخبره الخبر، فأخرج الصندوق فإذا فيه حق فيه حب، ورقعة مكتوب فيها: من تناول منه حبة