الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسره، فإذا حدث به أحدا قال: اكتمه عليّ.
قال الشاعر:
إذا المرء أفشى سرّه بلسانه
…
ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
…
فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال آخر:
إذا ما ضاق صدرك عن حديث
…
وأفشته الرجال فمن تلوم
وإن عاتبت من أفشى حديثي
…
وسري عنده فأنا الملوم
وقال صالح بن عبد القدوس: لا تودع سرك إلى طالبه، فالطالب للسر مذيع، ولا تودع مالك عند من يستدعيه، فالطالب للوديعة خائن. وقيل لأعرابي: ما بلغ من حفظك للسر؟ قال: أفرقه تحت شغاف قلبي ثم أجمعه وأنساه كأني لم أسمعه. وكان أحزم الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شر، فيفشيه عليه.
وقال حكيم: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وقيل:
الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار حمق.
وقال بعضهم:
إذا ما غفرت الذنب يوما لصاحب
…
فلست معيدا ما حييت له ذكرا
ولست إذا ما صاحب خان عهده
…
وعندي له سرّ مذيعا له سرا
وأين هذا من قول القائل:
ولا تودع الأسرار أذني فإنّما
…
تصبّنّ ماء في إناء مثلّم «1»
أو القائل:
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها
…
ولا أدع الأسرار تعلو على قلبي
وإن قليل العقل من بات ليلة
…
تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال آخر:
وإنك كلّما استودعت سرّا
…
أنمّ من النسيم على الرياض
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
أناس أمناهم فنّموا حديثنا
…
فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا «2»
ولله در المتنبي حيث قال:
وللسرّ مني موضع لا يناله
…
نديم ولا يفضي إليه شراب «3»
وقد اقتصرنا من ذلك على هذا القدر اليسير، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب التاسع والثلاثون في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد
وفيه فصول
الفصل الأول في الغدر والخيانة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعجل الأشياء عقوبة البغي» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المكر والخديعة والخيانة في النار» . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ثلاث من كن فيه كنّ عليه. البغي والنكث والمكر.
قال الله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«4» . وقال تعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«5» وقال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«6» . وكم أوقع القدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوقه غدره طوق خزي، فهو على فكّه غير قادر، وأوقعه في خطة خسف وورطة
حتف، فما له من قوة ولا ناصر، ويشهد لصحة هذه الأسباب ما أحاطت به علوم ذوي الألباب من قصة ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وتلخيص معناها أن ثعلبة هذا كان من أنصار النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه يوما وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثر لا تطيقه. ثم أتاه بعد ذلك مرة أخرى، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ثعلبة أما لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت. ثم أتاه بعد ذلك مرة ثالثة، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق نبيا لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه. وعاهد الله تعالى على ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اللهم ارزق ثعلبة ما قال.
فاتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد، فلما كثرت الغنم وتنحّى صار يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر، ويصلي بقية الصلوات في غنمه، فكثرت ونمت حتى بعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد أيضا عن المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ويسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا:
يا رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ويح ثعلبة. فأنزل الله تعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين رجل من بني سليم، ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب «1» الصدقة، وكيف يأخذانها، وقال لهما: مرّا بثعلبة بن حاطب، وبرجل آخر من بني سليم، فخذا صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ انطلقا حتى تفرغا، ثم عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأيا قالا: ما هذا؟ قال: خذاه، فإن نفسي به طيبة، فمرا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ إذهبا حتى أرى رأيا. قال: فذهبا من عنده، وأقبلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهما قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة، فأنزل الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ 75 فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ 76 فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ 77 أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 78
«2» . وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال:
ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة، فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك قد أمرتك، فلم تطعني، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، وقبض «3» رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فلا أقبلها أنا، فقبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ولم يقبلها، فلما ولي عمر رضي الله عنه أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فلم يقبلها منه، وقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر رضي الله عنه، فأنا لا أقبلها؟ وقبض عمر رضي الله عنه، ولم يقبلها، ثم ولي عثمان بن عفان رضي الله عنه، فسأله أن يقبل صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، فأنا لا أقبلها. ثم هلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه.
فانظر إلى سوء عاقبة غدره كيف أذاقه وبال أمره «4» ووسمه بسمة عار «5» قضت عليه بخسره، وأعقبه نفاقا يخزيه يوم فاقته وفقره، فأي خزي أرجح من ترك الوفاء بالميثاق، وأي سوء أقبح من غدر يسوق إلى النفاق، وأي
عار أفضح من نقض العهد إذا عدت مساوىء الأخلاق، وكان يقال: لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء واتّضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم.
قال الشاعر:
غدرت بأمر كنت أنت جذبتنا
…
إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد «1»
ولما حلف محمد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام، وهما وليا عهد، طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس أجد نفسي أن أمري لا يتم، فقلت له: ولم ذلك، أعز الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر وكان كذلك لم يتم أمره.
وورد في أخبار العرب أن الضيزن بن معاوية بن قضاعة، كان ملكا بين دجلة والفرات وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالجوسق وبلغ ملكه الشام فأغار على مدينة سابور ذي الأكتاف، فأخذها وأخذ أخت سابور وقتل منهم خلقا كثيرا، ثم إن سابور جميع جيوشا وسار إلى ضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء، ثم أن النضيرة بنت الضيزن عركت أي حاضت فخرجت من الربض وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقها وعشقته وأرسلت إليه تقول ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ فقال: أحكّمك. فقالت: عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب عليها بحيض جارية ثم أطلقها فإنها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها، وكان ذلك طلمسا لا يهدمها إلا هو، ففعل ذلك.
فقالت له: وأنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم، ففعل ذلك، فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن، واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها «2» ، فلما دخل بها لم تزل ليلتها تتضرّر وتتململ في فراشها وهو من حرير محشو بريش النعام، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس التصقت بعكنتها «3» وأثرت فيها، وقيل: كان ينظر إلى مخ عظمها من صفاء بشرتها، ثم إن سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها. قيل إنه أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطعها، قطعا قطعه الله ما أغدره.
وتقول العرب جزاني جزاء سنّمار، وهو أن أزدجرد بن سابور لما خاف على ولده بهرام وكان قبله لا يعيش له ولد سأل عن منزل صحيح مريء فدّل على ظهر الجزيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان وهو عامله على أرض العرب وأمره أن يبني له جوسقا فامتثل أمره، وبنى له جوسقا كأحسن ما يكون وكان الذي بنى الجوسق رجلا يقال له سنّمار، فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه فقالوا: لو علمت أنكم توفوني أجرته لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث درات، فقالوا وإنك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه، ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق فتقطع، فكانت العرب تقول جزاني جزاء سنمار.
وممن غدر عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، غدر بعلي رضي الله عنه وقتله. وعمرو بن جرموز غدر بالزبير بن العوام رضي الله عنه وقتله، وأبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله، غدر بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقتله. وجعل المنصور العهد إلى عيسى بن موسى ثم غدر به وأخره وقدم المهدي عليه، فقال عيسى:
أينسى بنو العبّاس ذبّي عنهم
…
بسيفي ونار الحرب زاد سعيرها
فتحت لهم شرق البلاد وغربها
…
فذلّ معاديها وعزّ نصيرها
أقطّع أرحاما عليّ عزيزة
…
وأبدي مكيدات لها وأثيرها
فلما وضعت الأمر في مستقره
…
ولاحت له شمس تلألأ نورها
دفعت عن الأمر الذي أستحقّه
…
وأوسق أوساقا من الغدر عيرها «4»
وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتى ألجأوها إلى خباء أعرابي فأجارها وجعل يطعمها ويسقيها، فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت، فجاء ابن عمه يطلبه، فوجده ملقى فتبعها حتى قتلها، وأنشد يقول:
ومن يصنع المعروف مع غير أهله
…
يلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر