الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان عبد الله بن عبيدة الريحاني يهوى جارية، فزارته يوما، فأقام يحدثها ويشكو إليها ألم الفراق، فحان وقت الظهر، فناداه إنسان الصلاة يا أبا الحسن، فقال له:
رويدك حتى تزول الشمس أي حتى تقوم الجارية.
وقالت ليلى العامرية في قيسها:
لم يكن المجنون في حالة
…
إلا وقد كنت كما كانا
لكنه باح بسرّ الهوى
…
وإنّني قد ذبت كتمانا
وقال أحمد بن عثمان الكاتب:
وإنّي ليرضيني الممر ببابها
…
وأقنع منها بالشتيمة والزجر
وقال الفتح بن خاقان صاحب المتوكل:
أيّها العاشق المعذّب صبرا
…
فخطايا أخي الهوى مغفورة
زفرة في الهوى أحط لذنب
…
من غزاة وحجّة مبرورة
وقال عمر بن أبي ربيعة: كنت بين امرأتين هذه تساررني وهذه تعضني فما شعرت بعضة هذه من لذة هذه، وأنشد شيبان العذري يقول:
لو حزّ بالسيف رأسي في محبّتها
…
لطار يهوي سريعا نحوها رأسي
وقال يحيى بن معاذ الرازي: لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابا.
الفصل الثاني من هذا الباب فيمن عشق وعف والافتخار بالعفاف
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشق فعف، فمات، فهو شهيد، وقال صلى الله عليه وسلم: عفوا تعف نساؤكم.
وقال بعضهم: رأيت امرأة مستقبلة البيت في غاية الضعف والنحافة رافعة يديها تدعو، فقلت لها: هل من حاجة؟ فقالت: حاجتي أن تنادي في الموقف بقولي:
تزوّد كلّ الناس زادا يقيهم
…
ومالي زاد والسلام على نفسي
فناديت كما أمرتني، وإذا بفتى نحيل الجسم قد أقبل إليّ، فقال: أنا الزاد، فمضيت به إليها، فما زاد على النظر والبكاء، ثم قالت له: انصرف بسلام، فقلت: ما علمت أن لقاء كما يقتصر على هذا، فقالت: أمسك يا هذا، أما علمت أن ركوب العار ودخول النار شديد؟
قال إبراهيم بن محمد المهلبي:
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني
…
منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني
…
منه الفكاهة والتأنيس والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم
…
وليس لي في حرام منهم وطر «1»
كذلك الحبّ لا إتيان معصية
…
لا خير في لذّة من بعدها سقر «2»
وقال بعض بني كلب:
إن أكن طامح اللحاظ «3» فإنّي
…
والذي يملك الفؤاد عفيف
ونحو ذلك قول القائل:
فقالت بحق الله إلّا أتيتنا
…
إذا كان لون الليل شبه الطيالس
فجئت وما في القوم يقظان غيرها
…
وقد نام عنها كل واش وحارس
فبتنا بليل طيّب نستلذه
…
جميعا ولم أقلب لها كفّ لامس
ونزل رجل على صديق له مستترا خائفا من عدو له، فأنزله في منزله وتركه فيه، وسافر لبعض حوائجه، وقال لامرأته: أوصيك بضيفي هذا خيرا، فلما عاد بعد شهر قال لها: كيف ضيفنا: قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء، وكان الضيف قد أطبق عينيه، فلم ينظر إلى امرأة صاحبه ولا إلى منزله إلى أن عاد من سفره.
وكان عمر بن أبي ربيعة عفيفا يصف ويعف ويحوم ولا يرد.
ودخلت بثينة على عبد الملك بن مروان، فقال لها يا بثينة: ما أرى فيك شيئا مما كان يقوله جميل، فقالت:
يا أمير المؤمنين، إنه كان يرنو إليّ بعينين ليستا في رأسك،
قال: فكيف رأيتيه في عشقه؟ قالت: كان كما قال الشاعر:
لا والذي تسجد الجباه له
…
مالي بما تحت ذيلها خبر
ولا بفيها ولا هممت بها
…
ما كان إلّا الحديث والنظر
وقد قدمت هذين البيتين في الجزء الأول، فيما جاء في الكتابة على سبيل الرمز وعن أبي سهل الساعدي قال: دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت، فقال لي: يا أبا سهل، إن رجلا يلقى الله ولم يسفك دما، ولم يشرب خمرا، ولم يأت فاحشة أفترجو له الجنة؟ قلت: أي والله، فمن هو؟ قال: إني لأرجو أن أكون ذلك، فذكرت له بثينة، فقال: إني لفي آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت حدثت نفسي بريبة قط.
وعن عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعته بغي إلى نفسها، وبذلت له مالا، وكانت تتكهن وتسمع بإتيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت جميلة، فأرادت أن تخدع عبد الله رجاء أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم منها للنور الذي رأته بين عينيه، فأبى وقال:
أمّا الحرام فالحمام دونه
…
والحلّ لا حل فنستبينه «1»
فكيف بالأمر الذي تبغينه
…
يحمي الكريم عرضه ودينه
وقال آخر:
وأحور مخضوب البنان محجّب
…
دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها
بخلت بنفسي عن مقام يشينها
…
ولست مريدا ذاك طوعا ولا كرها «2»
وراود شاب ليلى الأخيلية عن نفسها فاشمأزت، وقالت:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها
…
فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه
…
وأنت لأخرى صاحب وخليل
وقال ابن ميادة:
موانع لا يعطين حبّة خردل
…
وهنّ دوان في الحديث أوانس «3»
ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة
…
كما كرهت صوت اللجام الشوامس «4»
وقال آخر:
حور حرائر ما هممن بريبة
…
كظباء مكّة صيدهنّ حرام
يحسبن من لين الكلام فواسقا
…
ويصدّهن عن الخنى الإسلام «5»
وكان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف:
أتأذنون لصبّ في زيارتكم
…
فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يظهر الشوق إن طال الجلوس به
…
عفّ الضمير ولكن فاسق النظر
واختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر، فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، وكانت واحدة زمانها في الحسن والأدب طلبت منها بخمسمائة ألف درهم، فهويها إبراهيم، وكره أن يراودها عن نفسها، فغنى يوما وهي قائمة على رأسه:
يا غزالا لي إليه
…
شافع من مقلتيه
أنا ضيف وجزاء الم
…
ضيف إحسان إليه
ففهمت الجارية ما أراد، فحكت ذلك لمولاتها فقالت:
إذهبي إليه، فأعلميه أني وهبتك له، فعادت إليه، فلما رآها أعاد البيتين، فأكبت عليه، فقال لها: كفى، فلست بخائن، فقالت: قد وهبتني لك مولاتي وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.
وأنشد المبرد:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة
…
إلّا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى فاحش مددت يدي
…
ولا مشت بي لزلة قدم
وقال آخر:
يقول لا تنظر فذاك بلية
…
بلى كل ذي عينين لا بدّ ناظر
وهل باكتحال العين بالعين ريبة
…
إذا عفّ فيما بينهنّ السرائر «1»
وكان بعض الخلفاء قد نذر على نفسه أن لا ينشد شعرا، ومتى أنشد بيت شعر فعليه عتق رقبة. قال: فبينما هو في الطواف يوما إذ نظر إلى شاب يتحدث مع شابة جميلة الوجه، فقال له: يا هذا اتق الله أفي مثل هذا المكان؟ فقال يا أمير المؤمنين: والله ما ذاك لخنى، ولكنها ابنة عمي وأعز الناس عليّ وإن أباها منعني من تزوجها لفقري وفاقتي، وطلب مني مائة ناقة، ومائة أوقية من الذهب، ولم أقدر من ذلك. قال: فطلب الخليفة أباها، ودفع إليه ما اشترطه على ابن أخيه، ولم يقم من مقامه حتى عقد له عليها، ثم دخل الخليفة إلى بيته وهو يترنم ببيت من الشعر، فقالت له جارية من حظاياه: أراك اليوم ما مولاي تنشد الشعر، أفنسيت ما نذرت أم تراك قد هويت، فأنشد هذه الأبيات يقول:
تقول وليدتي لما رأتني
…
طربت وكنت قد أسليت حينا
أراك اليوم قد أحدثت عهدا
…
وأورثك الهوى داء دفينا
بحقك هل سمعت لها حديثا
…
فشاقك أو رأيت لها جبينا
فقلت شكا إليّ أخ محبّ
…
كمثل زماننا إذ تعلمينا
وذو الشجو القديم وإن تعزّى
…
محبّ حين يلقى العاشقينا
ثم عدّ الأبيات فإذا هي خمسة أبيات، فأعتق خمس رقاب، ثم قال: لله درك من خمسة أعتقت خمسة، وجمعت بين رأسين في الحلال «2» .
وروي عن عثمان الضحاك قال: خرجت أريد الحج فنزلت بخيمة بالأبواء فإذا بجارية جالسة على باب الخيمة، فأعجبني حسنها فتمثلت بقول نصيب.
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب
…
وقل لا تملينا فما ملّك القلب
فقالت: يا هذا أتعرف قائل هذا البيت؟ قلت: بلى هو نصيب، فقالت: أتعرف زينبه؟ قلت: لا. قالت: أنا زينبه. قلت: حياك الله وحباك. قالت: أما والله إن اليوم موعده، وعدني العام الأول بالاجتماع في هذا اليوم، فلعلك أن لا تبرح حتى تراه. قال: فبينما هي تكلمني إذا أنا براكب قالت: ترى ذلك الراكب؟ قلت: نعم. قالت:
إني لأحسبه إياه، فأقبل فإذا هو نصيب، فنزل قريبا من الخيمة، ثم أقبل فسلم، ثم جلس قريبا منها، فسألته أن ينشدها، فأنشدها، فقلت في نفسي: محبان قد طال التنائي بينهما، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة، فقمت إلى بعيري لأشد عليه، فقال: على رسلك إني معك، فجلست حتى نهض معي فسرنا وتسامرنا، فقال لي: أقلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة. قلت: نعم قد كان ذلك. قال: ورب البيت منذ أحببتها ما جلست منها مجلسا هو أقرب من مجلسي هذا، فتعجبت لذلك، وقلت: والله هذه هي العفة في المحبة.
وعن محمد بن يحيى المدني قال: سمعت بعض المدنيين يقول: كان الرجل إذا أحب الفتاة يطوف حول دارها حولا يفرح أن يرى من يراها، فإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار، واليوم هو يشير إليها، وتشير إليه ويعدها وتعده، فإن التقيا لم يتشاكيا حبا ولم يتناشدا شعرا بل يقوم إليها، ويجلس بين شعبتيها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة.
وقال الأصمعي: قلت لأعرابية: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: الضمة والغمزة والقبلة، ثم أنشأت تقول:
ما الحبّ إلّا قبلة
…
وغمز كف وعضد
ما الحبّ إلّا هكذا
…
إن نكح الحبّ فسد
ثم قالت: كيف تعدون أنتم العشق؟ قلت: نمسك بقرنيها ونفرق بين رجليها. قالت: لست بعاشق أنت طالب ولد، ثم أنشأت تقول:
قد فسد العشق وهان الهوى
…
وصار من يعشق مستعجلا
يريد أن ينكح أحبابه
…
من قبل أن يشهد أو ينحلا
وقيل لرجل: وقد زفت عشيقته على ابن عم لها:
أيسرك أن تظفر بها الليلة؟ قال: نعم والذي أمتعني بحبها وأشقاني بطلبها. قيل، فما كنت صانعا بها قال: كنت أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بما يبقى ذميم عاره، وينشر قبيح أخباره، إني إذن للئيم لم يلدني كريم.
ومر سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في ليلة في بعض سكك المدينة، فسمع امرأة تقول:
ألا طال هذا الليل وازوّر جانبه «1»
…
وليس إلى جنبي خليل ألا عبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبه
…
لحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربّي والحياء يعفّني
…
وإكرام بعلي أن تنال مراتبه
قال، فسأل عمر رضي الله تعالى عنه عنها، فقيل له:
إنها امرأة فلان، وله في الغزاة ثمانية أشهر، فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يغيب الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.
ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في كتاب تلقيح فهوم الأثر عن محمد بن عثمان بن أبي خيثمة السلمي عن أبيه عن جده قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يطوف ذات ليلة في سكك المدينة إذ سمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
…
أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل
…
سهل المحيا كريم غير ملجاج «2»
تنميه أعراق صدق حين تنسبه
…
أخي وفاء عن المكروب فرّاج
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لا أرى معي بالمدينة رجلا تهتف به العواتق «3» في خدورهن «4» . عليّ بنصر بن حجاج، فلما أصبح أتي بنصر بن حجاج، فإذا هو من أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا، فقال عمر: عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك، فأخذ من شعره، فخرج من عنده وله وجنتان كأنهما شقتا قمر، فقال له:
اعتم فاعتم، فافتتن الناس بعينيه، فقال له عمر: والله لا تساكنني في بلدة أنا فيها، فقال يا أمير المؤمنين: ما ذنبي؟
قال: هو ما أقول لك، ثم سيره إلى البصرة وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدر من عمر إليها شيء فدست إليه المرأة أبياتا وهي:
قل للإمام الذي تخشى بوادره
…
مالي وللخمر أو نصر بن حجاج
لا تجعل الظنّ حقّا أن تبيّنه
…
إن السبيل سبيل الخائف الراجي
إن الهوى زمّ بالتقوى فتحبسه
…
حتى يقرّ بإلجام وإسراج
قال، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وقال: الحمد لله الذي زم الهوى بالتقوى قال: وطال مكث نصر بن حجاج بالبصرة، فخرجت أمه يوما بين الأذان والإقامة متعرضة لعمر فإذا هو قد خرج في إزار ورداء وبيده الدرة، فقالت له: يا أمير المؤمنين والله لأقفن أنا وأنت بين يدي الله تعالى، وليحاسبك الله أيبيتن عبد الله وعاصم إلى جنبيك، وبيني وبين ابني الفيافي، والأودية، فقال لها: إن ابني لم تهتف بهما العواتق في خدورهن، ثم أرسل عمر إلى البصرة بريدا إلى عتبة بن غزوان فأقام أياما ثم نادى عتبة من أراد أن يكتب إلى أمير المؤمنين، فليكتب، فإن البريد خارج، فكتب نصر بن حجاج: بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليك يا أمير المؤمنين أما بعد، فاسمع مني هذه الأبيات:
لعمري لئن سيرتني أو حرمتني
…
وما نلت من عرضي عليك حرام
فأصبحت منفيّا على غير ريبة
…
وقد كان لي بالمكّتين مقام
لئن غنت الذلفاء يوما بمنية
…
وبعض أماني النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده
…
بقاء ومالي جرمة فألام
فيمنعني ممّا تقول تكرّمي
…
وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها ممّا تقول صلاتها
…
وحال لها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي
…
فقد جبّ مني كاهل وسنام «5»