الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورأى الإسكندر سميّا له لا يزال ينهزم، فقال له يا رجل: إما أن تغير فعلك، وإما أن تغير إسمك.
ووقع في بعض العساكر ضجة، فوثب خراساني إلى دابته ليلجمها، فصيّر اللجام في الذنب من الدهش، وقال يخاطب الفرس: هب جبهتك عرضت، فناصيتك كيف طالت.
وخرج أسلم بن زرعة الكلابي في ألفين لمحاربة أبي بلال مرداس، وكان مرداس في أربعين، فانهزم أسلم منه، فلاموه على ذلك، وذمه ابن أبي زياد، فقال: لأن يذمني ابن أبي زياد حيا أحب إليّ من أن يمدحني ميتا. وكان أسلم بعد ذلك إذا خرج إلى السوق ومر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك، فكبر ذلك عليه، فشكاهم إلى ابن أبي زياد، فأمر صاحب الشرطة أن يكفهم عنه. وفي ذلك يقول بعضهم شعرا:
يقول جبان القوم في حال سكره
…
وقد شرب الصهباء هل من مبارز
وأين الخيول الأعوجيات في الوغى
…
أنازل منهم كلّ ليث مناهز «1»
ففي السكر قيس وابن معدي وعامر
…
وفي الصحو تلقاه كبعض العجائز
هذا ما انتهى إلينا من هذا الباب، والحمد لله الكريم الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.
الباب الثاني والأربعون في المدح والثناء وشكر النعمة والمكافأة
وفيه فصول
الفصل الأول في المدح والثناء
المدح وصف الممدوح بأخلاق يمدح عليها صاحبها، يكون نعتا حميدا، وهذا يصح من المولى في حق عبده، فقد قال الله تعالى في حق نبيه أيوب عليه الصلاة والسلام:
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
«2» . وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ 4
«3» وقال تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ 1 الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ 2
«4» .
إلى آخر الآية، فعلى هذا يجوز مدح الإنسان بما فيه من الأخلاق الحميدة. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب» «5» ! فقد قال العتبي: هو المدح الباطل والكذب، وأما مدح الرجل بما فيه فلا بأس به.
وقد مدح أبو طالب والعباس وحسان وكعب وغيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا، وقد مدح هو صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار رضي الله عنه.
وفي حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الرد عليه، والثاني كأنه يقال له: بكفّيك التراب. وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.
ومدح سارية الديلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سارية الذي أمره عمر رضي الله عنه على السرية، وناداه في خطبته بقوله: يا سارية الجبل، فمن مدحه في رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
فما حملت من ناقة فوق ظهرها
…
أبر وأوفى ذمة من محمد
وهو أصدق بيت قالته العرب.
ومن أحسن ما مدحه به حسان رضي الله عنه قوله:
وأحسن منك لم تر قطّ عيني
…
وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرّأ من كل عيب
…
كأنك قد خلقت كما تشاء
ومن أحسن ما مدحه به عبد الله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه قوله:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة
…
كانت بديهته تنبيك بالخبر
ولما حججت وزرته صلى الله عليه وسلم، تطفلت على جنابه المعظم وامتدحته بأبيات مطولة، وأنشدتها بين يديه بالحجرة الشريفة تجاه الصندوق الشريف وأنا مكشوف الرأس، وأبكي من جملتها:
يا سيد السادات جئتك قاصدا
…
أرجو رضاك وأحتمي بحماكا
والله يا خير الخلائق إنّ لي
…
قلبا مشوقا لا يروم سواكا
ووحق جاهك إنني بك مغرم
…
والله يعلم إنني أهواكا
أنت الذي لولاك ما خلق امرؤ
…
كلّا ولا خلق الورى لولاكا
أنت الذي من نورك البدر اكتسى
…
والشمس مشرقة بنور بهاكا
أنت الذي لمّا رفعت إلى السما
…
بك قد سمت وتزينت لسراكا «1»
أنت الذي ناداك ربك مرحبا
…
ولقد دعاك لقربه وحباكا «2»
أنت الذي فينا سألت شفاعة
…
ناداك ربك لم تكن لسواكا
أنت الذي لمّا توسل آدم
…
من ذنبه بك فاز وهو أباك
وبك الخليل دعا فعادت ناره
…
بردا وقد خمدت بنور سناكا «3»
ودعاك أيوب لضر مسّه
…
فأزيل عنه الضر حين دعاكا
وبك المسيح أتى بشيرا مخبرا
…
بصفات حسنك مادحا لعلاكا
وكذاك موسى لم يزل متوسّلا
…
بك في القيامة مرتج لنداكا
والأنبياء وكلّ خلق في الورى
…
والرسل والأملاك تحت لواكا
لك معجرات أعجزت كل الورى
…
وفضائل جلّت فليس تحاكى «4»
نطق الذراع بسمّه لك معلنا
…
والضب قد لبّاك حين أتاكا
والذئب جاءك والغزالة قد أتت
…
بك تستجير وتحتمي بحماكا
وكذا الوحوش أتت إليك وسلّمت
…
وشكا البعير إليك حين رآكا
ودعوت أشجارا أتتك مطيعة
…
وسعت إليك مجيبة لنداكا
والماء فاض براحتيك وسبّحت
…
صمّ الحصى بالفضل في يمناكا
وعليك ظلّلت الغمامة في الورى
…
والجذع حنّ إلى كريم لقاكا «5»
وكذاك لا أثر لمشيك في الثرى
…
والصخر قد غاصت به قدماكا
وشفيت ذا العاهات من أمراضه
…
وملأت كلّ الأرض من جدواكا «6»
ورددت عين قتادة بعد العمى
…
وابن الحصين شفيته بشفاكا
وكذا حبيب وابن عفرا عندما
…
جرحا شفيتهما بلمس يداكا
وعلي من رمد به داويته
…
في خيبر فشفي بطيب لماكا «7»
وسألت ربّك في ابن جابر بعدما
…
قد مات أحياه وقد أرضاكا
ومسست شاة لأمّ معبد بعدما
…
نشفت فدرّت من شفا رقياكا
ودعوت عام المحل ربّك معلنا
…
فانهلّ قطر السحب عند دعاكا
ودعوت كلّ الخلق فانقادوا إلى
…
دعواك طوعا سامعين نداكا
وخفضت دين الكفر يا علم الهدى
…
ورفعت دينك فاستقام هناكا
أعداك عادوا في القليب بجهلهم
…
صرعى وقد حرموا الرضا بجفاكا «1»
في يوم بدر قد أتتك ملائك
…
من عند ربّك قاتلت أعداكا
والفتح جاءك يوم فتحك مكة
…
والنصر في الأحزاب قد وافاكا
هود ويونس من بهاك تجمّلا
…
وجمال يوسف من ضياء سناكا
قد فقت يا طه جميع الأنبيا
…
نورا فسبحان الذي سوّاكا
والله يا ياسين مثلك لم يكن
…
في العالمين وحق من نبّاكا «2»
عن وصفك الشعراء يا مدثر
…
عجزوا وكلّوا عن صفات علاكا «3»
إنجيل عيسى قد أتى بك مخبرا
…
وأتى الكتاب لنا بمدح حلاكا
ماذا يقول المادحون وما عسى
…
أن يجمع الكتّاب من معناكا
والله لو أنّ البحار مدادهم
…
والعشب أقلام جعلن لذاكا
لم تقدر الثقلان تجمع ذرة
…
أبدا وما اسطاعوا له إدراكا
لي فيك قلب مغرم يا سيدي
…
وحشاشة محشوة بهواكا
فإذا سكتّ ففيك صمتي كلّه
…
وإذا نطقت فمادح علياكا
وإذا سمعت فعنك قولا طيبا
…
وإذا نظرت فلا أرى إلّاكا
يا مالكي كن شافعي من فاقتي
…
إنّي فقير في الورى لغناكا
يا أكرم الثقلين يا كنز الورى
…
جد لي بجودك وارضني برضاكا
أنا طامع في الجود منك ولم يكن
…
لابن الخطيب من الأنام سواكا
فعساك تشفع فيه عند حسابه
…
فلقد غدا مستمسكا بعراكا «4»
ولأنت أكرم شافع ومشفع
…
ومن التجا لحماك نال وفاكا
فاجعل قراي شفاعة لي في غد
…
فعسى أرى في الحشر تحت لواكا
صلّى عليك الله يا خير الورى
…
ما حنّ مشتاق إلى مثواكا
وعلى صحابتك الكرام جميعهم
…
والتابعين وكل من والاكا
وماذا عسى أن يقول المادحون في وصف من مدحه الله تعالى وأثنى عليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«أنا سيد ولد آدم، ولا فخر» ، والله لو أن البحار مداد، والأشجار أقلام، وجميع الخلائق كتّاب لما استطاعوا أن يجمعوا النزر اليسير من بعض صفاته، ولكلّوا عن الإتيان ببعض بعض وصف معجزاته صلى الله عليه وسلم.
ومدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال له: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال: ما مدحتك، ولكن ذكّرتك نعم الله عليك لتجدد لها شكرا، فقال له هشام: هذا أحسن من المدح، ووصله وأكرمه.
وكتب رجل إلى عبد الله بن يحيى بن خاقان: رأيت نفسي فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، وأيقنت أني حيث انتهي من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
وقال الحارث بن ربيعة في رجل من آل المهلب:
فتى دهره شطران فيما ينوبه
…
ففي بأسه شطر وفي جوده شطر
فلا من بغاة الخير في عينه قذى
…
ولا من زئير الحرب في أذنه وقر «5»
وقال أعرابي لرجل: لا يذمّ بلد أنت تأويه، ولا يشتكى زمان أنت فيه. وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العكلي، فلما قدم على عبد الملك بن مروان قال: يا أمير
المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فلم يكن بعد ذلك على قلب الحجاج أخفّ منه.
وقال رجل آخر: أنت بستان الدنيا، فقال له: وأنت النهر الذي يسقى منه ذلك البستان. وقال رجل لأبي عمرو الزاهد صاحب كتاب الياقوتة في اللغة: أنت والله عين الدنيا، فقال له: وأنت والله نور تلك العين. وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت الثقفي:
قوم إذا نزل الغريب بدارهم
…
تركوه ربّ صواهل وقيان «1»
وإذا دعوتهم ليوم كريهة
…
سدّوا شعاع الشمس بالفرسان
وقال أوس بن حاتم الطائي:
فإن تنكحي مارية الخير حاتما
…
فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همّه
…
فكاك أسير أو معونة غارم
وقال ابن حمدون في آل المهلب:
آل المهلب معشر أمجاد
…
ورثوا المكارم والوفاء فسادوا
شاد المهلب ما بنى آباؤه
…
وأتى بنوه ما بناه فشادوا
وكذاك من طابت مغارس نبته
…
وبنى له الآباء والأجداد
وكان الفرزدق هجّاء لعمر بن هبيرة، فلما سجن ونقب له السجن وسار هو وبنوه تحت الأرض، قال الفرزدق:
ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرها
…
ولم يبق إلّا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعدما
…
ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق هجاني أميرا ومدحني أسيرا.
وقال سري بن عبد الرحمن الرفّاء في خالد بن حاتم:
يا واحد العرب الذي دانت له
…
قحطان قاطبة وساد نزارا
إني لأرجو إن لقيتك سالما
…
أن لا أعالج بعدك الأسفارا «2»
وقال كعب بن مالك الأنصاري في آل هاشم:
يا آل هاشم الإله حباكم
…
ما ليس يبلغه اللسان المفصل
قوم لأصلهم السيادة كلّها
…
قدما وفرعهم النبي المرسل
وقال الحسين بن دعبل الخزاعي:
ملك الأمور بجوده وحسامه
…
شرفا يقود عدوّه بزمامه
فأطاع أمر الجود في أمواله
…
وأطاع أمر الله في أحكامه
وقال آخر:
يلقى السيوف بصدره وبنحره
…
ويقيم هامته مقام المغفر «3»
ويقول للطرف اصطبر لسني القنا
…
فعقرت ركن المجد إن لم تعقر «4»
وإذا تراءى شخص ضيف مقبل
…
متسربل أثواب محل أغبر
أومى إلى الكوماء هذا طارق
…
نحرتني الأعداء إن لم تنحر «5»
وقال شاعر بني تميم:
إذا لبسوا عمائمهم طووها
…
على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم
…
ولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني تميم
…
فأنت لأكرم الثقلين جار
وقالت امرأة، من بني نمير، وقد حضرتها الوفاة، وأهلها مجتمعون: من ذا الذي يقول:
لعمري ما رماح بني نمير
…
بطائشة الصدور ولا قصار
قالوا: زياد الأعجم. قالت: أشهدكم أن له الثلث من مالي، وكان مالا كثيرا.
وأثنى رجل على رجل، فقال: هو أفصح أهل زمانه إذا حدّث، وأحسنهم استماعا إذا حدّث وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة ولا يسأله الفريضة، له نفس عن الفحشاء محصورة وعلى المعالي مقصورة كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان والشمس المنيرة التي لا تخفى بكل مكان، هو النجم المضيء للحيران، والمنهل البارد العذب للعطشان.
وقال الحسن بن هانىء «1» :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح
…
فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحه
…
لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وله في الفضل بن الربيع:
لقد نزلت أبا العباس منزلة
…
ما إن ترى خلفها الأبصار مطّرحا
وكلت بالدهر عينا غير غافلة
…
بجود كفك تأسو كلّ ما جرحا
وقال زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي:
إنّ المنابر أصبحت مختالة
…
بمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجّة
…
يا قرب سورة سؤدد من مولد «2»
ومن بدائع مدائح المتنبي قوله:
ليت المدائح تستوفي مناقبه
…
فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به
…
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وقد وجدت مكان القول ذا سعة
…
فإن وجدت لسانا قائلا فقل
ومدح أبو العتاهية عمرو بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفا وخلع عليه خلعا سنية حتى أنه لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء منه، فجمعهم وقال: يا لله العجب ما أشد حسد بعضكم لبعض إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فيتغزل في قصيدته بخمسين بيتا، فما يبلغنا حتى يذهب رونق شعره، وقد تشبب أبو العتاهية بأبيات يسيرة ثم قال:
إني أمنت من الزمان وصرفه
…
لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله
…
جعلوا له حرّ الوجوه نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنّها
…
قطعت إليك سباسبا ورمالا «3»
فإذا وردن بنا وردن خفائفا
…
وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا «4»
ووفد أبو نواس على الخصيب بمصر، فأذن له وعنده الشعراء، فأنشد الشعراء أشعارهم، فلما فرغوا قال أبو نواس: أنشد أيها الأمير قصيدة هي كعصا موسى تلقف ما صنعوا. قال: أنشدها، فأنشده قصيدته التي منها قوله:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا
…
فأي فتى بعد الخصيب نزور
فتى يشتري حسن الثناء بماله
…
ويعلم أن الدائرات تدور
فما فاته جود ولا ضلّ دونه
…
ولكن يسير الجود حيث يسير
فاهتز الخصيب لها طربا، وأمر له بألف دينار ووصيف ووصيفة.
وحكي: أن أبا دلف سار يوما مع أخيه معقل، فرأيا امرأتين تتماشيان فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف؟
قالت: نعم الذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف
…
بين باديه ومحتضره «5»
فإذا ولّى أبو دلف
…
ولت الدنيا على أثره
فبكى أبو دلف حتى جرت دموعه، فقال له معقل: ما لك يا أخي تبكي؟ فقال: لأني لم أقض حق الذي قال هذا. قال: أولم تعطه مائة ألف درهم؟ قال: والله ما في نفسي حسرة إلا لكوني لم أعطه مائة ألف دينار. ويقال:
هذه المدحة، فأين المنحة؟
قال بعضهم:
إذا ما المدح صار بلا نوال
…
من الممدوح كان هو الهجاء
وامتدح محمد بن سلطان المعروف بابن جيوش، محمد بن نصر صاحب حلب، فأجازه بألف دينار، ثم مات محمد بن نصر، وقام ولده نصر مقامه، فقصده محمد بن سلطان بقصيدة مدحه بها منها:
تباعدت عنكم حرمة لا زهادة
…
وسرت إليكم حين مسّني الضرّ
فجاء أبو نصر بألف تصرّمت
…
وإنّي عليم أنّ سيخلفها نصر
فلما فرغ من إنشادها، قال نصر: والله لو قال:
سيضعفها نصر لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.
ومدح بعض الشعراء وقيل: هو البديع الهمداني إنسانا فقال:
يكاد يحكيه صوب الغيث منسكبا
…
لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا «1»
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت
…
والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقال آخر:
أخو كرم يفضي الورى من بساطه
…
إلى روض مجد بالسماح مجوّد
وكم لجباه الراغبين لديه من
…
مجال سجود في مجالس جود
ويقال: فلان رقيق الجود ودخيله، وزميل الكرم ونزيله، وغرّة الدهر وتحجيله، مواهبه الأنواء، وصدره الدهناء. عونه موقوف على اللهيف، وغوثه مبذول للضعيف، يطفو جوده على موجوده، وهمته على قدرته، ينابيع الجود تتفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. إن طلبت كريما في جوده متّ قبل وجوده، أو ماجدا في أخلاقه متّ ولم تلاقه «2» ، باسل تعود الأقدام حيث تزل الأقدام، وشجاع يرى الإحجام عارا لا تمحوه الأيام، له خلق لو مازح البحر لنفى ملوحته «3» . وصفّى كدورته. خلق كنسيم الأشجار على صفحات الأنهار، وأطيب من زمن الورد في الأيام، وأبهج من نور البدر في الظلام، خلق يجمع الأهواء المتفرقة على محبته ويؤلف الآراء المتشتتة في مودته، هو ملح الأرض إذا فسدت وعمارة الدنيا إذا خربت، يحل دقائق الأشكال، ويزيل جلائل الإشكال. البيان أصغر صفاته والبلاغة عنوان خطراته، كأنما أوحي التوفيق إلى صدره وحبس الصواب بين طبعه وفكره، فهو يبعث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره، والمعاني تتغاير في الامتثال لأوامره، يوجز فلا يخل ويطنب فلا يمل، كلامه يشتد مرة حتى تقول الصخر أو أيبس ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، فهو إذا أنشا وشّى وإذا عبّر جبّر، وإذا أوجز أعجز، تاهت به الأيام وباهت في يمينه الأقلام، له أدب لو تصور شخصا لكان بالقلوب مختصا.
قال الشاعر:
له خلق على الأيام يصفو
…
كما تصفو على الزمن العقار «4»
وقال آخر:
لو كان يحوي الروض ناضر خلقه
…
ما كان يذبل نوره بشتائه «5»
أو قابل الأفلاك طالع سعده
…
ما صار نحس في نجوم سمائه
وقال آخر:
ووجهك بدر في الغياهب مشرق
…
وكفّك في شهب السنين غمام «1»
عجيب لبدر لا يزال أمامه
…
سحاب ولا يغشاه منه ظلام
وأعجب من هذا غمام إذا سطا
…
تلظّى مكان البرق منه حسام
وقال الحسين بن مطير الأسدي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس
…
ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفّه النّدى
…
ويمطر يوم البؤس من كفّه الدم
فلو أنّ يوم البؤس خلّى عقابه
…
على الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أنّ يوم الجود خلّى يمينه
…
عن المال لم يصبح على الأرض معدم
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
والله ما عجبي لقدرك إنه
…
قدر على باغي مداه بعيد «2»
إلّا لكونك لست تشكو وحشة
…
في هذه الدنيا وأنت وحيد «3»
ولصفي الدين الحلّي:
أثني فتثنيني صفاتك مظهرا
…
عيّا وكم أعيت صفاتك خاطبا
لو أنّني والخلق جمعا ألسن
…
نثني عليك لما قضينا الواجبا
وللشيخ برهان الدين القيراطي:
أوصافكم تجري أحاديثها
…
مجرى النجوم الزّهر في الأفق
كما أحاديث الندى عنكم
…
تسنّدها الركبان من طرق «4»
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
روت عنك أخبار المعالي محاسنا
…
كفت بلسان الحال عن ألسن الحمد
فوجهك عن بشر وكفّك عن عطا
…
وخلقك عن نبل ورأيك عن سعد
وقال غيره:
من زار بابك لم تبرح جوارحه
…
تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكفّ عن صلة
…
والقلب عن جابر والسمع عن حسن
ولأبي فراس بن حمدان:
لئن خلق الأنام لحب كأس
…
ومزمار وطنبور «5» وعود
فلم يخلق بنو حمدان إلّا
…
لمجد أو لبأس أو لجود
وقال آخر:
إنّ الهبات التي جاد الكرام بها
…
مطروقة وندى كفّيك مبتكر «6»
ما زلت تسبق حتى قال حاسدكم
…
له طريق إلى العلياء مقتصر
ولمحمد بن مناذر في آل برمك:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك
…
فيا طيب أخبار وأحسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى الندا
…
وأخرى إلى البيت العتيق المنوّر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت
…
بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلّا لجود أكفهم
…
وأقدامهم إلّا لسعي مظفّر
إذا رام يحيى الأمر ذلّت صعابه
…
وناهيك من داع له ومدبّر
ولما عزل إبراهيم بن المنذر عن صدقات البصرة تلقاه مجنون وأنشد: