الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّاني
سَوقُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ سِنِّ عائشة عند زواجها بالنَّبي صلى الله عليه وسلم
فلا يزال علماءُ المسلمينَ منذ عهدِ النُّبوَّةِ إلى وَقتنا الحاضر، مُجمِعين على أنَّ زواجِ النَّبي صلى الله عليه وسلم بعائشةِ تمَّ وعمرها ستُّ سنين، ودخوله بها كان في التَّاسعة من عمرها، هذه مُسلَّمة نقليَّة لم تحتج إلى مَزيد فحصٍ وتَنقير منذ عُلِمت.
ولذا قال ابنُ حزمٍ بعد أن ساقَ روايةَ البخاريِّ ومسلم في سِنِّ زواج عائشة: «هذا سِنُّ عائشةَ مَنصوصٌ، لا تَكلُّف فيه»
(1)
، وقال فيه:«هذا أمرٌ مَشهورٌ، غَنيٌّ عن إيرادِ الإسناد فيه»
(2)
.
وقال ابن عبد البرِّ: «ابتَنى بها صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ وهي ابنة تسعٍ، لا أعلمُهم اختلفوا في ذلك»
(3)
.
وقال ابن كثير: «تزوَّجها وهي ابنةُ ستِّ سنين، وبنَى بها وهي ابنة تسعٍ، ما لا خلافَ فيه بين النَّاس»
(4)
.
(1)
«حجة الوداع» (ص/435).
(2)
«المحلى» (9/ 459).
(3)
«الاستيعاب» (4/ 1881).
(4)
«البداية والنهاية» (4/ 327).
فعلى هذا جرى اعتقادُ الأمَّةِ قرونًا مُتطاولة، إلى أن صارَت هذه الحادثةُ مِن أكثرِ الرِّوايات الحديثيَّة إسالةً لمدادِ الطَّعنِ في صدِقها اليومَ! يتأبَّطُ شرَّ هذه الحَملةِ المغرضةِ جَوقةٌ من الحُقوقِيِّين المُستغربين، وأربابُ النَّزعات النِّسوية الحديثة؛ يقولون لنا مُتحَزِّنين: كيفَ لرجلٍ في مَقامِ النُّبوة، أن يَتزَّوج صَبيَّةً صغيرةً، وينتهكَ فيها براءةَ الطُّفولة؟!
وبذا صارت أخبارُ سِنِّ زواجِ عائشة رضي الله عنها فتنةً لطائفتين:
طائفة كافرةٍ بالدِّين كلِّه، اتَّخَذَتها مَطيَّةً لبَثِّ الشُّبهةِ في قلوبِ المسلمين على رسولِهم الكريم؛ أنَّه مُجرَّدَ كَهلٍ شَهْوانيٍّ لم يَسْلَم مِن سادِيَتِه حتَّى الأطفال! فلا يَفتأ عُبَّاد الصَّليبِ من التَّذكير بهذه الشُّبهة في كلِّ مَحفلٍ يُتيح لهم نفخَ كِيرهم في وجه الإسلامِ وأهلِه
(1)
.
اسمعْ -مثلًا- للقِسِّ المَعْمَدانيِّ (جِيرِي فايْنِز)، كيف عَوَى في إحدى خُطَبِه في حَقِّ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم فقال:«أُعلِنُ بأنَّ الرَّسول كان يَتَحرَّش بالأطفالِ، وتَزوَّج اثنتي عشر زوجةً، إحداهنَّ لها تسعُ سنوات .. »
(2)
.
يقول هذا عدوُّ الله، وهو يَعلم أنَّ مثلَ هذا الزَّواج ممَّا تُقرِّه مِلَّتُه! وفَعَلَه أشياخُه في عصرِ المَسيحيَّة الأولى، فإنَّه يجِدُ في «مَوسوعتِهم الكاثوليكيَّة» ، الإقرارَ بأنَّ مريم البَتولَ خُطِبَت للزَّواج مِن يوسف النَّجار وعمرها لا يجاوِزُ الثِّنتي عشرة سنةً! وكان خَطيبُها على مَشارفِ التِّسعين مِن عمرِه!
(3)
وأمَّا الطَّائفة الثَّانية فتَنْتَسِبُ للإسلامِ، قد رَاعها ضَجيجُ الطَّائفة الأولى، وأقلقَها رُكامُ الشُّبَهِ المَنثورةِ في حقِّ نبيِّنا وزوجِه على صفحاتِ المَجلَّات
(1)
من أشهرهم قِسٌّ مصريٌّ يُدعى (زكريا بُطرس) في كثيرٍ من برامجه التَّلفزيَّة، كبرنامجه «حوار الحقِّ» في قناة (الحياة) الفضائيَّة.
(2)
في مؤتمر سَنويٍّ للكنيسةِ البروتستانتيَّة بمدينةِ سانت لُويس الأمريكيَّة، انظر «معجم افتراءات الغرب على الإسلام» لأحمد محمود زناتي (ص/101).
(3)
انظر رابط المعلومة في موقع الموسوعة الكاثوليكية على الشَّبكة:
Newadvent.org/cathen/0850 a.htm
والشَّبكات، وبرامجِ الفضائيَّات، فطفِقوا تَوقِّيًا مِن صُداعِ ذلك ينكرون الرِّوايةَ بالمرَّة! وحَشدوا لنيلِ وطرِهم في ذلك كلَّ شُبهة نقليَّةٍ أو نَظريَّة، واتَّهموا لذلك فقهاءَ الإسلامِ وأئمَّةَ السُّنةِ بنسبةِ ما لا يَليق نسبتُه للنَّبي صلى الله عليه وسلم! وأنَّهم حُمَّالُ وِزْرِ هذا الغَمز الغربيِّ فيه وفي دينِه!
وكِلا الطَّائفتين على ضَلالٍ مُبين، وإن تَفاوَتتا في درجاتِه.
فالثَّانية -وإن رَامَت في ظاهرِ قولِها الذَّبَ عن الرَّسول ما يَشينُ سيرَته العَطِرة- قد جَنِفَت عن طريقِ الحقِّ في الذَّبِّ عن هذا الدِّين، حتَّى صارَت عِبئًا عليه! كلُّ همِّها طمسُ الحَقائق المُسلَّم بها عند المسلمين، إرضاءً للغَربِ الحاقدِ، ولو على حسابِ منهج النَّقدِ العلميِّ الإسلاميِّ للأحداثِ والوَقائع.
لقد أبانت هذه الفتنة عن رأسِها أوَّلَ أمرِها أواسطَ القرن الماضي على يَدِ بعض المُثقَّفِين في بلادِ مِصر على وجهِ الخصوصِ في حدودٍ ضيِّقة، كان مِن أبرزِهم في ذلك (عبَّاس العَقَّاد)
(1)
في كتابه الذَّائع: «الصِّديقة بنتُ الصِّديق» ، حيث حاوَل جُهدَه هَدَرًا نقضَ رواياتِ سِنِّ زواجِ عائشة رضي الله عنها، وتَكلَّفَ الإقناعَ بكونِ سنِّها وقت ذلك فوق الثِّنْتي عشرة سنة
(2)
.
تَبِعه في ما بعدُ (شَوقي الضَّيف)
(3)
في كتابه «محمَّد خاتم المرسلين» ، لكن بتقدير عُمْريٍّ آخر! تخرَّصَ فيه كونَ عمرِها حين زواجِها قد ناهزَ العشرين سنةً
(4)
.
(1)
عباس بن محمود العقاد (1889 - 1964 م): من أعلام في الأدب في مصر، ومن المكثرين كتابة وتصنيفا مع الإبداع، وُلد سنة 1889 م، أصله من دمياط، كان معلما في بعض المدارس الأهلية، ثم انقطع إلى الكتابة في الصُّحف والتأليف، وظل اسمه لامعا مدة نصف قرن، أخرج في خلالها من تصنيفه ثلاثة وثمانين كتابا في أنواع مختلفة من الأدب الرفيع، منها كتاب «عن الله» و «عبقرية محمد» و «رجعة أبي العلاء» ، توفي سنة (1964 م)، انظر «الأعلام» للزركلي (3/ 266).
(2)
وقد أقام ظنَّه هذا على ثلاث شُبهاتٍ، انظر (ص/57 - 61) من كتابه.
(3)
أحمد شوقي ضيف (1910 - 2005 م): أديب وعالم لُغوي مصري، وُلد في محافظة دمياط سنة 1910 م، له إنتاج علمي وأدبي غزير، وترأس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، من مؤلفاته:«فصول في الشعر ونقده» ، و «العصر الجاهلي» .
(4)
وقد أقام رأيه هذا على شُبهتين، انظر (ص/171) من كتابه.
وقبل هذين الأديبَينِ حازَ شُؤمَ السَّبقِ إلى إنكارِ خبرِ عائشةَ رضي الله عنها رَجل هِنديٌّ يُدعَى (حَقُّ غُو)، في كتابٍ له أسماه «لماذا أنكرتُ الحديث؟!»
(1)
، تصدَّى له وقتها بلديُّه حبيب الرَّحمن الأعظمي (ت 1412 هـ) بردٍّ سمَّاه «نصرة الحديث في الرَّد على منكري الحديث» .
كما قد تَصدَّى بعدُ للرَّدِ على (العقَّاد) ثُلَّة مِن فضلاءِ مصر آنذاك، يَتقدَّمهم مُحدِّثُهم أحمد شاكر (ت 1377 هـ)، في بحثٍ نَشَره في طَيَّاتِ كتابِه «كلمة الحقِّ»
(2)
سنةَ (1363 هـ).
ثمَّ تبِعَه (بِشر الفارس)
(3)
على نقضِ دعاوي العقَّادِ في مجلَّةِ «المقتطف»
(4)
.
مرَّت بعدَ ذلك عُقود خَفَّ فيها الكلام قليلًا في مَوضوعِ سنِّ عائشة رضي الله عنها، غير بِضْع مُناوشاتٍ هناك وهناك مِمَّن يَرى نفسَه مُقتدرًا على الكتابةِ والنَّقدِ وقتَها، وإن كان على باطلٍ في تصوُّراتِه.
إلى أن عادَت الحربُ الغَربيَّة الفكريَّة على الإسلامِ أشدَّ ما تكون في التِّسعيناتِ وما بعدها من القرنِ الماضي، بتِرسانةٍ إعلامِيَّة عَلمانيَّةٍ همجيَّة، فرَضَت نظْرَتَها بالقَهرِ على بيوتاتِ المسلمين.
تَرى توصيفًا لهذه الحالة الانهزاميَّة -فيما نحن بصدد دراسته من الحديث- ماثِلًا في مُثقَّفٍ بحجمِ البروفِيسُور (شَنَفاس T.O.shanavas)
(5)
، وذلك في مَقالٍ له
(1)
نُشر سنة بالهند (1353 هـ-1934 م).
(2)
(ص/164).
(3)
بشر فارس (1907 - 1963 م): أديب لبناني الأصل، مصري المولد والوفاة، تعلم بها، وبجامعة السوربون في باريس (1932 م)، كتب أبحاثا بالفرنسية في دائرة المعارف الإسلامية، وله عدة مؤلفات في الأدب والتراث الإسلامي، انظر «الأعلام» للزركلي (2/ 55).
(4)
عدد صفر 1363 هـ أبريل 1944 م، تحت عنوان:«التعريف والتنقيب» ، وانظر حاشية «كلمة الحق» (ص/164).
(5)
عالم فيزيائيٌّ هنديٌّ مُقيم بـ (ميتشيغن) بالولايات المتحدة، صاحب كتاب «النظرية الإسلامية للتطور» ، ومقاله هذا بعنوان:«هل كانت عائشة عروسًا وهي في السَّادسة؟» ، منشور في مجلة " minaret" الألمانية، وتجده في عدة مواقع إلكترونية ناطقةٍ بالإنجليزية باسم:
(Was ayesha a six yeard old bride?)
نقديٍّ نَشره سنةَ (1999 م)، حيث أنكر حديثَ تزويجِ عائشةَ رضي الله عنها في التَّاسعة، بما يَراه أدلَّةً تاريخيَّةً تُسند مَقالَه، يقول في مُستَهَلِّه:
هذا الكاتب المَجروح مِن أوائلِ مَن تجاسر من المُحْدَثين على إحياءِ مَواتِ الرُّدودِ القديمةِ على حديثِ زواجِ عائشة في التَّاسعة؛ فرَاجَ مقالُه هذا بعد ترجمتِه في مَيادين الفكر العَربيَّة والغربيَّة، سواءٌ بنشرِ نَقَداتِه، أو العَزوِ إليه، أو باستنساخِ مَقالِه، أو بانتحالِ أفكارِه وسَرِقتها
(1)
!
ثمَّ تَقَحَّم النَّاسُ بعدَه حِمَى هذا الحديثِ! مِن غيرِ أثارةِ علمٍ، ولا نَباهة فهم، إلى أن بلَغَ الدَّاء مَن يُحسَب على العلمِ وأهلِه، وفي بلادِ الحَرَمَين نفسِها!
فهذه تُدعَى (سُهيلة زين العابدين)، عضوٌ بالاتِّحادِ العالميِّ لعلماء المسلمين! لا تجِد غضاضةً من أن تستنكِر هذا الحديثَ في مَقالَين مُتتابِعين
(2)
، غايتُهما استنساخُ شُبهاتِ (إسلام بِحيري) المَسروقةِ عينِها دون إبداعِ شبهةٍ! الأمرُ نفسُه اجترحَه كاتبٌ هنديٌّ آخر يُدعَى (راشد شَاز)، في مقالٍ مَنشور بإحدى الجرائد السُّعوديَّة
(3)
، بعنوان:«الإسلام بحاجة لمفسِّرين جُدد» ، اجترَّ فيه نفس الشُّبهات من غير طائل.
(1)
كما تراه من شأنِ كاتبٍ مصريٍّ يُدعى (إسلام بِحيري)، اقتطع جُلَّ فقراتِ مقال هذا الطبيب، بتصرُّفٍ يسير منه في العبارة، ثمَّ نَشَره في صحيفة «اليوم السَّابع» سنة (2008 م) بعنوانٍ آخرَ مُستفزٍّ، على أنَّه مِن بناتِ أفكراه هو ونِتاج عبقريَّتِه! يَظهر هذا الاقتباسُ جَليًّا لِمن قارَن بين المَقَالين.
لكن لم يلبث أن ردَّ عليه د. محمد عِمارة في نفسِ الصَّحيفة بتاريخ (الأربعاء 10 سبتمر 2008 م) بمقال نقديٍّ له حَسنٍ سمَّاه: «الرَّد على مَن طعن في سنِّ زواج عائشة» .
لكنَّ مَقالَ (البحيريِّ) كان أعلا صوتًا من رَدِّ عِمارة، لمزيد ضجيجٍ كان يحدثه حول الموضوع عبر شتَّى القنوات الفضائيَّة والمنابر الإعلاميَّة، والَّتي مَكَّنته مِن نشرِ هُرائِه في ربوع البلاد العربيَّة، ولذا ركزَّت الرَّد على مقاله تحديدًا -وإن كانت معلوماته منتسخةً مِن مقال (شَنَفاس) - لهذا الاعتبار.
(2)
على صفحات جريدة «المدينة» السُّعودية، منشوران بتاريخ 12، 19/ 2/2013 م.
(3)
في صحيفة «الوَطن» السعودية، منشور في 6 فبراير 2009 م.
أمَّا (رزق الطَّويل) فكان السَّباقَ مِن كُتَّابِ الجزيرةِ العَربِيَّة إلى استنكارِ هذه الرِّوايات في سِنِّ عائشة في إحدى مَقالاتِه الصُّحفيَّة
(1)
؛ لم يَلبث أن صكَّه (خليل مُلَّا خاطر) في كتابٍ له بَسيطٍ أسماه: «زواجُ السَّيدة عائشة، ومَشروعية الزَّواج المبكِّر، والرَّد على مُنكري ذلك» .
وهكذا توسَّعت رُقعةُ الشُّبهةِ رويدًا رويدًا، لتبلُغَ أقاصيَ العالم الإسلاميِّ:
فمِن بلادِ السِّندِ شَرقًا: حيث تَقبع شراذمُ المُنكرينَ للسُّنَن، حيث يبرُز رأسُهم (غُلام جِيلَاني)، يُعلنها في جموعِ قُرَّاءِه قائلًا:«إنَّ هذه الأحاديث الَّتي لم تُنقد متونها، هي غير صحيحة، لأنَّ بِنتًا صغيرةً في هذا السِّن، والَّتي كانت في غايةِ الضَّعفِ مِن الحُمَّى الَّتي أصابتها، لا يُمكن أن تَتَحمَّل الجماع!»
(2)
.
إلى بلاد المغربِ الأقصى غربًا: حيث تَلقَّف مَقالَ (البِحيريِّ) جموعٌ مِمَّن يسعى لتحريفِ مُدوَّنة الأسرة المغربيَّة بما يَتَوافق وتوصياتِ (سيداو)
(3)
؛ كما تراه في مَقالٍ لأحد كُتَّاب الصُّحف عندهم، يقول فيه:
«إنَّ نقد رواية سنِّ عائشة حينَ الزَّواج، جدَّ فيها جَديد، هو ما نشرته الصَّحافة المصريَّة، ونقلته صحُف أخرى عنها، ومن بينها الصُّحف المغربيَّة، والقرائن الَّتي جمعها صاحب البحث تؤدِّي إلى أنَّ الزَّواج تمَّ وكان سنُّ عائشة رضي الله عنها بين السَّابعة عشر والثَّامنة عشر، وليس سنُّ التَّاسعة!
وقد كان المفروض في هذا الصَّدد أن يتولَّى نخبة من العلماء من المجلس العلمي الأعلى والمجالس المحليَّة ودار الحديث الحسنيَّة الموضوعَ! واستخلاص ما يجب استخلاصه من نقد الرِّوايات، ومقارنة بعضها ببعضٍ بأسلوبٍ علميٍّ رصينٍ، يحقُّ الحقَّ ويُبطل الباطل في هذا الصَّدد ..
(1)
نشرت له جريدةِ «المدينة» مقالًا في ذلك منشورًا بتاريخ 1 شعبان 1404 هـ.
(2)
في كتابه بالأرديَّة «دو إسلام» (ص/227)، نقلًا عن «اهتمام المحدِّثين» لمحمد لقمان (ص/490).
(3)
وهي اتفاقية عُقدت من قِبل الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، تم اعتماد المعاهدة في 18 ديسمبر 1979 م.
لا شكَّ أنَّ إيجاد قرائن تاريخيَّة، واعتماد نقد السَّند، وغير ذلك ممَّا جمعه الباحث يفتح الباب أمام الباحثين في الرِّواية الحديثيَّة، وفي التَّاريخ، لعلَّهم يصلون إلى رأيٍ جديد، وحقيقةٍ جديدةٍ في الموضوع، تزيح عن الأمر ما يكتنفه، وتدفع الحرج لدى كثيرٍ من النَّاس الَّذين لم يعُد يقبلون تزويج الأطفال في سنٍّ غير مَقبول ولا مُناسب»
(1)
.
ومحصِّل معارضات هؤلاءِ بشتَّى طوائفِهم لحديثِ زواجِ عائشة رضي الله عنها، مرتكزةٌ في سِتِّ مُعارضاتٍ، على النَّحو التَّالي:
المعارضة الأولى: أنَّ أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها إذا كانت تكبُر عائشةَ بعشرِ سنين وهذا ما ينسِبُه المُعترضون إلى المصادرِ التَّاريخية وأنَّ عُمْرَ أسماء أختِها مع البعثة النَّبوية كان أربعة عشر عامًا، فإنَّ عُمْر عائشة رضي الله عنها مع البِعثة يكون إذن أربع سنوات، مُؤَدَّى ذلك: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حين عَقَد عليها، كانت بنتَ أربع عشرة سنة، ودخوله بها وهي بنت ثماني عشرة سنة.
يقرِّر هذه الشُّبهة (إسلام بحيري) بقوله:
«بالاستنادِ لأمَّهاتِ كُتبِ التَّاريخِ والسِّيرةِ المُؤصَّلةِ للبعثة النَّبوية: الكامل، تاريخ دمشق، سير أعلام النُّبلاء، تاريخ الطَّبري، البداية والنِّهاية، تاريخ بغداد، وفيات الأعيان، وغيرها الكثير .. تكاد تكون مُتَّفقةً على الخطِّ الزَّمني لأحداث البعثة النَّبويَّة ..
تقول كلُّ المصادر التَّاريخيَّة السَّابق ذكرها: إنَّ أسماء كانت تكبر عائشة بـ (10) سنوات، كما تَروي ذات المصادر بلا اختلافٍ واحدٍ بينها: أنَّ أسماء وُلِدَت قبل الهجرة للمدينة بـ (27) عامًا، ما يَعني أنَّ عُمْرها مع بدءِ البعثةِ النَّبويَّةِ كان (14) سنة، وذلك بإنقاصٍ مِن عمرها قبل الهجرة (13) سنة، وهي سنوات الدَّعوة النَّبويَّة في مكَّة، لأنَّ (27 - 13= 14 سنة).
(1)
مقال بعنوان: «هل أصبح تأسيس لجنة علمية لدراسة رواية حديث (سن التاسعة) أمرًا مستعجلًا، لمحمد السوسي، صحيفة «العلم» بتاريخ (5/ 11/2008 م).
وكما ذكرت جميعُ المصادر بلا اختلافٍ: أنَّها أكبر مِن عائشة بـ (10) سنوات، إذن يتأكَّد بذلك أنَّ سِنَّ عائشة كان (4) سنوات مع بدء البعثة النَّبوية في مكَّة، .. ومُؤدَّى ذلك بحسبة بسيطةٍ: أنَّ الرَّسول عندما نكَحَها بمكَّةَ في العام العاشر مِن بدءِ البعثةِ كان عمرها (14) سنة، .. وأنَّه -كما ذُكِر- بنَى بها بعد أربعِ سنوات وبضعة أشهر،
…
فيصبح عمرها آنذاك (14+3+1= 18 سنةً كاملةً)! وهي السِّن الحقيقيَّة الَّتي تَزوَّج فيها النَّبي الكريم عائشة»
(1)
.
المعارضة الثَّانية: أنَّ أبناء أبي بكر الصِّديق وُلِدوا في الجاهليَّة، كما ذَكره الطَّبري، وبهذا تكون عائشة وُلِدت قبل البِعثة، ويكون عُمْرها يزيد عند الهجرةِ على ثلاثةِ عشرَ عامًا ولا بدَّ.
يقرِّر هذه الشُّبهة (إسلام بحيري) بقوله: «إنَّ الطَّبَري يجزِمُ بيقينٍ في كتابه «تاريخ الأُمَم» بأنَّ كلَّ أولادِ أبي بكر قد وُلِدوا في الجاهليَّة، وذلك ما يَتَّفق مع الخطَّ الزَّمني الصَّحيح، ويكشف ضعفَ روايةِ البخاريِّ، لأنَّ عائشةَ بالفعلِ قد وُلِدت في العام الرَّابع قبل بدء البعثة النَّبويَّة».
المعارضة الثَّالثة: أنَّ عائشة رضي الله عنها تذْكُر أنَّها لم تَعقِل أبَوِيْها إلَّا وهُما يَدينان الدِّين، وذلك قبل هجرةِ الحبشةِ كما ذَكَرت، وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يَزورهم في بيتِهم بُكرةً وعشيًّا، وهذا يُبَيِّن أنَّها كانت وقتَها عاقلةً لتلك الزِّيارات! والهجرةُ إلى الحبشة كانت في العام الخامس مِن البِعثة.
فلو كانت عائشة وُلِدَت العام الرَّابع مِن البعثة -كما عند البخاريِّ- لكانت لا تزال رضيعةً وقتَ الهجرة الحبشيَّة، ولما قدِرَت أن تَعقِل أبَوَيها على الدِّين، ولا زياراتِ النَّبي صلى الله عليه وسلم لهم.
يقول البِحيري: «بالحسابِ الزَّمنيِّ الصَّحيح، تكون عائشة في هذا الوقت تبلغ (4 سنوات قبل البعثة + 5 سنوات قبل الهجرة الحبشة) = 9 سنوات، وهو العمر الحقيقيُّ لها آنذاك» .
(1)
من مقاله «زواج النَّبي من عائشة وهي بنت تسع سنين كذبة كبيرة في كتب الحديث» المنشور بجريدة «اليوم السابع» المصريَّة الإلكترونيَّة، بتاريخ (16 أكتوبر 2008 م)، وكلُّ ما أورده من كلام البحيري من هذا المصدر.
المعارضة الرَّابعة: أنَّ خولة بنت حكيم عَرَضت على النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاةِ خديجة الزَّواج مِن عائشة أو سَودة رضي الله عنهن
(1)
، وما كانت خولة لتعرِضَ عائشةَ عليه إلَّا على سَبيل جاهزيَّتِها للزَّواج.
وفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (عبَّاس العقَّاد):«إنَّ السَّيدة خَولة اقترَحتها على النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي في السِّنِ المناسبةِ للزَّواجِ، على أقربِ التَّقديرات إلى القَبول، إذْ لا يُعقَل أنَّها تُشفِق عليه مِن حالِ الوحدةِ الَّتي دَعَتْها إلى اقتراحِ الزَّواجِ على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهي تُريد له أن يَبْقى في تلك الحالةِ أربعَ سنواتٍ أو خمس سنواتٍ أخرى!»
(2)
.
المعارضة الخامسة: أنَّ المُطعم بن عدي قد سَبَق إلى خطبةِ عائشةَ لابنِه جُبير، ولن تكون هذه الخطبة بينهما إلَّا قبل إسلام أبي بكر، إذ يَبعُد انعقادُها مع افتراق الدِّينين، ممَّا يدلُّ على أنَّ ميلادَ عائشة كان قبل الإسلام.
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: 25769)، قال مخرِّجوه (42/ 504):«إسناده حسن، من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة بن وقاص، وقد روى له البخاري مقرونا، ومسلم متابعة، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين غير يحيى، وهو ابن عبد الرحمن بن حاطب، فمن رجال مسلم، وهو ثقة» .
(2)
«الصديقة بنت الصديق» (ص/49).
(3)
«الصديقة بنت الصديق» (ص/49).
وبعد أن نَقَلِ البِحيريُّ رأيَ العقَّاد هذا، قال مؤكِّدًا له:
المعارضة السَّادسة: أنَّ الحديثَ مُعارِض لقولِ النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكَح البِكرُ حتَّى تُستَأذن» .