الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّالث
دفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
عن حديث: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه»
حملُ هذه النُّصوصِ على إطلاقِها ليس مُرادًا للشَّارع قطعًا، وإهمالُ المُقيِّدات الواردةِ في غيرها مِن النُّصوص وقواعد الشَّريعة، لَمِن أفدحِ الخَطايا المنهجيَّة الَّتي يقع فيها مُنكِرو السُّنَن؛ هي نفسُ الخطيئة الَّتي أَوْدَت بأربابِ المَقالاتِ البِدعيَّة الأولى في مُستنقَعِ الانحرافِ عن الدِّين، كحالِ الخوارج مع نصوصِ الوَعيد، وحال القَدريَّة والجبريَّة مع نصوصِ القَدر.
فمَن تأمَّل هذا الحديث المُستشكلَ على وِفق مَقاصدِ الشَّرعِ، أيقنَ أنَّ قائلَه صلى الله عليه وسلم لم يُرِد نَفيَ حقٍّ للمرأةِ في بُضعِ زوجِها، ولا إثباتَ حَقٍّ مُطلقٍ للزَّوجِ في إتيانِها مِن غيرِ اعتبارٍ لحالِ صاحبتِه!
أين في الحديث أنَّ الزَّوجَ يَقضي وَطَرَه في زوجِه مَتى شاء ولو كانت عَيِيَّةً مريضةً؟ أو كانت كئيبةً حَزنًا يبلُغ بها دَرجةَ المَرض -مثلًا-؟ أو كانت مَشغولةً بأداءِ واجبٍ يَضيق به الوقت؟! ونحو ذلك مِن الأعذار.
ليس في الحديث هذا؛ إنَّما يلحَقُ المرأةَ الوعيدُ فيه إذا ما تَمنَّعت عن زوجِها مِن غير عُذرٍ يُبيح ذلك، ممَّا يَؤُول إلى إضرارِه، وعلى هذا عَقَّبَ ابن حَجرٍ
على قولِ البخاريِّ في تبويبِه لهذا الحديث فقال: «باب: إذا باتَت المرأة مهاجرةً فراش زوجِها» ، فقال ابن حَجر:«أي بغيرِ سَببٍ لم يَجُزْ لها ذلك»
(1)
.
ولَإِنْ كان الحديثُ مُعْرِبًا عن عِظَم حَقِّ الزَّوجِ على زوجتِه -وهو لا شكَّ أصلٌ شَرعيٌّ عظيم لتقويمِ العَلاقةِ الزوجيَّة- فإنَّ المُستحِقَّ لهذا الحقِّ: إنَّما هو الزَّوجُ القائمُ بحقِّ زوجتِه، لا النَّاشز عنها المُفرِّط في حَقِّها؛ كمَن يمنعُها -مثلًا- مِن النَّفَقة، أو يُسِيء عِشْرتَها ويُؤذِيها، فهذا لها الحقُّ في الاقتصاصِ منه! بألَّا تُعطيه حَقَّه كاملًا، فتمنَعه مثلَ ما مَنَعها مِن حقِّها جزاءً وِفاقًا.
أصلُ هذا في قولِ الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقولِه تعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل: 126].
وفي تقرير هذا التَّفصيلِ، يقول الحسين المُظهِريُّ (ت 727 هـ) في معرضِ شرحِه لهذا الحديث:«هذا إنَّما يكون إذا لم يَكُن غَضَبُ الزَّوجة بسَببِ ظُلمِ الزَّوجِ عليها، فأمَّا إذا كان الجُرم للزَّوجِ، بأن يُؤذيها ويَظلم عليها: فلم يَكُن على الزَّوجةِ بأسٌ بأن تَغضب على زوجِها»
(2)
.
ثمَّ يُقال بعدُ زيادةً في تبيانِ المُراد الحقيقيِّ من الحديث:
إنَّ المرأة إن كانت آثِمةً بِالنُّشوزِ عن فراشِ زوجِها، والتَّأبِّي عن قضاءِ حاجتِه، فإنَّ الزَّوجَ آثِمٌ في المُقابل إنْ هو فرَّطَ في حاجةِ زوجتِه أيضًا مِن غير بأسٍ يلحَقُ به أو مَشغلةٍ أو عدم طاقة، إذا كان يَلحقُ المرأةَ مَضرَّةٌ من ذلك، فقد جاء في الحديث:«وإنَّ لأهلِك عليك حَقًّا»
(3)
.
وضابِطُ هذا الأمرِ راجعٌ إلى العُرفِ، داخلٌ في عمومِ قولِ الله تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
(1)
«فتح الباري» لابن حجر (9/ 294).
(2)
«المفاتيح في شرح المصابيح» للمظهري (4/ 83).
(3)
أخرجه البخاري في (ك: الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له، رقم: 1968).
فأمَّا تَغليظ الشَّرع لِوِزرِ الهاجرةِ لفراش الزَّوجيَّة على وِزر الهاجِر مِن الزَّوجين، وورودِ التَّرهيب في النَّص في حقِّ الزَّوجة دون الزَّوج، والَّذي بسببِه تَطرَّقت الشُّبهة إلى ذهنِ المُعترض ابتداءً، فأدَّاه إلى إنكارِه، فجوابُه:
بأنْ يعلمَ أنَّ الرَّجل في هذا الأمرِ ليس كالمرأة؛ إذ كان أضعف تَحمُّلًا لدواعي الشَّهوة مِنها، وأرغبُ في المُواقعةِ مِن حيث الجملةِ، حتَّى أنَّه يَستحِلُّ طَرائقَ كان يَستقبحُ إتيانَ مثلِها لمجرَّدِ أن يَقضي إرَبَه!
وهذا مُشاهَد غير مَنكورٍ مِن حالِ الرِّجال، في زَمَنٍ رَخُصَت فيه الأعراضُ، وابتُذِلَت فيه العَوْرات، وانتشرَت فيه الشَّهوات، وأُشهِر لها في الطُّرقات، وتَوَغَّلَت رَغمًا في البُيوتَات!
يقول المُهلَّب بن أبي صُفرة (ت 435 هـ): «إنَّ صبرَ الرَّجلِ على تركِ الجماعِ أضعفُ مِن صبرِ المرأة، وأقوى التَّشويشاتِ على الرَّجلِ داعيةُ النِّكاح، ولذلك حَضَّ الشَّارع النِّساءَ على مساعدةِ الرِّجال في ذلك»
(1)
.
وصَدق الله تعالى، إذْ رغَّبَ عبادَه في الزَّواج، وحذَّرَهم مِن مُواقعة الفاحشة، فقال ختامَ ذلك:{وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: 28].
يقول طاووس بن كيسان في تفسيرها: «أي ضعيفًا في أمرِ الجِماع» ، وفي روايةٍ عنه:«في أمورِ النِّساء، ليس يكون الإنسان في شيءٍ أضعفَ منه في النِّساء» !
(2)
وأقرَّه الطَّبري على هذا المَعنى، ونَسَبَه إلى أهلِ العلمِ بالقرآنِ، فقال:«يَسَّرَ ذلك عليكم إذا كنتم غير مُستطِيعِي الطَّولِ للحرائر، لأنَّكم خُلِقتم ضعفاءَ عجَزَة عن تركِ جماعِ النِّساء، قَليلي الصَّبرِ عنه، فأَذِن لكم في نكاحِ فتَياتِكم المؤمناتِ عند خوفِكم العَنَت على أنفسِكم، ولم تجدوا طَولًا لحُرَّة، لئلَّا تزْنُوا، لقلَّةِ صبرِكم على تركِ جماع النِّساء؛ وبنحوِ الَّذي قُلنا في ذلك قال أهل التَّأويل»
(3)
.
(1)
«فتح الباري» لابن حجر (9/ 295).
(2)
«جامع البيان» لابن جرير (6/ 625).
(3)
«جامع البيان» لابن جرير (6/ 624).
فمَن كان بهذه الصِّفة مِن الضَّعفِ عن المُواقعة، وكان النِّساءُ أصبَر منه على ذلك وأرْزَن، كانت المفسدةُ المُترتِّبة على كَبْتِه عن شهوتِه أعظمَ في حقِّه مِن المرأة؛ ومنه تَعلم لِمَ كان الأمرُ الشَّرعي لجنسِه بالتَّعجُّل إلى النِّكاحِ أَشدَّ وآكد مِن جنسِ النِّساء.
فـ «يا معشرَ الشَّباب، مَن استطاعَ منكم البَاءَةَ فليتزوَّج»
(1)
!
يقول الوَليُّ الدِّهلوي (ت 1176 هـ): «لمَّا كانت المصلحةُ المَرعيَّة في النِّكاح: تحصينَ فرجِه، وَجبَ أن تُحقَّق تلك المصلحة، فإنَّ مِن أصولِ الشَّرائع، أنَّها إذا ضُرِبَت مَظنَّةً لشيءٍ، سجل
(2)
بما يحقِّق وجودَ المصلحة عند المَظِنَّة، وذلك أن تُؤمَر المرأة بمطاوعتِه إذا أراد منها ذلك، ولولا هذا لم يَتحقَّق تحصينُ فرجِه، فإن أَبَت، فقد سَعَت في ردِّ المصلحة الَّتي أقامها الله في عباده، فتوَجَّه إليها لعنُ الملائكةِ على كلِّ مَن سعى في فسادِها»
(3)
.
فكلُّ هذا إنَّما شُرع لتحقيق مصلحةٍ جليلةٍ في نَظرِ الشَّريعة وهي حفظُ الفروجِ، فإنَّها إن امتَعنَتْ بهوَاها عن حاجةِ زوجِها والحالة هذه، فقد حالَت دون تحقُّقِ تلكم المَصلحة، بل تَسبَّبت في عَنَتِ الزَّوج، وتَسليطِ الوَساوِس عليه، فتؤُزُّه على تصريفِ شهوتِه كيف ما اتَّفق ولو بحرام -عياذًا بالله-؛ والرَّجل في هذا أقدرُ وأَجْرؤُ مِن المرأة؛ فضلًا عمَّا في هذا مِن تضنيكِ المَعايشِ في البيوت، وانفكاكِ ما بينهما من مَواثيقَ غَليظة، ورَواجِ سُوقِ العُهرِ في المُجتمعاتِ، والعِياذ بالله.
يقول ابن هبيرة: «إنَّ الرَّجل إذا دعا امرأتَه إلى فراشِه فامتنعت: كانت ظالمةً بمنعها إيَّاه حقَّه، فتكون عاصيةً لله بمنعِ الحقِّ، وبالظُّلم، وبكُفرانِ العَشير،
(1)
أخرجه البخاري في (ك: النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج» وهل يتزوج مَن لا أرب له في النكاح، رقم: 5065)، ومسلم في (ك: النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، رقم: 1400).
(2)
كذا في المطبوع، ولم أتبيَّن معناها في سياق الكلام.
(3)
«حجة الله البالغة» (2/ 210).
وبتكديرِ عَيشِ الصَّاحب، وبسوء الرُّفقة، وبكونها عرَّضَت زوجَها ونفسَها لفتنة؛ فلذلك لعَنَتها الملائكة حتَّى تُصبح، أو حتَّى تَرجع»
(1)
.
فلأجلِ هذا كلِّه، كان الوعيد في هذا الباب للنِّساء أشدُّ منه للرِّجال، وأحسَمُ لمادَّتِه، والله أعلم.
(1)
«الإفصاح» لابن هبيرة (7/ 158).