الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّالث
دراسةُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لحديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حَبيبةَ على النَّبي صلى الله عليه وسلم
فهذا الحديث مِن الأخبارِ المشهورة بالإشكالِ في «صحيح مسلم» ، ووجهُ إشكاله تاريخيٌّ قد لاحَ جليًّا في ما سِيق مِن كلامِ المُعتَرِضين عليه، وهذا يقتضي أن يكون خَطأً ووَهْمًا مِن راوِيه.
وكان ردَّه قبل هؤلاءِ المُحْدَثين كثيرٌ مِن العلماءِ في القديم والحديث: منهم البيهقي
(1)
، وابن الأثير
(2)
، والقاضي عياض
(3)
، وابن هبيرة
(4)
، وابن الجوزي
(5)
، وابن تيميَّة
(6)
، وابن القيِّم
(7)
، والذَّهبي
(8)
، والعَلائيُّ
(9)
، وأبو العبَّاس
(1)
«سننه الكبرى» (7/ 226 - 227).
(2)
«أسد الغابة» (7/ 116).
(3)
«إكمال المعلم بفوائد مسلم» (7/ 546).
(4)
«الإفصاح عن معاني الصحاح» (3/ 250).
(5)
«كشف المشكل من حديث الصحيحين» (2/ 463).
(6)
«مجموع الفتاوي» (17/ 236).
(7)
«جلاء الأفهام» (ص/243)، و «تهذيب سنن أبي داود» (6/ 76).
(8)
«ميزان الاعتدال» (3/ 93).
(9)
«التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة» للعلائي (ص/73)
القرطبي
(1)
، والسَّفَّاريني
(2)
، ثمَّ أبو شهبة
(3)
، والألبانيُّ
(4)
.
أمَّا غير هؤلاءِ مِمَّن استعظمَ رَدَّه وهو في «الصَّحيح المُسند» : فرَأوا الحديث صحيحَ السَّند، مَقبولَ المتنِ ولو على وجهٍ مِن التَّأويل، وعلى رأسِهم: مسلم بن الحجَّاج حيث أودَعَه «صحيحَه» ، وابنُ حبَّانَ حيث خرَّجَه في «صحيحِه»
(5)
، وتبعهما على هذا التَّصحيحِ له: الجورَقاني
(6)
، وابنُ الصَّلاح، والنَّووي
(7)
، وابن كثير الدِّمشقي
(8)
، وخليل مُلَّا خاطر الشَّافعي
(9)
مِن المعاصِرين.
مع اختلافِ هؤلاء في وجهِ التَّأويل الَّذي يُحمَل عليه الحديث، ممَّا أطالَ المقالةَ في تفصيلِه ابنُ القيِّم في كتابه البديع «جلاء الأفهام» بما لا أعلمُ أحدًا جرى على منوالِه فيه، وكان مَن بعده عَالةً عليه في ذلك
(10)
؛ حيث ذَكر جوابَ كلِّ طائفةٍ وما فيه مِن قَدحٍ، وانتهى إلى كونِ الحديثِ مَخلوطًا غيرَ محفوظٍ.
فلذا ارتأَيتُ سَوْقَ هذه الأوجهِ في تأويلِ الحديث، ثمَّ إتباعها بنقدِ ابن القيِّم لها، بعينِ النَّاقد لكلِّ ذلك، فأقول:
أمَّا القول الأوَّل: فوجهُ الحديثِ عند أربابِه: أنَّ أبا سفيانٍ إنَّما طَلَب مِن النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يُجدِّد له العَقْدَ على ابنتِه، ليَبْقى له وَجهٌ بين المسلمين.
قال بهذا الوجه من التَّأويلِ محمَّدُ بن طاهر المقدسيُّ في كتابه «الانتصار
(1)
«المفهم» (21/ 24).
(2)
«كشف اللثام» (5/ 268).
(3)
«دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين» (ص/186).
(4)
في تحقيقه لـ «مختصر صحيح مسلم» للمنذري (2/ 457).
(5)
في (ك: مناقب الصحابة رضي الله عنهم، ذكر أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه، رقم: 7209).
(6)
«الأباطيل والمناكير والصِّحاح والمشاهير» (1/ 338).
(7)
كلام ابن الصَّلاح والنووي هو في «شرح النووي على مسلم» (16/ 63).
(8)
انظر «البداية والنهاية» (6/ 149)، و «الفصول في سيرة الرَّسول» له (ص/248)،.
(9)
في كتابه «مكانة الصَّحيحين» (ص/387).
(10)
كالمقريزي في كتابه «إمتاع الأسماع» ، وقد نقل عامَّة سردِ ابن القيِّم لأقوال المتأوِّلة للحديث وتفنيدِه لها، من غير أن يشير إليه.
لإِمَامي الأمصار»
(1)
، واحتَمَل له تأويلًا آخرَ قال فيه:«أو إنَّه تَوَّهم أن بإسلامِه يَنفسِخُ نكاحُ ابنتِه»
(2)
.
وتبِعَ ابنَ طاهرٍ على هذا الجوابِ أبو عمرو ابن الصَّلاح
(3)
والنَّووي، وزادَ هذا:«لعلَّه صلى الله عليه وسلم أرادَ بقولِه (نعم): أنَّ مَقصودَك يحصُل، وإن لم يَكُن بحقيقةِ عَقدٍ»
(4)
.
قلت: ولا يخفى ما في هذه التَّأويلات مِن نوعُ تَكلُّفٍ، والنَّص العَربيُّ المُبين لا مجالَ للكهانةِ أمامَه، وما ذَكَره ابنُ الصَّلاحِ في معنى الحديث ليس مَفهومًا مِنه لا نَصًّا ولا إيماءً ولا استنتاجًا! وليس هو احتمالًا مُتعيِّنًا
(5)
.
وقد أُجيبَ عن هذا التَّأويلِ «بأنَّ في الحديث أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم وعَدَه، وهو الصَّادقُ الوَعد، ولم يَنقُل أحَدٌ قَطُّ أنَّه جَدَّد العقدَ على أمِّ حَبيبة، ومثل هذا لو كان لنُقِل، ولو نَقْلَ واحدٍ عن واحدٍ، فحيثُ لم يَنقُله أحَدٌ قطُّ، عُلِم أنَّه لم يَقَع»
(6)
؛ مع أنَّ ألفاظَ الحديثِ صَريحةٌ في إنشاءِ العَقْدِ لا في تجديدِه
(7)
، «وتوَهُّم فسخِ نكاحِها بإسلامِه بعيدٌ جدًّا»
(8)
.
فلأجلِ ما في هذين الجَوَابَين مِن ضَعفٍ: صرَّح ابن الوَزير برَدِّهما
(9)
، وكان ابن كثير -مع تصحيحِه للحديثِ- يُقِرُّ بضَعْفِهما
(10)
!
(1)
يريد بالإمامين: البخاريَّ ومسلم، وهو في الدفاع عن الأحاديث التي أعلَّها بعض أهل العلم في كتابيهما، والحقُّ فيها معهما، وقد ذكر هذا الكتاب العراقي، ووقف عليه بخطِّ مصنِّفه، وابن الملقِّن، وابن حجر ووقع مسموعًا له وأفاد منه، ولخَّص بعض مباحثه المقريزي -كما سيأتي- في كتابه «إمتاع الأسماع» ، انظر مقدِّمة تحقيق عبد الرحمن قائد لكتاب «منتخب المنثور من الحكايات والسُّؤالات» لابن طاهر المقدسي (ص/167).
(2)
«الفصول في سيرة الرسول» لابن كثير (ص/248)، وانظر «إمتاع الأسماع» للبلقيني (6/ 69).
(3)
انظر «شرح النووي على مسلم» (16/ 63).
(4)
«شرح النووي على مسلم» (16/ 63).
(5)
«نوادر ابن حزم» لابن عقيل الظَّاهري (2/ 8).
(6)
«جلاء الأفهام» (ص/243)
(7)
«التنبيهات المجملة» للعلائي (ص/73).
(8)
«إمتاع الأسماع» (6/ 72).
(9)
انظر «توضيح الأفكار» للصَّنعاني (1/ 122).
(10)
«البداية والنهاية» (6/ 149).
بل قال ابنُ سَيِّد النَّاس
(1)
: «هو جَوابٌ يتَساوَكُ هَزلًا» !
(2)
القول الثَّاني: أنَّ معنى قوله «أزوِّجُكَها» : أي أرضَى بزواجِك بها، فإنَّه كان على رَغْمٍ منِّي، وبدون اختياري، وإن كان النِّكاحُ صحيحًا، لكن هذا أجملُ وأحسنُ وأكملُ، لما فيه مِن تأليفِ القلوب، وعلى هذا تكون إجابة النَّبي صلى الله عليه وسلم له بـ «نعم»: لمجرَّد تأنيسِه، وأنَّه أخبره بعدُ بصحَّةِ العَقدِ
(3)
.
وهذا الوجه من الجوابِ ضعيف، ولا يخفى شِدَّةُ بُعْدِ هذا التَّأويل مِن اللَّفظ، وعدم فهمِه منه: فإنَّ قوله: «عندي أجمل العرب أزوِّجُكها» : «لا يَفهَمُ منه أَحَدٌ أنَّ زوجَتَك الَّتي هي عصمةُ نكاحِك أرضى بزواجِك بها، ولا يُطابق هذا المعنى أنْ يَقول له النَّبي صلى الله عليه وسلم: «نَعم» ، فإنَّه إنَّما سَأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرًا تكون الإجابةُ إليه مِن جهتِه صلى الله عليه وسلم، فأمَّا رِضاهُ بزواجِه بها، فأَمْرٌ قائمٌ بقلبِه هو، فكيف يطلبُه مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟!
ولو قيل: طَلبَ منه أن يُقِرَّه على نكاحِه إيَّاها، وسَمَّى إقرارَه نكاحَا: لكان مع فسادِه أقربَ إلى اللَّفظ! وكلُّ هذه تأويلاتٌ مُستكرَهة، في غايةِ المنافرةِ للَفظِ ولمقصودِ الكلام»
(4)
.
وأبعد مِن هذا الوجهِ في التَّعسُّفِ: ما ظَهرَ للزُّرقاني من كونِ المعنى له: «يُديم التَّزويج، ولا يُطلِّق كما فَعَل بغيرِها» !
(5)
وحكايةُ هذا القولِ تُغني عن بيانِ فسادِه.
(1)
محمَّد بن محمَّد بن سَيِّد الناس اليَعمُري، أبو الفتح: مؤرِّخ، عالم بالأدب، من حفاظ الحديث، له شعر رقيق، أصله من إشبيلية، مولده ووفاته في القاهر، من تصانيفه «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير» ، و «النَّفح الشَّذي في شرح جامع التِّرمذي» ولم يكمله، توفي (734 هـ)، انظر «الأعلام» للزركلي (7/ 34).
(2)
«شرح الزرقاني على المواهب اللَّدنية» (4/ 408).
(3)
انظر «جلاء الأفهام» (ص/250)، و «إمتاع الأسماع» (6/ 80).
(4)
«جلاء الأفهام» (ص/250).
(5)
«شرح الزرقاني على المواهب اللَّدنية» (4/ 408).
القول الثَّالث: أنَّ مسألةَ أبي سفيان للنَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يزوِّجَه أمَّ حبيبة قد وَقَعَتْ في بعضِ خَرَجاته إلى المدينة وهو كافرٌ، حين سَمِع نَعْيَ زوجِ أمِّ حبيبة بأرضِ الحَبشة، أمَّا المسألة الثَّانية والثَّالثة مِن الحديث: فوَقَعتا بعد إسلامِه، لكنَّ الرَّاوي جمعَ الكلَّ في الحديث!
يقول البيهقي عقِب استبعادِه صحَّةَ الحديث: « .. وإن كانت مسألته الأولى إيَّاه وَقَعَت في بعضِ خَرَجاتِه إلى المدينة وهو كافر، حين سَمِع نَعْيَ زوج أمِّ حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثَّانية والثَّالثة وقعتا بعد إسلامِه، لا يحتمِل إن كان الحديث محفوظًا إلَّا ذلك، والله تعالى أعلم»
(1)
.
وتَبِع البيهقيَّ على هذا الاحتمالِ المنذريُّ
(2)
.
وهذا الاحتمالِ منهما «أيضًا ضَعيف جدًّا؛ فإنَّ أبا سفيان إنَّما قَدِم المدينة آمِنًا بعد الهجرةِ في زمنِ الهُدنة، قُبَيل الفَتح، وكانت أمُّ حبيبة إذ ذَّاك مِن نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولم يَقدم أبو سفيان قبل ذلك إلَّا مع الأحزابِ عامَ الخندق، ولولا الهُدنة والصُّلح الَّذي كان بينهم وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يقدم المدينة، فمتى إذن قَدِم وزَوَّجَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَّ حبيبة؟! هذا غَلَطٌ ظاهر.
وأيضًا؛ فإنَّه لا يَصِحُّ أن يكون تزويجُه إيَّاها في حالِ كُفرِه، إذ لا وِلايةَ له عليها! ولا تَأخَّرَ ذلك إلى بعدِ إسلامِه لمِا تقدَّم.
فعلى التَّقديرين لا يَصحُّ قوله: «أزوِّجُك أمَّ حبيبة» .
وأيضًا؛ فإنَّ ظاهرَ الحديث يَدُلُّ على أنَّ المَسائلَ الثَّلاثة وَقَعت منه في وقتٍ واحدٍ! وأنَّه قال: «ثلاثٌ أَعْطِنيهن .. » الحديث، ومَعلومٌ أنَّ سؤالَه تأميرَه واتِّخاذَ معاوية كاتبًا إنمَّا يُتصَوَّر بعدَ إسلامِه، فكيف يُقال: بل سَأَل بعضَ ذلك في حالِ كفرِه، وبعضَه وهو مُسلم؟! وسياق الحديث يَردُّه»
(3)
.
(1)
«السنن الكبرى» للبيهقي (7/ 227).
(2)
انظر «جلاء الأفهام» (ص/249)، و «إمتاع الأسماع» (6/ 79).
(3)
«جلاء الأفهام» (ص/249).
(1)
؛ وهذا تَوجيهُ محبِّ الدِّين الطَّبري
(2)
للحديث.
وتفنيد هذا التَّأويل في قولِ ابن عبَّاسٍ راوي الحديث نفسِه إذ قال في أوَّلِه: «كان المسلمون لا يَنظُرون إلى أبي سفيان، ولا يُقاعدونه، فقال: يا نَبيَّ الله، ثلاثٌ أعطِنيهنَّ .. » ؛ فيا سُبحان الله! هذا يَكون قد صَدَر منه وهو بمكَّة قبل الهجرة؟ أو بعد الهجرة وهو يجمع الأحزاب لحربِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو وَقْتَ قدومِه المدينة وأمُّ حبيبة عند النَّبي صلى الله عليه وسلم لا عنده؟!
فما هذا التَّكلُّف البارد؟! وكيف يقول وهو كافر: «حتَّى أُقاتِلَ المشركين كما كُنت أقاتل المسلمين» ؟ وكيف يُنكِر جفوةَ المسلمين له وهو جاهَدَ في قتالهِم وحربِهم وإطفاءِ نورِ الله؟! وهذه قصَّة إسلام أبي سفيان مَعروفة لا اشتراط فيها، ولا تعرُّضَ لشيءٍ من هذا»
(3)
.
القول الخامس: لعلَّ أبا سفيان -بحُكمِ خروجِه إلى المدينة كثيرًا- قد جاءها حين كان النَّبي صلى الله عليه وسلم آلَى مِن نِسائِه شهرًا واعتزَلهنَّ، فتَوَهَّم أبو سفيان أنَّ ذلك الإيلاء طلاق، وهذا كما توهَّمه عمر رضي الله عنه، فظنَّ وقوع الفرقة به، فقال هذا القول للنَّبي صلى الله عليه وسلم متعطِّفًا له ومتعرِّضًا، لعلَّه يراجعها، فأجابه النَّبي صلى الله عليه وسلم بـ «نعم» ، على تقدير: إنْ امتَدَّ الإيلاءُ، أو وَقَع طلاقٌ، فلم يَقع شيءٌ مِن ذلك
(4)
.
وهذا الجوابُ أيضًا في الضَّعف مِن جِنس ما قبله: «ولا يخفى أنَّ قوله: «عندي أجمل العَرب وأحسنُه أزوِّجُك إيَّاها» : أنَّه لا يُفهَم منه ما ذُكر مِن شأنِ الإِيلاء ووُقوعِ الفرقةِ به، ولا يَصِحُّ أن يُجاب بـ نعم.
(1)
نقله عنه ابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص/251).
(2)
أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، أبو العباس: حافظ فقيه شافعيّ، متفنن، من أهل مكة مولدا ووفاة، وكان شيخ الحرم فيها، له تصانيف، منها:«السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين» ، و «الرياض النضرة في مناقب العشرة» ، انظر «طبقات الشافعية الكبرى» (8/ 18).
(3)
«جلاء الأفهام» (ص/252).
(4)
انظر «جلاء الأفهام» (ص/250)، و «إمتاع الأسماع» (6/ 80).
ولا كان أبو سفيان حاضرًا وقتَ الإيلاء أصلًا، فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم اعتزلَ في مشرُبةٍ له، حَلَف أن لا يَدخل على نسائِه شهرًا، وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستأذنَ عليه في الدُّخولِ مِرارًا، فأذِنَ له في الثَّالثة، فقال: أطلَّقت نساءَك؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر! واشتهَرَ عند النَّاس أنَّه لم يُطلِّق نساءَه، وأين كان أبو سفيان حينئذٍ؟!»
(1)
.
القول السَّادس: فوجه الحديثِ فيه: أنَّ أبا سفيان إنَّما سَأل النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى (عَزَّة)
(2)
أختَ أمِّ حبيبة! ولا يَبعُد أن يخفى تحريمُ الجمعِ بين الأختين على أبي سفيان، لحداثةِ عهدِه بالإسلام، وقد خَفِي هذا على ابنتِه أمِّ حبيبة، حيث سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَتزوَّج أختَها هذه، فقال:«إنَّها لا تَحِلُّ لي»
(3)
.
فأراد أبو سفيان أن يزوِّجَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ابنتَه الأخرى، لكن اشتَبَه على الرَّاوي، وذَهَب وهمُه إلى أنَّها أمُّ حبيبة، فهذه التَّسمية مِن غَلطِ بعض الرُّواة، لا مِن قولِ أبي سفيان.
وفي تحسينِ هذا الوجه، يقول ابنُ كثير:«الأحسنُ في هذا: أنَّه أرادَ أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى عَزَّة، لمِا رَأَى في ذلك مِن الشَّرَف له، واستعانَ بأختِها أمِّ حبيبة كما في الصَّحيحين؛ وإنَّما وَهِم الرَّاوي في تسميتِه أمَّ حبيبة، وقد أفردنا لذلك جزءً مفردًا»
(4)
.
وهذا التَّأويلُ مِن ابن كثيرٍ -وإن كان في الظَّاهر أقَلَّ فسادًا- هو ما يراه ابن القيِّم «أكذبُها وأبطلُها! وصريحُ الحديث يَردُّه، فإنَّه قال: أمُّ حبيبة أزوِّجُكَها،
(1)
«جلاء الأفهام» (ص/251).
(2)
وفي «زاد المعاد» (1/ 108): (رَملة)، ولعله سبق قلم أو ذهول مِن ابن القيِّم، فلا أحد تأوَّله بأختِها رملة.
(3)
أخرجه البخاري في (ك: النكاح، باب: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَاّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ}، رقم: 5106)، ومسلم في (ك الرضاع، باب تحريم الربيبة، وأخت المرأة، رقم: 1449).
(4)
«البداية والنهاية» (6/ 149)، وانظر «التنبيهات المجملة» للعلائي (ص/73).
قال صلى الله عليه وسلم: نعم .. فلو كان المَسئولَ تزويجُ أختِها لمَاَ أنعمَ له بذلك صلى الله عليه وسلم»
(1)
، و «لقالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لي، كما قال ذلك لأمِّ حبيبةَ
(2)
، ولولا هذا، لكان التَّأويلُ في الحديثِ مِن أحسنِ التَّأويلاتِ»
(3)
، لأنَّ «التَّأويلَ في لفظةٍ واحدةٍ أسهلُ»
(4)
، وقد عَلِمتَ مع ذلك فسادَه.
زِد على هذا أنَّ هذا الطَّلَب من أبي سفيان لا يُتَأتَّى فيه أصلًا قولُ راويه آخرَه: «لولا أنَّه طَلَب ذلك مِن النَّبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاهُ ذلك» !
أمَّا قولُ آخرينَ: أنَّ الرَّاوي لم يُخطِئ في تسميتِها بأمِّ حَبيبة، لأنَّ كُنية (عزَّة) أمُّ حَبيبة أيضًا كأختها أمِّ المؤمنين!
(5)
وتَشبَّث بهذا (مُلَّا خاطر)
(6)
من المعاصرين ليرفعَ به الخطأَ عن الرَّاوي في تسميةِ المعروضةِ للزَّواج، وما يتبعُه من رفعِ الإشكال عن الحديث.
فجواب ذلك: أنَّا لا نَجِد أحدًا صَنَّف في أسماءِ الصَّحابة قد ذَكر أنَّ كنية عَزَّة أمَّ حبيبة، بل إذا ترجموا لـ (عزَّة) هذه يعرِّفونها بأنَّها أختُ أمِّ حبيبة
(7)
، ويبعُد أن يكون للأختين نفس الكُنية، ولا يُنبِّه عليه أحَد من المُختَصِّين.
فلأجل ذلك نرى مَن نَقَل هذه المعلومةَ مِن بعضِ المتأخِّرين، نَقَلَها بصيغةِ التَّمريض (قِيل)!
(8)
(1)
ابن القيِّم في «تهذيب السُّنن» (6/ 76).
(2)
سبق تخريجه قبل قليل (ص/؟).
(3)
«جلاء الأفهام» (ص/244).
(4)
«توضيح الأفكار» (1/ 122).
(5)
ورد هذا في بعض المراجع، كـ «زاد المعاد» (1/ 108)، و «شرح الزرقاني على المواهب اللَّدنية» (4/ 408).
(6)
وهو ملَّا خاطر في «مكانة الصَّحيحين» (ص/406).
(7)
انظر «الاستيعاب» (4/ 1886)، و «أسد الغابة» (7/ 193)، و «الوافي بالوفيات» (20/ 69).
(8)
ولا ندري؛ لعلَّ مَن كنَّى (عزَّة) بأمِّ حبيبة تَوهَّم ذلك بِناءً على تأوُّلِه لهذا الحديث المُشكل بأنَّ المعروضة على النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه هي (عزَّة)! والدَّور عليه لازم له.
ثمَّ غَلَطٌ هنا أن يُقال إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يُجِب أبا سفيان بالرَّفض اتِّكالًا منه على ما أجاب به أمَّ حبيبة، أو على ما كان اشتهر من تحريم الجمع بين الأختين
(1)
؛ فإنَّ قوله له: «نعم» لونٌ مِن التَّعمية على السَّائل! يَتنزَّه عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وتأخيرٌ للبيانِ عن وقت الحاجة إليه، وأبو سفيان إنَّما يَرْقُب الجواب من النَّبي صلى الله عليه وسلم لا من أمِّ حبيبة
(2)
.
ودعوى اشتهار تحريمِ الجمع بين الأختين، لا يَمنعُ أن يُفَادَ بحكمِه مَن عُلِم جهلُه به بقرائن الحال، خاصةً مَن كان حديثَ إسلامٍ كأبي سفيان.
أقول: فالحقُّ أنَّ الدِّفاع عن هذه الرِّواية ضَعيف غير متماسكٍ، وتغليطُ الرَّاوي بالوَهم أولَى مِن تأويلِ مَرْوِيِّه بالمُستكرَه مِن الوجوه، ترى مِصداقَ هذا التَّقعيدِ في بابِ المُشكلاتِ من الأخبار في قولِ ابن القيِّم بعدِ أن أتَمَّ نقْضَ توجيهاتِ هذا الحديث، قال:
(3)
(4)
.
قلت: ومِمَّا رُدَّ به هذا الحديث أيضًا:
ما أشارَ إليه الغُماري آنفًا مِن قولِ القرطبيِّ: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحديث وَعَد أبا سفيانٍ أن يُؤمِّرَه، ليُقاتل المشركين كما كان يُقاتل المسلمين، لكن لم يَنقُل أحَدٌ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قد أمَّرَ أبا سفيانٍ على جيشٍ بالمرَّة.
(5)
(1)
كما ذهب إليه خليل ملَّا خاطر في «مكانة الصَّحيحين» (ص/407).
(2)
وعلى المُدَّعي لهذا قبل كلِّ شيءٍ أن يُثبت أنَّ جواب النَّبي صلى الله عليه وسلم لعرضِ أمِّ حبيبة كان أسبق مِن حيث التَّاريخ مِن عرض أبي سفيان! حتَّى يُقال أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُجبه اتِّكالًا على جوابه لأمِّ حبيبة.
(3)
«تهذيب السُّنن» (6/ 76).
(4)
«جلاء الأفهام» (ص/252).
(5)
انظر «الإفصاح» لابن هبيرة (3/ 250)، و «كشف المشكل» لابن الجوزي (2/ 463)، و «زاد المعاد» لابن القيم (1/ 107)، و «التنبيهات المجملة» للعلائي (ص/73).
نعم؛ قد أجابَ على هذه بعضُ مَن صحَّح الحديث بأنْ قال: «اِعتذَرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم عن عدمِ تأميِره مع وَعْدِه له بذلك: لأنَّ الوعدَ لم يكن مُؤَقَّتًا، وكان يَرتقبُ إمكانَ ذلك، فلم يَتَيسَّر له ذلك، إلى أن تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أو لعلَّه ظَهَر له مانِعٌ شَرعيٌّ مَنَعه مِن تولِيَتِه الشَّرعيَّة؛ وإنَّما وَعَدَه بإمارَةٍ شَرعيَّة، فتَخلَّفَ لتَخلُّفِ شرطِها»
(1)
.
وهذه أيضًا تأويلات تلحَقُ سابقاتِها في الضَّعفِ مِن وجوه:
أولاها: أنَّ مِن المُتحقَّق علمُه عند أهل الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكُن يُولِّي الإِمارةَ أحدًا سأَلها أو حَرَص عليها
(2)
.
ثانيها: أنَّ وَعْدَ النَّبي صلى الله عليه وسلم لا شكَّ كانَ مَسئولًا! فما كان مِن شأنِه -بأبي هو وأمِّي- أن يغفلَ عنه ولو بعد حين، فعلى تقديرِ أنَّه رأى أبا سفيان أهلًا للإمارة، لكن لم يَتَيسَّر له تَولِيَتَه: فلا أقَلَّ مِن أن يُوصِي به مَن بعدَه!
وحاشا صاحبَ الخُلُقِ العظيمِ أن يُبشِّرَ أحدًا بما يسُرُّه مِن مُنَاه، ثمَّ هو يغدو حالَ سبيلِه، ولا يحقِّق له مِن ذلك شيئًا.
ثالِثها: لو كان ثمَّةَ مانعٌ مِن تَولِيَة أبي سفيان عَلِمَه النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه كما ادَّعاه المُتأوِّل؛ لَأَعْلَمَ به أبا سفيان نفسَه، كما أعلمَ به أبا ذرٍّ رضي الله عنه حين استأمرَه
(3)
، حتَّى لا يجدَ السَّائل في نفسِه؛ ولو كان الأمر كذلك، لنُقل هذا المانع عادةً لعظيمِ شأنِ أبي سفيان في قومِه، وإذن لَطَارَ به أعداء بني أميَّة كلَّ مَطَار، ومَارَانا بِه منهم كلُّ نَظَّار!
(1)
«المُفهم» (21/ 25).
(2)
ومِن ذلك جوابه للأشعَرِيَّيْن اللَّذَين سَألَاه الإمارةَ بعدما أسْلَما، بقوله:«إنَّا لا نُوَّلي هذا مَن سَأَله، ولا مَن حَرص عليه» ، والحديث أخرجه البخاري في (ك: الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، رقم: 7149).
(3)
أعني حديث أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضَرَب بيده على منكبي، ثمَّ قال:«يا أبا ذرٍّ، إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة .. » ، والحديث أخرجه مسلم في (ك: الإمارة، باب: باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، رقم: 1825).