الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الثَّاني
سَوق المعارضات الفكريَّةِ المُعاصرة
لحديث لطمِ موسى عليه السلام لملَكِ الموتِ
أحالَ هذا الحديثَ فِئامٌ مِن الخَلقِ مِن مُتقدِّمين ومتأخِّرين، صَعُبَ عليهم دَرْكُ مَراميه.
فأمَّا المتقدِّمون: فلا أعلمُ مَن عُيِّن منهم مُنكِرًا للحديث شخصًا كان أو طائفةً، إلَّا ما نراه مِن نعتِ الأئمَّةِ لِمن تعرَّض له «بأنَّهم مِن المُلحِدة» ، وممَّن وَقفتُ على نَعتِهم بذلك المَازريُّ
(1)
.
وكذا وصفَ ابن راهُويَه (ت 238 هـ) مَن يَدَعُ هذا الحديثَ بأنَّه «مُبتدعٌ أو ضعيف الرَّأي»
(2)
.
وحَشَرهم ابن خُزيمة في زُمرةِ «المبتدِعة» ، وأَغفلَ تَعيينَ طائفةٍ بعينِها
(3)
.
وأمَّا المنكرون للحديثِ مِن المتأخِّرين: فمن أشهرهم (أمين أحْسَن الإِصلاحي)
(4)
، حيث كَتبَ مَقالًا يُدافع فيه عن بَلَديِّه (المَودوديِّ) أوردَ فيه تحت
(1)
«المُعلم بفوائد مسلم» (3/ 230).
(2)
«مسائل الإمامين أحمد وابن راهويه» للكَوسج (9/ 4676).
(3)
انظر «فتح الباري» لابن حجر (6/ 442).
(4)
أمين أحسن إصلاحي: من مواليد إقليم يوبي بالهند سنة 1904 م، درس العلوم الشَّرعيَّة في مدرسة «الإصلاح» ، ثمَّ درَّس هو فيها، وإليه نِسبَتُه (الإصلاحي)، تتلمذ على عبد الحميد الفَراهي، وعبد الرَّحمن المباركفوري، له كثير من المقالات في مجلَّتَيه «الإصلاح» و «الميثاق» ، انتقل إلى باكستان عند تأسيسِها مع أعضاء الجماعة الإسلاميَّة، ثمَّ استقال منها، وألَّف هناك كتابه «الرِّياسة الإسلاميَّة» ، و «تدبر القرآن» ، توفي (1997 م)، انظر ترجمته في مقدمة بحث للدكتوراه عنه، قُدِّم لقسم الدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلاميَّة بباكستان، سنة 1416 هـ، بعنوان «الشيخ أمين أحسن الإصلاحي، ومنهجه في تفسير تدبر القرآن» للطالب عبد الرؤوف ظفر (ص/25 - 35).
«مفهوم الدِّراسة النَّقدية للحديث» ثلاثةً مِن الأحاديث، منها هذا الحديث، وردَّها بقوله:«نرى حديثًا يَحِيك في الصَّدر بمُجرَّد سماعِه، ويُخالف مُسَمَّيات الدِّين ومَعروفات الشَّريعة، ويأباه العقل العامُّ في أوَّلِ وهلة»
(1)
!
ومِمَّن اشتُهِر بإنكارِه الخبرَ أيضًا (محمَّد الغزاليُّ)، فقد غَمَز فيه في حوارٍ جرى له مع شابٍّ بقوله: «وقد وَقَع لي وأنا بالجزائر، أَنَّ طالبًا سَألني: أصحيحٌ أنَّ موسى عليه السلام فَقأ عَين ملَك الموت عندما جاء لقبض روحِه بعدما استوفى أجله؟ فقلتُ له متبرِّمًا: الحديث مرويٌّ عن أبي هريرة، وقد جادل البعض في صحَّتِه.
وعُدتُ لنفسي أفكِّر: إنَّ الحديثَ صحيحُ السَّنَدِ، لكن متنه يثير الرِّيبة؛ إذ يفيد أنَّ موسى يكره الموتَ، ولا يحبُّ لقاءَ الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوضٌ بالنِّسبةِ إلى الصَّالحين، فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحدٍ من أولي العزم؟ إنَّ كراهيته للموت بعدما جاء مَلَكُهُ أمرٌ مستغرب!
ثمَّ: هل الملائكة تعرِض لهم العاهات الَّتي تعرض للبَشَر مِن عَمَى أَو عَور؟ ذاك بعيد .. ومَن وَصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيلُ في أعراض المسلمين! والحقُّ أنَّ في متنِه علَّةً قادحةً تنزل به عن رُّتبة الصِّحةِ.
ورفضُه أو قبوله خلاف فكريٌّ، وليس خلافًا عقائديًا، والعلَّة في المتن يبصرها المحقِّقون، تخفى على أصحاب الفكر السَّطحي .. »
(2)
.
وممَّن أنكره مِن العَصريِّين (مصطفى محمود)، حتَّى كاد ينطِق أنَّه مِن كِيْس البخاريِّ! حيث قال: «نقِفُ معًا أمام الحديث الَّذي رواه البخاريُّ عن سيِّدنا موسى حينما قضى ربُّنا عليه الموتَ، وأرسل له ملك الموت لقبض روحه ..
(1)
نقلًا عن «زوابع في وجه السُّنَّة» لصلاح الدين مقبول أحمد (ص/226).
(2)
«السُّنَّة النبويَّة بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/34 - 36).
ماذا قال لنا البخاريُّ؟ قال: إنَّ موسى رَفض أن يموتَ، وضَرَب مَلَك المَوت على عينه، ففقأها، فرَجَع ملَك الموت إلى ربِّه، فرَدَّ له بصره، كيف يجوز هذا؟ والقرآن يقول في قطعٍ لا لبس فيه:{إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4] .. إنَّ الحديث واضحُ الزَّيْفِ، ومثلُه كَثيرٌ في البخاريِّ»!
(1)
فهذه إشارةٌ لبعضِ مَقالاتِ المُنكرين لهذا الحديث النَّبويِّ، قد اعتلُّوا لها بجُملةِ معارضاتٍ، هي على النَّحوِ التَّالي:
المعارضة الأولى: أنَّ في فعلِ موسى عليه السلام مع المَلَكِ، وشكايةِ الملَك منه: إخلالًا بما يَليق مِن الأدَب مع الله تعالى؛ إذْ كيف جازَ له إهانةَ رسولِه الملَكيِّ مِن غير نُصرةٍ مِن الله له؟
(2)
المعارضة الثَّانية: أنَّ في فِعلِ موسى عليه السلام مُنافاةً لجَنابِ النُّبوة، ورتبةِ الرِّسالة، مِن جهتين:
الجهة الأولى: أنَّ في فَقئِه لعَينِ الملَك مُراغمةً لمُرْسِلِه وهو الله تعالى، إذْ لو فَقَأ أَحدُنا عَينَ واحدٍ مِن النَّاسِ لَعُدَّ ذلك استطالةً، وبَغيًا، وفسقًا؛ فكيف حال مَن فَقأ عينَ مَلَكٍ مُقرَّب؟! لا ريب أنَّ فسقَه أعظم وأبيَن
(3)
.
الجهة الثَّانية: أَنَّه مُنافٍ لما يَنبغي أن يكون عليه عِبادُ الله الصَّالحون مِن عظيم الرَّغبة والشَّوقِ للقاءِ الله؛ فضلًا عن خاصَّة عبادِ الله، وهم رُسل الله، الَّذين هم مَحلُّ الاقتداءِ، وأنَّ الَّذي يَدلُّ على انتفاءِ هذه الرَّغبة والشَّوق عند موسىعليه السلام، قول المَلَك لله تعالى:«أرسلْتَني إلى عبدٍ لا يُريد الموت!» ، فـ «مالَّذي يكرهه موسى مِن هذا اللِّقاء الحَتم؟ إنَّ هذا الكُرْهَ تحوَّل إلى جزعٍ وغضبٍ، جَعلا موسى يفقأ عينَ الملَك كما يُقال»
(4)
.
(1)
«الشفاعة» لمصطفى محمود (ص/114 - 115).
(2)
انظر «توضيح طرق الرَّشاد» للقاضي محمَّد العَلوي (ص/197).
(3)
انظر «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» للسُّبحاني (ص/332).
(4)
«السُّنَّة بين أهل الفقه وأهل الحديث» لمحمد الغزالي (ص/37).
المعارضة الثَّالثة: كيف يرجع مَلَك الموت المأمور مِن الله تعالى بقبضِ روحِ موسى عليه السلام دون تحقُّقِ ما لَه أُرْسِلَ؟! إنَّ في ذلك مخالفةً لأمرِ الله تعالى
(1)
.
المعارضة الرَّابعة: مِن المعلومِ أنَّ قوَّة البَشر «لا تثبتُ أمام قوَّة ملَك الموت، فكيف -والحال هذه- تمكَّن موسى عليه السلام مِن الوقيعة فيه؟ وهلَّا دفعه الملَك عن نفسِه مع قدرتِه على إزهاق روحِه؟!»
(2)
.
فهذه جُمْلةُ الاعتراضات الَّتي ساقها المنكرون للحديث، إبطالًا لما دلَّ عليه مِن المعاني.
(1)
«مشكلات الأحاديث النَّبوية» للقَصيمي (ص/105)، وانظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (3/ 443 - 444).
(2)
«أبو هريرة» للموسوي (ص/86).