الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ففطن عبد الله بن عمرو وقال: أشعب، تخدع خالي؟ اصدقني خبرك!
(قال) قلت: بالأمان؟
قال: بالأمان.
فحدّثته حديثي، فضحك ضحكا شديدا.
[في بلاط الوليد بن يزيد]:
وقال أشعب: دعا الوليد بن يزيد المغنّين، وكنت نازلا معهم، فقلت للرسول: خذني فيهم.
قال: لم اؤمر بذلك، إنّما أمرت بإحضار المغنّين، وأنت بطّال (1)، لا تدخل في جملتهم.
فقلت له: لا خوف عليك، ولك مع هذا شرط.
قال: ما هو؟
قلت: كلّ ما أصيبه فلك شطره.
فقال للجماعة: اشهدوا لي عليه!
فشهدوا. ومضينا، فدخلنا على الوليد وهو لقس النفس (2)، فغنّاه المغنّون في كلّ فنّ من ثقيل وخفيف فلم يتحرّك ولا نشط. فقام الأبجر (3) إلى الخلاء، وكان خبيثا داهيا فسأل الخادم عن خبره وبأيّ سبب هو خاثر النفس.
فقال: بينه وبين امرأته شرّ لأنّه عشق أختها، فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها وحلف لها ألّا يذكرها أبدا برسالة ولا مخاطبة، وخرج على هذه الحال من عندها. فعاد الأبجر وجلس. فما استقرّ به مجلسه حتّى اندفع يغنّي [الطويل] (4):
فبيني فإنّي لا أبالي وأيقني
…
أصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا
ألم تعلمي أنّي عزوف عن الهوى
…
إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا؟
فطرب الوليد وارتاح وقال: أصبت يا عبيد والله ما في نفسي- وأمر له بعشرة آلاف درهم-، وشرب حتى سكر. ولم يحظ أحد سوى الأبجر بشيء. فلمّا أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت:
إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك.
فضحك ثم قال: قبّحك الله! وما السبب في ذلك؟
فأخبرته بقصّتي مع الرسول وقلت له: إنّه بدأني من المكروه في أوّل يومه بما اتّصل عليّ إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدي مثلها.
فقال: لقد لطفت! بل أعطوه مائة دينار، وأعطوا الرسول خمسين دينارا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب.
فقبضتها، وما حظي أحد بشيء غيري وغير الأبجر.
*** وقال ابن أبي عتيق: دخلت على أشعب، وعنده متاع حسن وأثاث وآلات. فقلت له:
ويحك، أما تستحي أن تسأل الناس، وعندك ما أرى؟
فقال: يا فديتك، معي والله من لطيف السؤال ما لا تطيب نفسي بتركه.
وقال أشعب: كنت أنا وأبو الزناد (5) تربين
(1) بطّال هنا بمعنى: مهرّج، مضحّك، بهلوانيّ.
(2)
لقس: ضيّق النفس.
(3)
الأبجر: عبيد الله بن القاسم: الأغاني 3/ 340.
(4)
الشعر لعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان.
(5)
أبو الزناد مولى عثمان؛ المعارف 202.
نختلف إلى الكتّاب بالمدينة [192 أ] فذهب أبو الزناد علوّا وذهبت سفالا.
وأكل أشعب مع سالم بن عبد الله تمرا، فجعل يأكل زوجا زوجا، فقال سالم: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد نهى عن القرآن في التّمر.
فقال: اسكت! لو رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم رداءة هذا التّمر لرخّص فيه حفنة حفنة!
وقيل لأشعب في امرأة يتزوّجها، فقال: ابغوني امرأة أتجشّأ في وجهها فتشبع وتأكل فخذ جرادة فتتخم!
وكانت أمّ أشعب منقطعة إلى عائشة بنت عثمان فأسلمته عائشة في البزّازين، فقالت له يوما:
تعلّمت؟
قال: تعلّمت نصف العلم.
قالت: وما هو؟
قال: تعلّمت النشر، وبقي الطيّ، وأرجو أن لا أتعلّم الطيّ.
*** وقال لرجل حين سخن الدجاجة ثم ردّت فسخنت ثم ردّت فسخنت: دجاج هذا الرجل كآل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيّا (1)، فضربته [204 ب] فاطمة بنت الحسين مائة سوط لهذا الكلام، ووهبت له مائة دينار.
*** وقال أشعب يوما لابنه: إنّي قد كبرت، فاطلب لنفسك المعاش. فقال: يا أبه، إنّي مثل الموزة لا تحمل حتى تموت أمّها.
*** ووجد أشعب دينارا فكره أن يأكله حراما، وكره
أن يعرّفه فيأتي له طالب. فاشترى به قطيفة، وانبعث يعرّفها.
*** ودعا إنسان أشعب، فقال أشعب: لا والله ما أجيبك، أنا أعرف الناس بك وكثرة جموعك.
فقال: عليّ أن لا أدعو أحدا سواك.
فأجابه. فبينا هم كذا إذ طلع عليهم صبيّ، وهم في غرفة، فصاح أشعب: يا فلان! تعال ههنا! من هذا الصبيّ؟ شرطت عليك أن لا يدخل علينا أحد!
فقال: جعلت فداك! هذا ابني، وفيه عشر خصال ما هنّ في صبيّ.
قال: وما هنّ، فديتك؟
قال: لم يأكل مع ضيف قطّ.
قال: حسبي! التسع لك.
*** وقال أشعب: جاءتني جاريتي بدينار فأودعته [عندي] فجعلته تحت المصلّى بين يديّ. ثم جاءتني بعد أيام فقالت: هات الدينار.
فقلت: ارفعي المصلّى، فإن كان ولد فخذي ولده ودعيه- وقد كنت جعلت معه درهما- فرفعت المصلّى وأخذت الدرهم. فقلت لها: إن تركته ولد لك كلّ جمعة درهما.
فتركته وعادت في الجمعة الثانية، وقد كنت أخذته. فلم تره فبكت وصاحت. فقلت: ما يبكيك؟
قالت: الدينار، سرقته!
فقلت: مات دينارك في النفاس.
فبكت وقالت: كيف يموت الدينار في النفاس؟
فقلت لها: تصدّقين بالولادة ولا تصدّقين بالموت في النفاس؟
***
(1) اقتباس من سورة غافر، الآية:46.