الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
806 - آقوش كرجي المطروحيّ [- 699]
(1)
[207 ب] آقوش كرجي المطروحيّ، الأمير جمال الدين، الحاجب، أحد المماليك البرجيّة [
…
].
استشهد على حمص في نوبة غازان لليلتين بقيتا من ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وستّمائة.
وكان من فرسان مصر وشجعانها.
807 - «قتال السبع» [- 710]
(2)
[208 أ] آقوش الموصليّ، الأمير جمال الدين قتّال السبع، أحد مماليك الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل.
قدم إلى مصر بعد واقعة هولاكو في سنة ثمان وخمسين وستّمائة في جماعة، منهم آقوش نميلة، وأيبك الموصليّ نائب طرابلس. وترقّى في الخدم حتى عمله الملك المنصور قلاوون أمير علم. ثم نقل بعد وفاته وصار من أكابر الأمراء، إلى أن مات في تاسع شهر رجب سنة عشر وسبعمائة.
وكان من القوّة والشجاعة على جانب كبير مع مكارم الأخلاق ودين ورأفة ورحمة.
808 - آقوش الكنجي [- 713]
(3)
[208 أ] آقوش الكنجي، الأمير جمال الدين، أحد المماليك الظاهرية.
ولّاه الملك الظاهر بيبرس قلعة مصياب (4). ثم صرف في الأيام المنصوريّة قلاوون. وأعيد وعزل ثانيا في الأيّام الأشرفيّة خليل بن قلاوون. ثمّ أعيد فاستمرّ حتى مات في [
…
] سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. وكان قد تمكّن في بلاد الإسماعيليّة تمكّنا زائدا، وعظمت مهابته، واستحكمت طاعته بحيث لو أمر أحدهم بقتل نفسه قتلها من غير توقّف. وغلوا فيه على عادتهم في الغلوّ، وادّعوا أنّ روح إلههم حلّت فيه، تعالى الله عن ذلك.
وكان من مشاهير فرسان الخيل.
809 - آقوش الشهابيّ [- 678]
(5)
آقوش الشهابيّ أحد الأمراء الطبلخاناه في أيّام الملك السعيد محمّد بركة بن الظاهر. يلقّب جمال الدين.
مات في سنة ثمان وسبعين وستّمائة.
810 - آقّوش الداوديّ الأفرم [- 716]
(6)
[210]
آقوش الداوديّ، الأمير جمال الدين،
(1) الوافي 9/ 325 (4264)؛ السلوك 1/ 905 وفيه: أقش المطروحيّ نائب دمشق.
(2)
الوافي 9/ 335 (4266)، الدرر رقم 1032، النجوم 9/ 216، المنهل 3/ 26 (517). وفي هامش الصفحة إضافة بخطّ مغاير: هو (أي آقوش الموصليّ) صاحب الحمّام بالشارع، الشهير الآن بحمّام قوصون، وله البيت المجاور له. كذا مكتوب على طرازه. وطراز الحمّام- وغيره من المباني- الكتابة المنقوشة على واجهته، وقد ذكر المقريزيّ في ترجمة آقوش الأشرفي الآتية (رقم 816) وفي الخطط 2/ 407 أنّه «جدّد تذهيب الطراز المكتوب
…
». وانظر دوزي في طرز.
(3)
السلوك 2/ 134، الدرر 1/ 399 (1031).
(4)
قلعة مصياب: إحدى قلاع الإسماعيلية- السلوك 2/ 134 و 143، وفي أعيان العصر 1/ 577 (312)، وعند ياقوت: مصياف، وفي مخطوطنا: مصياث.
(5)
السلوك 1/ 694، المنهل 3/ 31 (520).
(6)
أعيان العصر 1/ 561 (306) والوافي 9/ 326 (4265)، الدرر 1/ 1024، النجوم 9/ 236، المنهل 3/ 9 (511).
المعروف بالأفرم.
كان جركسيّ الجنس، من قدماء مماليك الملك المنصور قلاوون، وأحد أكابر البرجيّة السلاحداريّة. وكان في البرج مغرى بالصراع واللكام والعلاج والثّقاف (1) ورمي النشّاب، إلى أن أنعم عليه بالإمرة في [
…
] فلم يترك ذلك.
وتحدّث مع بعض الخاصّكية في الخروج إلى الشام، فقال الملك المنصور: آقوش الأفرم يريد الشام؟ لا بدّ له من نيابة دمشق، إلّا ما هو في أيامي!
ثم أخرج إلى الشام في [
…
] وأقام بها مدة طويلة في لهو، إلى أن كانت سلطنة كتبغا ونيابة لاجين، [ف] اشتدّ عضده؛ فإنّه كان ابن خالة لاجين. فلمّا تسلطن لاجين أحضره من دمشق، وجعله حاجبا، وسكن قلعة الجبل.
واتّفق أنّه لمّا قتل لاجين [210 ب] كان بائتا بالقاهرة في دار الشريف ابن تغلب، ومعه الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك [الروميّ]، وإذا الباب يطرق وقائل يقول: خلّوا الأمير يكلّم السلطان! - وتتابع الاستحثاث في الطلب. فهمّ الأفرم بفتح الباب فمنعه أمير حسين. وأحسّ بالشرّ، فأرخى أحد مماليكه من السطوح ليكشف الخبر فعاد بأنّ السلطان قتل. فخرجا على حميّة وصارا إلى جهة قليوب في مماليكهما وأتباعهما، وتردّدا في طريق بلبيس إلى أن أتقنا أمرهما مع الأمراء. وأقبلا، فإذا بالأمير بكتاش أمير سلاح قد قدم من التجريدة، فانضمّ إليه. وبقي أحد الأمراء السبعة الذين دبّروا الأمر حتى قدم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وتسلطن، فبعثه إلى دمشق ليحفظها.
فسار في سادس جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستّمائة، فقدمها على [البريد] وقد سعى في نيابتها حتى كتب تقليده وجهّز إليه في ثاني عشرينه، ولبس من الغد تشريف النيابة، وقبّل عتبة القلعة ودخل دار السعادة وجلس على السماط، والأمراء والعساكر بين يديه. وأخرج الأمير سيف الدين قطلوبك [الفخريّ] إلى مصر.
وفي نصف جمادى الآخرة ألبس الأمراء وأهل الدولة الخلع.
وقدم طلبه من القاهرة، فلم يزل بدمشق إلى أن قدم غازان ملك التتار وكسر العساكر الإسلاميّة على حمص. [ف] قدم معها إلى القاهرة في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين [وستّمائة].
ثم عاد مع العساكر فقدم دمشق يوم السبت عاشر شعبان منها. وتوجّه منها في العشرين من شوّال لحرب الدرزيّة (2) سكّان جبال كسروان، وقد اشتدّ ضرر الناس بهم، ونزل بالعسكر عند هزيمتهم إلى مصر منهم شدائد. فوافاه عساكر صفد وحماة وحمص وطرابلس مع نوّابها. فامتنع الدرزيّة بجبلهم، وهو صعب المرتقى، وأقاموا به اثني عشر ألف رام فأنكوا العساكر، وكثرت جراحاتهم وهم ثابتون لقتالهم مدّة ستّة أيام حتى انهزم الدرزيّة، وصعد العسكر الجبل بعد ما قتل منهم خلائق إلى أن لاذوا بطلب الأمان. فاستدعى الأفرم أكابرهم وألزمهم بإحضار جميع ما أخذ من العسكر وقت الهزيمة إلى مصر، فأخذ منهم شيئا كثيرا وفرض عليهم مائتي ألف درهم، وقبض على جماعة منهم، وعاد بهم إلى دمشق يوم الأحد ثالث ذي القعدة، وألزم أهل دمشق بتعليق السلاح في الحوانيت وملازمة الرمي بالنشّاب، وتقدّم
(1) الثقاف: ألعاب الخفّة. والعلاج: المبارزة بالسيف (دوزي).
(2)
وقعة جبل الدروز: السلوك 1/ 902.
لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة (1) بإلزام الفقهاء بذلك. ثم جلس في حادي عشرينه لعرض الناس فعرضوا عليه طوائف طوائف من الفقهاء والأشراف وأهل الأسواق، فقدّم على كلّ طائفة رجالا يلون أمرهم.
فقدم غازان في أوائل سنة سبعمائة إلى أنطاكية، وجفل الناس قدّامه إلى دمشق. فخرج السلطان بعساكره من مصر إلى العوجاء، ثمّ عاد فاشتدّ خوف أهل دمشق وسار أكثرهم إلى مصر.
ونادى الأفرم في تاسع جمادى الأولى: من أقام بعد هذا النداء، فدمه في عنقه، ومن عجز عن السفر فعليه بالقلعة.
فجفل الكافّة وغلت أسعار المبيعات فبلغت غرارة القمح ثلاثمائة درهم، والرطل من لحم الضأن تسعة دراهم. واشتدّ الإرجاف بمجيء غازان، فخلت بلاد الشام من أهلها وساروا بأجمعهم إلى مصر. ثم سكن الحال إلى أن كانت وقعة شقحب في رمضان سنة اثنتين وسبعمائة فشهدها.
ثمّ خرج في ثاني المحرّم سنة خمس وسبعمائة من دمشق بالعساكر لقتال أهل جبل كسروان بعد ما نادى في الناس: من تأخّر من الأجناد والرجّالة شنق. فسار في خمسين ألفا، ونازلهم وخرّب ضياعهم، وقطع كرومهم، وقاتلهم أحد عشر يوما وملك الجبل عنوة وقتل من أهله جماعة وأسر ستّمائة رجل. وغنم العسكر [211 أ] مالا عظيما، وعاد في رابع صفر إلى دمشق (2).
وأنشأ بصالحيّة دمشق جامعا جليلا في سنة سبع وسبعمائة، ومدّ بعد فراغه للناس سماطا عظيما
عليه سائر أنواع الأطعمة والحلاوات، وحضره أهل العلم والصلاح. ثم مدّ من الغد سماطا آخر للأمراء.
ولمّا قلق الملك الناصر من شدّة الحجر عليه وتوجّه إلى الكرك بحيلة أنّه يريد الحجّ، وكتب إلى أمراء مصر أنّه نزل عن ملك مصر، قام الأمير بيبرس الجاشنكير في السلطنة وكتب إلى نوّاب الممالك بالدخول في طاعته، فما منهم إلّا من أجاب بالسمع والطاعة، ما عدا الأفرم، فإنّه قال (3): بئس ما فعله الملك الناصر بنفسه، وبئس ما فعله أيضا خوشداشنا- يعني بيبرس- وأنا فما يمكنني الآن أن أحلف للسلطان الملك المظفّر، وقد حلفت لغيره- يعني الناصر- ولكن أنا أرسل من جهتي إلى الملك الناصر رسولا وأرسل معه شهودا يشهدون عليه أنّه خلع نفسه، ويأذن لي في الحلف لغيره.
وبعث على البريد طائفة من أعيان دمشق [211 أ] فعادوا بجوابه، يتضمّن شكره والثناء عليه ويعرّض بأنّه ترك السلطنة. فأصبح يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعمائة. وقد جمع الناس بجامع بني أميّة، وقرئ عليهم تقليده بنيابة دمشق على عادته، وزيد في ألقابه وتعظيمه وتفخيمه، وخطب للملك المظفّر، وزيّنت المدينة زينة جليلة.
فاستمرّ إلى أن تحرّك الناصر من الكرك يريد ارتجاع الملك إليه فدافعه عن ذلك، وقام بأمر الملك المظفّر قياما عظيما، والعساكر تتمرّق من بين يديه وتصير إلى الملك الناصر حتى ذهب أكثرهم، وعزم من بقي من أمراء دمشق بها على قبضه. ففرّ ليلا إلى الشقيف.
(1) بدر الدين ابن جماعة: انظر ترجمته في المقفّى 5/ 89 رقم 1632.
(2)
السلوك 2/ 14.
(3)
السلوك 2/ 47.
ودخل الملك الناصر دمشق في ثاني عشر شعبان سنة تسع وسبعمائة. وبعث إليه (1) الأمير علم الدين سنجر الجاولي بالأمان فاعتلّ عليه بحضور أحد ثقات السلطان إليه وحلفه له، فحلف السلطان له ووجّه باليمين صحبة الأمير الحاج أرقطاي الجمدار، فقدم معه، وخرج السلطان فتلقّاه. فلمّا عاين السلطان ترجّل، وهو مشدود الوسط، وتحت إبطه نصفيّة (2) - يشير إلى أنّها كفنه- فترجّل السلطان أيضا له وعانقه، وقد خرج معظم أهل دمشق، فلمّا رأوا السلطان يعانقه صاحوا بصوت واحد: بتربة والدك الشهيد، لا تغيّر عليه ولا تؤذه! - وتباكوا. فأقبل السلطان عليه وأفاض عليه الخلع وأركبه، ورسم له أن يجلس بدار السعادة ويحكم على عادته ويستقرّ في نيابة الشام، فسرّ الناس ذلك فرحا به ومحبّة له.
وأصبح من الغد فقدّم للسلطان تقدمة سنيّة قيمتها مائتا ألف درهم.
وسار إلى مصر مع السلطان. فبلغ السلطان عنه، وهو نازل ببركة الحاجّ، أنّه قد عزم أن يثور هو وبرلغي الأشرفيّ في جماعة من البرجيّة ويفتك بالسلطان، فبادر وصعد إلى قلعة الجبل. وأصبح يوم الخميس ثاني شوّال ليجلس بالإيوان. فلمّا اجتمع الأمراء أشار الأفرم إلى مغنّيه مسعود وقال له: قم فغنّ «أحبّة قلبي» - فرفع عقيرته، وكان شجيّ الصوت، وغنّى بهذه الأبيات، وهي لبعض المصريّين (3) قالها لمّا توجّه الملك الناصر إلى الكرك، وهي [الطويل]:
أحبّة قلبي إنّني لوحيد
…
أريد لقاكم والمزار بعيد
كفى حزنا أنّي مقيم ببلدة
…
ومن شفّ قلبي بالفراق فريد [211 ب]
أجول بطرفي بالديار فلا أرى
…
وجوه أحبّائي الذين أريد
فطرب [الأفرم] وأخذ كلفتاه عن رأسه ووضعها بين يديه ساعة، ودموعه تتساقط على شيبته إلى [أن] أخذ الأمير قراسنقر نائب حلب الكلفتاه ووضعها على رأسه.
وخرج السلطان فجلس وصرف الأفرم عن نيابة الشام بقراسنقر، وأنعم على الأفرم بصرخد. فسار إليها وأقام بها إلى أن مات الحاج بهادر الحلبيّ نائب طرابلس في ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة، فنقل إلى نيابة طرابلس ورسم له أن [لا] يدخل دمشق خشية أن تنشب أظفاره فيها ويقوم أهلها معه لحبّهم فيه. فتوجّه إلى طرابلس على مشاريق مرج دمشق في جمادى الآخرة منها، وأقام بها على وجل إلى [أن] خرج الأمير قراسنقر نائب حلب منها ولحق بمهنّا. فكتب إليه يستميله فأجابه إلى موافقته، وبعث بخمسة آلاف دينار إلى صهره الأمير عزّ الدين أيدمر الزّردكاش بدمشق ليفرّقها على من يوافقه. وأنفق الأموال في عسكر طرابلس وسار بجماعة معه إلى قراسنقر.
وتوجّهوا في أخريات سنة اثنتي عشرة وسبعمائة إلى خربندا ملك المغل فأقطع الأفرم همذان. وأقام بها حتى مات في ثالث عشر المحرّم سنة ستّ عشرة وسبعمائة (4). وقيل: بل تأخّرت وفاته إلى بعد العشرين وسبعمائة.
وحكى عنه أنّه في ابتداء أمره رأى فقيرا مغربيّا
(1) أي، إلى الأفرم.
(2)
النصفيّة: ثوب خشن من القطن. وانظر النجوم 8/ 265 وما يتبعها.
(3)
في النجوم: لبعض عوامّ القاهرة (ج 9/ 10).
(4)
في السلوك 2/ 187: في 23 محرّم 716.
في القرافة الكبرى فقال له: يا آقوش، إذا صرت نائب الشام، إيش تعطيني؟
(قال) فقلت له: يا سيّدي، ما أنا قدر هذا.
فقال: لا بدّ لك من هذا! إيش تعطيني؟
فقلت: يا سيّدي، الذي تقول.
فقال: تتصدّق بألفي درهم عند السيّدة نفيسة وبألف درهم عند الشافعيّ.
فقلت: يا سيّدي، باسم الله!
فضحك وقال: ما أظنّك إلّا تنساها، وما تعود تذكرها إلّا إذا جئت هاربا إلى مصر.
(قال) فو الله لقد جعلت كلام المغربيّ ممثّلا بين عينيّ حتى وليت النيابة فأنسانيه الله، ثم ما ذكرته حتى دخلت في نوبة غازان مصر هاربا. فبينا أنا في القرافة إذ مررت بمكان الفقير فذكرت قوله.
فأحضرت على الفور الدراهم وتصدّقت بها.
ودخل عليه مرّة القاضي محيي الدين يحيى بن فضل الله كاتب السرّ بدمشق وهو يلي نيابتها في أيّام تحكّم الأميرين بيبرس وسلّار فالتفت إليه وقال له، وهو يشتكي من افتياتهما (1): والله هذا بيبرس لمّا كنّا في البرج كان يخدمني ويحكّ رجلي في الحمّام ويصبّ الماء عليّ، وإذا رآني والله ما يقعد إلّا إذا قلت له: اقعد، وأما سلّار فما هو منّا ولا له قدر. إيش أعمل في دمشق؟ والله لولا هذا القصر الأبلق والميدان [212 أ] الأخضر وهذا النهر المليح ما خلّيتهم يفرحون بملك مصر!
ولمّا توجّه الملك الناصر إلى الكرك قال: والله عملوا نحسا. كان ابن أستاذنا وهم حوله أصلح.
ولمّا ظفر بأهل جبل كسروان مدح بعدّة مدائح جمعها شمس الدين أحمد بن يعقوب الطيبيّ
وسمّاها «واقعة كسروان» .
وبلغ من التّمكّن في نيابة دمشق مدّة سلطنة المظفّر بيبرس مبلغا عظيما بحيث كان يكتب تواقيع بوظائف كثيرة ويبعثها إلى مصر ليعلّم عليها السلطان فتمضى كلّها. وكتب في دمشق عن السلطان: «بالإشارة العالية الأميريّة الكافليّة كافل الشام أعزّها الله تعالى» . وشكا إليه أحد قصّاد الخدمة من المشير تاج الدين إبراهيم ابن سعيد الدولة، فكتب إليه [و] هكذا ابتدأ: وا لك يا ابن سعيد الدولة! ما أنت إلّا ابن تعيس الدولة! وصلت أنّك تقطع جوامك القصّاد الذين هم عين الإسلام؟ والله إن عدت تعرّضت إلى أحد من الشام بعثت من يقطع رأسك ويجيء به في مخلاة! - وبعث [212 أ] بذلك على البريد مع مملوكه وأمره أن يدفعه إليه في وسط المحفل ويقول له شفاها ما في الكتاب. ففعل ذلك، فلم يطقه ابن سعيد الدولة وقام إلى السلطان الملك المظفّر بيبرس وأراه الكتاب ظنّا أنّه ينتصر له. فلمّا قرأه أطرق زمانا وقال له: أرض الأفرم! وإلّا أنا والله بالبراءة منك. والله إن عمل معك شيئا ما نقدر ننفعك! - فسقط في يده، ورجع إلى مداراته.
وكان قد اشتدّ خوفه من الملك الناصر بحيث [إنّه] لمّا كان في نيابة طرابلس يخرج في كلّ ليلة بعد العشاء، ومعه من يثق به من دار السلطنة إلى موضع حتى ينام فيه بالنوبة، وخيلهم معهم، وربّما هوّموا على ظهور الخيل، إلى أن ورد عليه الخبر بأنّ السلطان رسم له بنيابة حلب وطلبه إلى مصر ليلبس التشريف ويأخذ التقليد، فطار خوفا.
وكان في المرج، فأتاه في الحال مملوك صهره أيدمر الزردكاش يعرّفه أنّه مأخوذ ويحرّضه على الفرار. فسار من وقته إلى قراسنقر. وكان قبل خروجه إلى المرج قد أتاه مملوك قراسنقر وهو
(1) في المخطوط مرّة أخرى: وقال.
يأكل. فلمّا فرغ قال له: أخوك يسلّم عليك، وقد بعث معي هديّة.
قال: وأين الكتاب؟
قال: ما معي كتاب.
قال: فالمشافهة؟
قال: ما معي مشافهة، ولكن هديّة لا غير.
فقال: هاتها!
فأخرج خرقة وحلّها وناوله تفّاحة ثمّ ناوله بعدها مئزرا أسود، ثم ناوله بعدهما [212 ب] نصفيّة. ثم قام ليخرج، وقال: ما معي دستور (1) أن أقعد بعد إيصال الهديّة. فوجم الأفرم، وسارّه ودفع إليه نفقة وأعاده. فقال الأفرم لبعض من حضره: [أتعرف ما في هذه الهديّة؟
فقال: لا كثّر الله له خيرا فيما بعث!
فقال له: اسكت ويلك! إنّه بعث يقول: إن كنت تريد أن تشمّ هواء الدنيا مثلما تشمّ هذه التفّاحة، فسر في الليل الذي هو مثل هذا المئزر، وإلّا فهذه النّصفيّة كفنك!
فكان هذا من نادر ما يحكى في الذكاء والفطنة.
ولمّا سار كان عسكر مصر قد خرج لمنعه من اللحاق بقراسنقر. فلمّا أشرف ورأى العسكر قال لمن معه: شدّوا لي على حمام! - وكان حصانا لا يجارى- فركبه، وعليه كبر أطلس (2) أحمر وكوفيّة، وأخذ بيده الرمح، وقدّم أثقاله وفرّق طلبه (3) وقال: إنّ هؤلاء إذا دخلوا على العسكر ولست فيهم ظنّوا أنّي في الصيد، إذ ما القصد إلّا أنا، فما يعارضهم أحد لئلّا أجفل أنا.
وكان الأمر كما قال، لأنّهم عبروا عليهم فلم يتعرّضوا لهم، وعند ما بعدوا أقبل وحده وشقّ العساكر فلم يفطن له أحد، ونجا حتى لحق بأصحابه. ومن حذره، لم يجتمع بالأمير قراسنقر حتى استوثق منه بأيمان مؤكّدة خشية أن يكون قد باطن السلطان عليه.
واتّفق أنّه نفد ماله في توجّهه إلى غازان حتى كان قراسنقر يقوم به، وينفخ النّار بنفسه، ومماليكه نيام ما فيهم من يرحمه، وهو يتنهّد وعيناه تدمعان، إلى أن وصل إلى بيوت سوتاي [ف] عملت له ضيافة عظيمة ونصب له خام كبير (4) ممّا كسبه التتار في نوبة غازان، وعليها ألقاب الملك الناصر، ونزل الأفرم به. وقام ليتوضّأ فرأى اسم الملك الناصر فوق رأسه فقال: كيف أعاند القدرة! نحن في هذا المكان، وقد خرجنا من بلاده، وهو فوق رءوسنا! وإذا كان الله قد رفعه [ف] كيف نقدر نحن نضعه؟
ومن حينئذ عاد إليه ناموس الإمرة ومشت مماليكه في خدمته إلى أن لقي خربندا وأنعم عليه بهمذان.
وبعث إليه الملك الناصر الفداويّة (5) غير مرّة فلم يظفروا به. وقفز عليه أحدهم، وقدّامه بيطار ينعل فرسه فأمسكه بيده وضمّه إلى إبطه حتى أخذه مماليكه، فقرّره وقتله.
وحصل له في سنة أربع عشرة فالج. وكان قويّا [212 ب] يقاوم في الحروب بجماعة، وله شغف باللهو والصيد. تمتّع بدمشق في القصر الأبلق الذي كان بالميدان تمتّعا لم يسبقه إليه أحد،
(1) دستور في معنى الرخصة (دوزي).
(2)
الكبر الأطلس: قماش ملوّن معصفر.
(3)
الطلب بالضمّ: مجموعة الجنود الذين يرافقون القائد.
(4)
لا نجد الخام في معنى الخيمة ولعلّها قبّة من جلد خام (خيم) أي غير مدبوغ كما في اللسان.
(5)
الفداويّة: الفدائيّون المتطوّعون لقتله.