الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم قتل في ليلة الجمعة تاسع عشر ربيع الأوّل منها، ودفن بقيده.
وكان جميلا حلو الوجه، في قدّه هيف، زائد التيه لا يكلّم أستاداره وكتّابه إلّا بترجمان، كثير الشبق يحكى عنه في ذلك أوابد. وتمكّن من السلطان حتى أطلعه على سرّه الذي ما كان يطلع غيره عليه، وبالغ في العطاء له بحيث أنعم له في دفعة واحدة بألف ألف درهم ليشتري بها [قرية] يبنا من ساحل رملة لدّ. وكان راتبه في كلّ يوم برسم شراء الفحم لشيّ اللحم عشرين درهما عنها دينار مصري. وسافر مرّة إلى دمياط فكان راتبه في كلّ يوم لسماطه خمسين رأس غنم يذبحهما مع فرس، سوى الدجاج والإوزّ، وهو كثير جدّا.
وهو أوّل من أمسك من الأمراء الناصريّة محمد بن قلاوون بعد موته وقتل.
923 م- بشر بن الحسن [- 527]
بشر بن الحسن بن وائل يكنّى أبا الرجاء.
[
…
] ثمان شهر شوّال سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
924 - بشر بن مروان الأمويّ [- 75]
(1)
[305 أ] بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ، الأمويّ، أبو مروان.
أمّه [قطيّة بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنّة أبي براء بن مالك بن جعفر بن كلاب](2).
…
وقدم مع أبيه إلى مصر وتركه مع أخيه عبد العزيز بن مروان، وهو حدث، فأقام عنده بمصر. ثمّ شخص إلى الشام، وخرج مع أخيه عبد الملك بن مروان إلى العراق في سنة إحدى وسبعين فولّاه الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير.
ثم ضمّ إليه البصرة عوضا عن خالد بن عبد الله القسريّ. وكتب إليه: أمّا بعد، فإنك أخو أمير المؤمنين يجمعك وإيّاه مروان بن الحكم وإنّ خالدا لا مجتمع له مع أمير المؤمنين دون أميّة.
فانظر المهلّب بن أبي صفرة فولّه حرب الأزارقة، فإنّه سيّد بطل مجرّب. وأمدده من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل.
فشقّ عليه ما أمره به في المهلّب وقال: والله لا قبلته!
فقال له موسى بن نصير: أيّها الأمير، إنّ للمهلّب حفاظا وبلاء ووفاء.
وخرج بشر يريد البصرة فتلقّاه المهلّب على بغل فسلّم عليه في غمار الناس. فلمّا جلس بشر مجلسه قال: ما فعل أميركم المهلّب؟
قالوا: قد تلقّاك أيّها الأمير وهو شاك.
فهمّ بشر أن يولّي حرب الأزارقة غيره. ثم كتب إلى عبد الملك يعلمه بعلّة المهلّب، وأنّ بالبصرة من يغني غناءه. فكتب يعزم عليه أن يولّي المهلّب فولّاه.
وخرج صالح بن مسرّح التّميميّ ومعه فرسان من الخوارج، فاتّبعه بشر فنكص عنه وكره لقاءه وأتى النهروان، فبعث إليه بشر وقتله وهزم من معه.
(1) الطبري 6/ 193 (سنة 73 و 74)؛ ياقوت: أدباء 2/ 647، 748؛ الشعر والشعراء 345؛ البلاذري: نسب 5/ 166 - 180؛ شرح نهج البلاغة 1/ 395؛ البداية والنهاية 9؛ الوافي 10/ 152 (4616)؛ دائرة المعارف الإسلاميّة 1/ 1280.
(2)
الزيادة من مختصر ابن عساكر 5/ 213 (104).
وخرج أيضا يزيد بن بغثر التّميميّ، فوجّه إليه بشر خيلا فقتلته.
وخرج هدبة بن عمرو الطائيّ في جماعة، فبعث إليه بشر فقتله (1).
ومات بشر بالبصرة بعد مقامه بها شهرين- وقيل: أربعة أشهر- وهو أوّل أمير على البصرة مات بها.
وهو أوّل من أحدث الأذان والإقامة ورفع اليدين في العيدين، فلمّا سمع الناس ذلك أنكروه.
وهو أوّل من عاقب في التخلّف عن الغزو:
وذلك أنّ الرجل كان إذا أخلّ بوجهه الذي يكتب إليه في زمن عمر وعثمان رضي الله عنهما، نزعت عمامته، ويقام للناس ويشهّر أمره. فقال مصعب:
ما هذا شيء! - وأضاف إليه حلق الرءوس واللّحى. فلمّا ولي بشر زاد فيه: فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمّرونه في يديه بمسمارين في حائط، فربّما مات وربّما خرق المسماران يديه، فقال فيه [البسيط]:
لولا مخافة بشر أو عقوبته
…
وأن ينوّط في كفّيّ مسمار (2)
إذا لعطّلت ثغري ثمّ زرتكم
…
إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار
وكان بشر سهل الحجاب ليّن الولاية، وله يقول أعشى بني شيبان [الوافر]:
رأينا ما خلا أخويه بشرا
…
من الفتيان سيّد عبد شمس
وسيّد من سواهم من قريش
…
ويصبح خيرهم أبدا ويمسي
إذا خلّى أخوك إلى أخيه
…
خلافته بسعد غير نحس
فأنت الثالث الموصى إليه
…
وصيّة حازم في غير لبس [305 ب]
وله يقول أيمن بن خريم بن فاتك [الوافر]:
ركبت من المقطّم في جمادى
…
إلى بشر بن مروان البريدا
فلو أعطاك بشر ألف ألف
…
رأى حقّا عليه أن يزيدا
وقدم الأخطل البصرة وعليها بشر، وقد احتمل ديات عن قومه وحلف لا يسأل إلّا ربعيّا، فأتى مجلس بني سدوس فسألهم المعونة في حمالته، فقال الأسعدي (3): أولست الذي يقول [الوافر]:
إذا ما قلت: قد صالحت بكرا
…
أبى الأضغان والنسب البعيد
وأيّام لنا ولهم طوال
…
يعضّ الهام فيهنّ الحديد
هما أخوان يصطليان نارا
…
رداء الحرب بينهما جديد
والله لا نرفدك ولا نعينك، وإنّك منّا للهوان لأهل.
(1) هؤلاء الخوارج لم يذكرهم المبرّد في الكامل عند استعراضه لحرب المروانيّين مع الأزارقة ج 3 ص 306 وما بعدها. وقد ذكر الطبري 6/ 216 صالح بن مسرّح «الرجل الناسك المخبت المصفّر الوجه ولكن بغير التفاصيل التي يذكرها المقريزيّ هنا. وبخصوص صالح بن مسرّح: انظر رسالة محمد شبيل عبد الجليل:
أدب الخوارج إلى نهاية القرن الثالث، كليّة الآداب منّوبة (تونس) 1999 ص 269 - 271.
(2)
في أمالي القالي 2/ 30: وأن يشدّ على كفّيّ مسمار.
وفي الشطر الرابع: إذا ما اشتاق زوّار.
(3)
في تعليق الأب صالحاني: ديوان الأخطل، 126 وهو الغضبان بن القبعثري الشيبانيّ.
فقام وهو يقول [الوافر]:
متى آت الأراقم لا يضرني
…
نبيب الأسعديّ وما يقول
فإن تمنع سدوس درهميها
…
فإنّ الريح طيّبة قبول
وإنّ بني أميّة ألبستني
…
ظلال كرامة ليست نزول
سيحملها أبو مروان بشر
…
فذاك لكلّ مثقلة حمول
ويكفيني الذي استكفيت منها
…
بفعل لا يمنّ ولا يحول (1)
ولها تتمّة. ثم أتى بشرا فأنشده شعره وأخبره بما لقي. فقال: وكم حمالتك؟
قال: خمسون ألفا.
فأمر بها وقال: أنا أحقّ برفدك من بني سدوس وبني أسعد. فقال يمدحه [الطويل]:
لعمري لقد أمست معدّ وأصبحت
…
تحبّك يا بشر بن مروان كلّها
أراها إذا ما زادك الله رفعة
…
كثيرا بها مسرورها ومهلّها
تمنّى ويرجو أن تكون خليفة
…
ويرجوك للدنيا وللدين جلّها
فإن أشرفت يوما على هول غمرة
…
مخوف رداها من بعيد مزلّها
5 فأنت الذي تقتاد منها لأهلها
…
وأنت إذا ما اقتدتها لا تضلّها
حياتك ما دامت لها العزّ والغنا
…
وملكك يحيي سلكها ويثلّها
يعمّ عليهم من جزيل ببسطة
…
يعيش بها ذو وفرها ومقلّها
يراها الجواد البحر منك رغيبة
…
وأنت إذا أعطيتها تستقلّها
وأمر بشر سراقة البارقي بهجاء جرير فهجاه، فقال جرير [الكامل]:
يا بشر، حقّ لوجهك التبشير
…
أهجى بلا ذنب وأنت أمير
قد كان حقّا أن تقول لبارق
…
يا آل بارق فيم سبّ جرير؟
لا يدخلنّ عليك إنّ دخولهم
…
نحس وإنّ خروجهم تطهير
ولمّا قدم بشر استبطأ الفرزدق في إتيانه بالكوفة، فاعتذر إليه من ذلك، فقال [البسيط] (2):
لو أنّني كنت ذا نفسين إن هلكت
…
إحداهما بقيت أخرى لمن غبرا
إذا لجئت على ما كان من وجل
…
وما رأيت حذارا يغلب القدرا [250 ب]
كلّ امرئ آمن للخوف أمّنه
…
بشر بن مروان، والمذعور من ذعرا
تغدو الرياح فتمسي وهي فاترة
…
وأنت ذو نائل يمسي وما فترا
في أبيات.
فأكرمه وحباه وحمله على فرس عتيق وأمر خازنه أن لا يمنعه شيئا. فكان الفرزدق لا يكون في قومه حمالة إلا احتملها وأدّاها عنه بشر حتى قيل إنّه كان ينادمه على شرابه.
وقال آخر (3) يذكر سهولة حجاب بشر
(1) البيت الأخير مفقود من الديوان.
(2)
ديوان الفرزدق نشر الصاوي 1/ 289.
(3)
هو الحكم بن عبدل الأسدي. البيان والتبيين 3/ 310؛ عيون الأخبار 1/ 88، البخلاء، 226. وفي تاريخ دمشق 10/ 113 الأبيات لأيمن بن خريم والطمطم العبد غير الفصيح.
[الطويل]:
بعيد مراد الطرف لم يثن طرفه
…
حذار الغواشي باب دار ولا ستر
فلو شاء بشر حال من دون بابه
…
طماطم سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا سهّل الباب للّتي
…
يكون له في غبّها الحمد والأجر
وقحط الناس في زمن بشر فخرجوا فاستسقوا وبشر معهم فمطروا، فقال سراقة بن مرداس البارقيّ [الوافر]:
دعا الرحمن بشر فاستجابا
…
لدعوته فأسقانا السحابا
وكان دعاء بشر صوب غيث
…
يعاش به ويحيي ما أشابا
أغرّ بوجهه نسقى ونرعى
…
ونستجلي بغرّته الضبابا
ومرّ بشر بسراقة بعد ما استسقى بالكوفة وقد دخل ماء المطر داره، فقال: ما هذا يا سراقة؟
قال: هذا ولم ترفع يديك بالدعاء، فلو رفعتهما لجاء الطوفان.
وكان بشر صاحب شراب دخل البصرة لمّا قدمها بين الحكم بن المنذر بن الجارود ورجل آخر، كلاهما يعلم الناس أنّه لا يدع الشراب، فلم يزالا نديمين له حتى مات.
وكان يقول الشعر فقال حين احتضر لعبد الملك [الطويل]:
إذا متّ يا خير البريّة لم تجد
…
أخا لك يغني عنك مثل غنائيا
يواسيك في الضرّاء واليسر جهده
…
إذا لم تجد عند الحفاظ مواسيا
[306 ب] شريحان لوني من سواد وحمرة
…
تبدّلته من واضح كان صافيا
وكم من رسول قد أتاني بعثته
…
إليّ، ورسلي يكتمونك ما بيا
وقال مالك بن دينار: لمّا مات بشر بن مروان فدفن مات رجل أسود فدفن إلى جنب قبره، فلمّا أتت عليه ثالثة مررت بقبريهما فلم أعرف أحدهما من صاحبه. فذكرت قول الشاعر [الرمل]:
والعطيّات خساس بيننا
…
وسواء قبر مثر ومقلّ (1)
وكان بشر في حجر عبد العزيز بن مروان، وكان مروان قد جعل أصاغر بنيه في حجور أكابرهم، فلمّا ولي بشر العراق كتب إلى عبد العزيز [الطويل]:
غنينا وأغنانا غنانا وغالنا
…
مآكل عمّا عندكم ومشارب (2)
فلمّا قرأ عبد العزيز كتابه قال: غير هذا كان أولى بأبي مروان. لو [قال] كما قال عبد العزيز بن زرارة (3)[الطويل]:
فإن أك قد ودّعت نجدا وأهله
…
فما عهد نجد عندنا بذميم
فلمّا قرأ بشر كتابه، قال: صدق والله أبو الأصبغ، ما عهده عندنا بذميم.
(1) القصّة مفصّلة في البيان والتبيين 3/ 147، وقراءتنا هنا ظنّيّة، والبيت لعبد الله بن الزبعري، انظر تعليق عبد السلام هارون: البيان والتبيين 3/ 148 هامش 2.
(2)
البيت في تاريخ ابن عساكر 10/ 122، وفيه: وعاقنا عوض: وغالنا.
(3)
عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ (ت 50)؛ الأعلام 4/ 141؛ الكامل 3/ 227 (سنة 49).