الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعد قتل الأشرف خليل صار إلى الأمير سلّار، فلمّا قدم الناصر محمد بن قلاوون من الكرك ترقّى في خدمه حتى صار من جملة الأمراء، وولّاه نيابة صفد عوضا من طشتمر حمّص أخضر المنتقل لنيابة حلب في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فسار في النيابة أحسن سيرة. ورأى أهل صفد من عفّته وعدله ما لا رأوا من غيره قبله، إلّا أنّه أقام قليلا، وحمل منها إلى نيابة غزّة عوضا عن أمير مسعود بن خطير، واستقرّ عوضه في صفد الأمير بهاء الدين أصلم.
فقام بعد موت السلطان مع قطلوبغا الفخري في سلطنة أحمد الناصر وقدم معه مصر. فلمّا خرج الناصر أحمد من قلعة الجبل سائرا إلى الكرك عمله نائب الغيبة، فباشر النيابة، والناصر في الكرك، إلى أن خلعه الأمراء وأقاموا أخاه الصالح إسماعيل. فأقره على نيابة السلطنة فسكن دار النيابة بقلعة الجبل وجلس بشبّاكها واستقرّ يخرج الإقطاعات التي عبرتها من ثلاثمائة دينار إلى أربعمائة دينار بغير مراجعة، ويشاور فيما فوق ذلك. فمشت أحوال الناس، إلّا أنّه كان يخرج الجزء (1) اليوم ويرتجعه غدا ممّن أخرجه له ويقطعه لغيره ففتح باب المفاوضات والإقطاعات.
وكان لا يردّ سائلا.
فقبض عليه في يوم الأربعاء عاشر المحرّم سنة أربع وأربعين وقبض معه على صهره الأمير بيغرا أمير جندار، وعلى قراجا الحاجب وعلى أخيه أولاجا، وأخرجوا مقيّدين إلى الإسكندريّة فسجنوا فيها واتّهموا أنّهم موافقون لأحمد الناصر ويكاتبونه. ثم قتل في [
…
].
وكان حسن السيرة محبّا لصلة الأرزاق، بحيث
إنّه ما طلب منه أحد شيئا إلّا أعطاه.
825 - كريم الدين الصغير [- 726]
(2)
[219 أ] أكرم بن الخطير، كاتب الحميديّ، القاضي كريم الدين الصغير- يكنّى بأبي المكارم، وتسمّى لمّا أسلم: عبد الكريم- القبطيّ.
كان من جملة كتّاب مصر النّصارى، وخدم عند التليليّ مملوك الأمير سنقر الأشقر والي البهنسا كاتبا. فلمّا كانت أيّام خاله (3) ابن سعيد الدولة باشر به في ديوان الجيش إلى أن ولي خاله كريم الدين عبد الكريم (4) الكبير نظر الخاصّ. فاستقرّ أكرم بعد ما أظهر الإسلام في نظر الدولة رفيقا لتقيّ الدين أسعد بن أمين الملك (5)، نقل إليها من ديوان الجيش واستقرّ في نظر الكارم والصحبة والقند 6 في يوم السبت خامس عشرين جمادى الآخرة سنة سبع عشرة [وسبعمائة].
وقصد عدّة مرات مصادرة الولاة فمنعه خاله كريم الدين الكبير من ذلك، فلم يعجبه منعه إيّاه، وشكاه غير مرّة إلى الأمير أرغون النائب أنّه يمنعه من تحصيل مال السلطان. فلمّا قبض على كريم
(1) كلمة غير مقروءة. وفي اضطراب سياسته في الإقطاعات وسوء تصرّفه، انظر النجوم 10/ 86.
(2)
أعيان العصر 1/ 582 (315) والوافي 9/ 345 (4275)، الدرر: 1036، المنهل 3/ 33 (522)؛ السلوك 2/ 271.
(3)
خال كريم الدين الصغير هو كريم الدين الكبير أبو الفضائل أكرم بن هبة الله المعروف بابن السديد لا ابن السعيد. انظر ترجمته في الدرر 1/ 401 (1037) وفي دائرة المعارف الإسلامية 3/ 947 (ابن السديد).
(4)
الشقيّ الأحول، مرّت ترجمته برقم 734 (ت 716).
(5)
في الدرر: يتحدّث في الخاصّ والمتجر
…
فأرسل إلى تجّار الكارم
…
واحتال للكارميّة: فالكارم هم تجّار من الزنوج- وكارم محوّلة عن كانم- يتجرون في الأبزار والعطور (دوزفي كرم) والصحبة هي مصاحبة السلطان في أسفاره (دوزي أيضا). والقند هو السكّر. فهذه موادّ المتجر.
الدين [الكبير] رسم له على لسان النائب أن يتحدّث في مال السلطان كيف يجبى فإنّه ما بقي له أحد يعانده [217 أ] وأنا أسلّم له المملكة يتصرّف فيها كلّها: الخاصّ والمتجر وغيره، ويدبّر الخاصّ والدولة.
فجعل يتمنّع من ذلك تمنّعا كبيرا، فرسم بحبسه مع خاله، فسجن عنده، ثم أفرج عنه معه.
وقبض عليه في يوم السبت سلخ ربيع الآخر وعلى ولده سعد الدين فرج الله، وسلّما للصاحب أمين الدولة عبد الله بن الغنّام، فأحضره بين يديه وأخرق به وأهانه وهدّده بضربه بالمقارع على تخليص المال، وأخرجه حافيا. فنزل ولده مهانا ليجمع المال، وسجن أكرم ببرج في القلعة عند باب القرافة.
وكان من الاتّفاق العجيب أنّ أكرم هذا كان قد وشى بالأمير طيبغا العجميّ حتى أخذه السلطان من طريق مكّة وأحضره منكّلا به وسجنه بهذا البرج وأخذ ماله. فكتب عند ما أفرج عنه بحائطه:
حضرت من مكّة يوم كذا، وحبست في هذا البرج ستّة عشر يوما، وكنت مظلوما، ففرّج الله عنّي.
وأرجو أن يأخذ الله حقّي ممّن ظلمني- يعني أكرم هذا، فاستجيب له، وكان أكرم يرى خطّه وهو في البرج ويتأمّله.
وكان الوزير ابن الغنّام إذا استدعاه للمطالبة يصيح به العامّة: بالله ذوّقه المقترح كما يفعل بالناس! - وكان قد استجدّ أن يضرب من يعاقبه على صدره بالعصيّ وسمّى هذا الضرب «المقترح» ، فتكاد العامّة عند ما يحضر أن تختطفه من شدّة بغضها له.
فبذل جهده في السعي حتى أعفي من طلبه، واستمرّ ولده يحمل مدّة ستّة عشر يوما- قدر ما أقام العجميّ- ثم أفرج عنه. فكان جميع ما حمل له مبلغ مائة وستّين ألف درهم، باع فيها ثياب بدنه، وأثاث بيته وأوانيه، وداره بمنشأة المهرانيّ.
ثم أخرج على [219 ب] البريد إلى صفد في ليلة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، فأقام بها إلى أن قدم عليه البريد باستقراره في نظر الشام عوضا عن شمس الدين غبريال (1)، فسار إليها على البريد في يوم السادس عشر من شوّال، وقدم دمشق في ثالث عشرينه. فباشر الوزارة وضبط أمر دمشق ضبطا زائدا وسار سيرة حسنة فأعجب به النائب وغيره، إلى أن بلغ الفخر ناظر الجيش أنّ ولده أبا الفرج يكاتبه بمتجدّدات أمور مصر وأخبار أهل الدولة، ويكنّي عن أسماء الأعيان بألقاب يضعها عليهم. فخيّلوا للسلطان منه حتى رسم بإحضاره، فقدم على البريد من دمشق في يوم الاثنين سادس شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين ومثل بحضرة السلطان وهو بناحية سفط من الجيزة، فلم يكترث به وبالغ في الإنكار عليه وأمره بملازمة داره. وبعث غبريال عوضا عنه إلى دمشق.
وأسرّ السلطان إلى الوزير مغلطاي الجماليّ بقتله سرّا، فتقدّم إلى والي القاهرة بذلك: فكمن له جماعة يترصّدونه إلى أن خرج من داره راكبا في ليلة الاثنين رابع شهر ربيع الآخر يريد الحمّام، فوثب به الجماعة، وكان مستعدّا فنجا بفرسه.
وبطشوا بغلامه فقتلوه. وطار الخبر وانتشر في الناس حتى بلغ للسلطان، فرسم بنفيه إلى أسوان.
فأحضر [هـ] الوزير هو وأولاده في يوم السبت تاسعه إلى مجلس السلطان وطالبه بالمال، فأنكر أن يكون عنده مال، فضرب ابنه سعد الدين بالمقارع، وسلّم أكرم إلى الوالي فوجد معه
(1) هو القاضي ابن صنيعة القبطيّ.