الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس وهو لو دار في مكان لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف ولما تحول الإِمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال وهذا يستدعي عملًا كثيرًا في الصلاة فيحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة اهـ
(فقه الحديث) دل الحديث على أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قباء الذين بنو سلمة لم يؤمروا بإعادة الصلاة مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل شروعهم في تلك الصلاة، وعلى جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وعلى أن استماع المصلي لكلام من يعلمه لا يفسد صلاته، وعلى قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وعلى نسخ ما ثبت بطريق العلم بخبر الواحد لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى جهته وتحولهم إلى الكعبة بخبر هذا الواحد "فإن قيل" إن نسخ المقطوع به بخبر الواحد ممتنع عند أهل الأصول "قيل" إن ذلك جائز في زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لوجود الوحي الذي لا يقرّ إلا بالمشروع أو أن هذا الخبر قد احتفّ بالقرائن والمقدمات التي أفادت القطع لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقلب وجهه إلى السماء ليحوّل إلى جهة الكعبة وقد عرفت الأنصار ذلك بملازمتهم له فكانوا يتوقعون ذلك في كل وقت فلما جاءهم الخبر بذلك أفادهم العلم بما كانوا يتوقعون حدوثه
(والحديث) أخرجه أحمد والنسائي ومسلم وابن خزيمة
(باب تفريع أبواب الجمعة)
التفريع في الأصل التفريق والتفصيل والمراد هنا بيان الفصول والأبواب المتعلقة بالجمعة
(باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة)
وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَاّ وَهِيَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَاّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةً إِلَاّ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا". قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ.
فَقُلْتُ بَلْ في كُلِّ جُمُعَةٍ. قَالَ فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ فَأَخْبِرْنِي بِهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَقُلْتُ كَيْفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي". وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّي فِيهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ في صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ". قَالَ فَقُلْتُ بَلَي. قَالَ هُوَ ذَاكَ.
(ش)(القعنبي) هو عبد الله بن مسلمة تقدم في الجزء الأول صفحة 22
(قوله خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة) أي أفضل الأيام يوم الجمعة فخير أفعل تفضيل حذفت منه الهمزة لكثرة الاستعمال "وهو لا ينافي" ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله ابن قرط أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر وما رواه أيضًا عن جابر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة "لأن تفضيل يوم الجمعة" بالنسبة لأيام الأسبوع وتفضيل يوم عرفة أو يوم النحر بالنسبة لأيام السنة وقد صرّح العراقي بأن حديث أفضلية يوم الجمعة أصح والشوكاني بأن دلالة حديث جابر على أفضلية يوم عرفة أقوي من دلالة حديث عبد الله بن قرط على أفضلية يوم النحر. والجمعة بضم الميم على الأشهر وحكى فيها الفتح والكسر والسكون. وسمي بالجمعة قيل لأنه جمع فيه خلق آدم من الماء والطين. وقيل لاجتماع الأنصار مع أسعد بن زرارة فيه فصلي بهم وذكرهم فسموه بالجمعة بعد أن كانوا يسمونه يوم العروبة
وقيل لاجتماع الناس فيه للصلاة وبه جزم ابن حزم وقيل لاجتماع آدم وحواء فيه
(قوله فيه خلق آدم) بيان لبعض فضائل يوم الجمعة والمراد بخلق آدم نفخ الروح فيه فلا ينافي ما تقدم من أنه جمع فيه خلقه لأنه جمع خلقه فيه من الماء والطين ثم مكث ما شاء الله ثم نفخ فيه الروح يوم الجمعة أيضًا. وفي رواية مسلم والترمذي وفيه أدخل الجنة. وفيها دليل على أنه عليه السلام لم يخلق في الجنة بل خلق خارجها ثم أدخلها
(قوله وفيه أهبط) وفي رواية مسلم وفيه أخرج منها أي أنزل من الجنة في مكان بالهند يقال له سرنديب. وكان هبوطه من مزايا يوم الجمعة لما ترتب عليه من الخير الكثير ولا سيما وجود النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قال القاضي) الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيلته لأن إخراج آدم وقيام الساعة لا يعدّ فضيلة وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب فيه العبد بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله ودفع نقمه اهـ وقال ابن العربي في شرح الترمذي الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطار ثم يعود إليها وأما قيام الساعة فتعجيل لجزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم
(قوله وفيه تيب عليه) يعني قبل الله توبته في يوم الجمعة مما وقع منه من الأكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها بعد أن مكث ثلثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله عز وجل فلما أراد الله الخير لقنه كلمات كانت سبب توبته كما قال تعالى {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} قيل هي قوله تعالى {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} وقيل هي سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالي جدك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وما وقع لآدم من أكله من الشجرة من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين فإنه لم يتعمد المخالفة بل اجتهد فأخطأ حيث فهم أن الشجرة المنهي عن الأكل منها هي شخص الشجرة التي كانت قريبة منه كما هو مقتضى اسم الإشارة في قوله تعالى {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} لا جنس الشجر فأكل من غيرها متأولًا فأخطأ في اجتهاده فهي صورة معصية
(قوله وفيه مات) أي في يوم الجمعة مات آدم قيل دفن بالهند وقيل بمكة في غار أبي قبيس وهو الذي يقال له غار الكنز. وقيل دفن. ببيت المقدس كما ذكره العيني عن ابن عباس قال لما كان أيام الطوفان حمل نوح تابوت آدم في السفينة فلما خرج دفنه ببيت المقدس اهـ وكان موته يوم الجمعة من مزاياه لأن الموت تحفة المؤمن كما رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر موقوفًا
(قوله وفيه تقوم الساعة) أي القيامة وكان قيام الساعة من مزايا يوم الجمعة لأن فيه نعمتين عظيمتين للمؤمنين وصولهم إلى النعيم المقيم وإدخال أعدائهم في نيران الجحيم
(قوله وما من دابة إلا وهي مسيخة الخ) روى بالسين والصاد المهملتين أي مصغية ومترقبة قيام الساعة بإلهام من الله تعالى خوفا من قيامها فيما بين الفجر وطلوع الشمس
وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. وقوله من حين بفتح النون مبنيًا لإضافته إلى الجملة ويجوز إعرابه إلا أن الرواية بالفتح
(قوله إلا الجن والإنس) فإنهم لا يترقبون انتظار الساعة ولا يخافون قيامها في هذا اليوم لكثرة غفلتهم لا لأنهم لا يعلمون ذلك. وروى ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا تطلع الشمس ولا تغرب على أفضل من يوم الجمعة وما من دابة إلا وهي تفزع يوم الجمعة إلا هذين الثقلين الجن والإنس. وأخفاها الله عز وجل عن الثقلين لتحقق إيمانهم بالغيب
(قوله وفيها ساعة) أي في الجمعة أو في ساعاتها. وفي نسخة وفيه بالتذكير أي في يوم الجمعة
(قوله لا يصادفها عبد مسلم الخ) أي لا يوافقها عبد مسلم في حال صلاته حقيقة أو حكمًا بانتظاره الصلاة وقوله يسأل الله الخ أي يطلب منه تعالى أي حاجة دنيوية كانت أو أخروية في أي حال إلا أعطاه الله إياها بالشروط المعتبرة في آداب الدعاء كأن يدعوه تعالى وهو موقن بالإجابة
(قوله قال كعب ذلك في كل سنة يوم) يعني تلك الساعة التي يجاب فيها الدعاء يوم الجمعة تكون في يوم واحد من كل سنة. و (كعب) هو ابن ماتع بالمثناة الفوقية المكسورة أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر أو عمر وهو الصحيح وأخرج ابن سعد بسند حسن عن سعيد بن المسيب قال قال العباس لكعب ما منعك أن تسلم في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبي بكر قال إن أبي كتب لي كتابًا من التوراة فقال اعمل بهذا وختم على سائر كتبه وأخذ عليّ بحق الوالد على الولد أن لا أفض الختم عنها فلما رأيت ظهور الإِسلام قلت لعل أبي غيب عني علمًا ففتحتها فإذا صفة محمَّد وأمته فجئت الآن مسلمًا. ولعل الكتاب الذي كتبه أبوه له من التوراة كان فيه الحث على التمسك بدين اليهود والتنفير من الإيمان بالنبي محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدعوى أن التوراة تأمر بذلك. وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق أسامة بن زيد عن أبي معن قال لقي عبد الله ابن سلام كعبًا عند عمر فقال يا كعب من العلماء قال الذين يعملون بالعلم قال فماذا يذهب العلم من قلوب العلماء قال الطمع وشره النفس وتطلب الحاجات إلى الناس قال صدقت. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلًا وعن عمر وعائشة وصيهب. وعنه من الصحابة ابن عمر وابن عباس وأبوهريرة وابن الزبير ومعاوية ومن التابعين أبو رافع الصائغ وسعيد بن المسيب ومالك بن عامر وعبد الله بن رباح وآخرون. توفي سنة اثنتين أو أربع وثلاثين
(قوله فقلت بل في كل جمعة الخ) أي قال أبوهريرة إن ذلك اليوم المشتمل على ساعة الإجابة موجود في كل أسبوع فقرأ كعب التوراة لينظر هذه الساعة فوجدها كما أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال صدق رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم
(قوله ثم لقيت عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام ابن الحارث أبا يوسف الإسراءيلي الأنصاري من ولد يوسف بن يعقوب يقال كان اسمه الحصين فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد الله. أسلم أول قدومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة فقد أخرج أحمد من طريق زرارة بن أوفي عن عبد الله بن سلام قال لما قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة كمت ممن انجفل "أي أسرع الهرب" فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وأخرج البخاري من طريق حميد قال حدثنا أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة فأتاه يسأله عن أشياء فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبيّ ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه قال أخبرني به جبريل آنفًا قال ابن سلام ذاك عدوّ اليهود من الملائكة قال أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أيّ رجل عبد الله بن سلام فيكم قالوا خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام قالوا أعاذه الله من ذلك فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك فخرج إليهم عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قالوا شّرنا وابن شرّنا وانتقصوه قال هذا كنت أخاف يا رسول الله. وفي رواية للحاكم فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كذبتم لن يقبل قولكم أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم وأما إن آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم
(قوله هي آخر ساعة من يوم الجمعة) أي آخر جزء منه. ويدل عليه حديث جابر الآتي في الباب بعد وما رواه الترمذي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التمسوا الساعة التي ترجي يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس
(فقه الحديث) دلّ الحديث على فضل يوم الجمعة، وعلى الترغيب في الإكثار فيه من العمل الصالح، وعلى أن القيامة تقوم فيه وأن الحيوانات العجم ملهمة ذلك فتخشى قيامها في كل يوم جمعة بخلاف الجنّ والإنس فهم في غفلة عن ذلك، وعلى الترغيب في الدعاء يوم الجمعة ولا سيما آخر ساعة منه، وعلى أن شريعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مصدّقة للكتب القديمة
(ومن أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مالك والترمذي والنسائي وأخرج البخاري ومسلم طرفًا منه في ذكر ساعة الجمعة من رواية الأعرج عن أبي هريرة وأخرج مسلم الفصل الأول
في فضل الجمعة عن رواية الأعرج أيضًا وأخرجه البيهقي من طريق ابن بكير قال حدثنا مالك وذكر سنده إلى أبي هريرة
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ نَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ". قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ بَلِيتَ. فَقَالَ "إِنَّ اللهَ عز وجل حَرَّمَ عَلَي الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ".
(ش)(أبو الأشعث) هو ابن شرحبيل بن آدة تقدم في الجزء الثالث صفحة 209
(قوله وفيه النفخة وفيه الصعقة) المراد بالنفخة نفخة البعث وهي النفخة الثانية وبالصعقة النفخة الأولى التي يموت بها من كان حيًا حياة دنيوية إلا الرؤساء من الملائكة لما رواه ابن جرير الطبري بسنده عن أنس بن مالك قال قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله" فقيل من هؤلاء الذين استثني الله يا رسول الله قال جبراءيل وميكاءيل وملك الموت فإذا قبض أرواح الخلائق قال يا ملك الموت من بقي وهو أعلم قال يقول سبحانك تباركت ربي ذا الجلال والإكرام بقي جبريل وميكاءيل وملك الموت قال يقول يا ملك الموت خذ نفس نفس ميكاءيل قال فيقع كالطود العظيم قال ثم يقول يا ملك الموت من بقي فيقول سبحانك ربي يا ذا الجلال والإكرام بقي جبريل وملك الموت قال فيقول يا ملك الموت من قال فيموت قال ثم يقول يا جبريل من بقي قال فيقول جبريل سبحانك ربي يا ذا الجلال والإكرام بقي جبريل وهو من الله بالمكان الذي هو به قال فيقول يا جبريل لا بد من موتة قال فيقع ساجدًا يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام أنت الباقي وجبريل الميت الفاني قال ويأخذ روحه في الخلقة التي خلق منها قال فيقع على ميكاءيل إن فضل خلقه على خلق ميكاءيل كفضل الطود العظيم على الظرب من الظراب اهـ "والظرب بفتح فكسر هو المكان المرتفع" أما من كان حيًا حياة برزخية فإنه يغشي عليه. فالنفخ في الصور مرّتان وهوظاهر قوله تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} ثم نفخ فيه أخري فإذا هم قيام ينظرون" وقيل إن النفخ ثلاث مرّات الأولى يكون بهما الزلزلة وتسيير الجبال وتكرير الشمس وانكدار النجوم وتسجير البحار والناس أحياء ولهون ينظرون إليها فتذهل كل مرضعة عما أرضعت والثانية والثالثة ما ذكرنا. والصعقة المرّة من الصعق وهو أن يغشي على الإنسان من صوت "شديد يسمعه وربما مات منه ثم استعمل في الموت كثيرًا. وقيل المراد بالصعقة صعقة موسى عليه الصلاة والسلام المذكورة في قوله تعالى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)
(قوله فإن صلاتكم معروضة عليّ) تعليل لطلب الإكثار من الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في يوم الجمعة والمعني أن الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الجمعة تعرض عليه كعرض الهدايا على من أهديت إليه فهي من أهم الأعمال الطيبة فينبغي الإكثار منها ولا سيما في الأوقات الفاضلة فإن العمل الصالح يزيد ثوابه بفضل وقته
(قوله وقد أرمت) بفتح الراء أصله أرمت حذفت إحدي الميمين كما قالوا أحست في أحسست ويروى بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الميم ويجوز أن يكون أرمت بضم الهمزة بوزن أمرت من الأرم وهو الأكل أي صرت مأكولًا للأرض من قولهم أرمت الإبل تأرم إذا تناولت العلف وقلعته من الأرض (وقال الحربي) يرويه المحدّثون أرمت بفتح الميم ثم المشددة وفح التاء ولا أعرف وجهه والصواب أرمت بتشديد الميم وسكون التاء فتكون التاء لتأنيث العظام أي بليت عظامك أو رممت بكسر الميم الأولى وسكون الثانية أي صرت رمميا اهـ من النهاية بتصرّف
(قوله قال يقولون بليت الخ) أي قال أوس يقصدون بقولهم أرمت بليت (وسألوا) عن كيفية العرض لاستبعادهم له بعد فناء الجسد واستبعادهم أيضًا العرض على الروح المجرّد ولذا قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء أي منعها من أن تأكل جسدهم وهو كناية عن حياتهم في قبورهم (وقد وردت) أحاديث كثيرة تؤيد هذا وتدلّ على أن الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تبلغه في قبره ممن صلى عليه (منها) ما رواه ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة وإن أحدًا لن يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها قال قلت وبعد الموت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (ومنها) ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن خالد بن معدان أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أكثروا الصلاة في عليّ كل جمعة فإن صلاة أمتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة (ومنها) ما رواه البيهقي با سناد حسن عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثروا عليّ من الصلاة في كل يوم جمعة
فإن صلاة أمتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم عليّ صلاة كان أقربهم مني منزلة (ومنها) ما رواه النسائي وابن حبان في في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه تعالى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن لله ملائكته سياحين يبلغوفي عن أمتي السلام (ومنها) ما رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن الحسن بن على رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال حيثما كنتم فصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني (ومنها) ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من صلى عليّ بلغتني صلاته وصليت عليه وكتب له سوي ذلك عشر حسنات (ومنها) ما رواه أبو الشيخ بن حبان والبزّار واللفظله عن عمار بن ياسر رضي الله
تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله وكل بقبري ملكًا أعطاه الله أسماء الخلائق فلا يصلي عليّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان بن فلان قد صلى عليك (ومنها) ما رواه البزّار والطبراني في الكبير وأبو الشيخ بن حبان واللفظ له عن عمار أيضًا قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن لله تبارك وتعالي ملكًا أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا متّ فليس أحد يصلي عليّ صلاة إلا قال يا محمَّد صلى عليك فلان بن فلان قال فيصلي الرب تبارك وتعالي على ذلك الرجل بكل واحدة عشرًا (وفي هذا كله) دلالة على أن إلَاّ نبياء أحياء في قبورهم وأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تعرض عليه اعمال أمته
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على أن النفخة الأولى والثانية تقعان يوم الجمعة، وعلى الحث على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيه وعلى أن الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تعرض عليه في قبره، وعلى أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء (وألحق بعضهم) شهداء المعركة الذين قاتلوا لإعلاء كلمة الله عز وجل بالأنبياء في ذلك لقوله تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ولما ذكره بعض المفسرين من أن معاوية لما أراد أن يجري العين على قبور الشهداء أمر بأن ينادي من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع قال جابر فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصابت المسحاة "الفأس" أصبع رجل منهم فقطرت دمًا (وفيه) أن مثل هذا لا يثبت بالقياس إذ فرق كبير بين الأنبياء وغيرهم (والآية ليست نصًا) في أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء. وأكثر المحققين على أن حياة الشهداء بالروح والجسد بحالة لا ندركها في هذه الدار (وقال بعضهم) المراد بحياة الشهداء أن الله تعالى يجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر في الجنة لما سياتي للمصنف. في "باب فضل الشهادة" من كتاب الجهاد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله