الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن
كتاب الإمارة والقضاء
(من الصحاح)
[2652]
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه: (وإن قال بغيره فإن عليه منه) قال بغيره أي: أحبه وأخذ به إيثاراً له وميلاً إليه. وذلك مثل قولك: فلان يقول بالقدر، ويقول بالرجعة، وما أشبه ذلك. فالمعنى: أنه يحبه ويؤثره. ويجوز أن يكون معناه: حكم بغيره، فإن القول يستعمل في معنى الحكم ومنه القيل. وقوله:(فإن عليه منه) أي: عليه وزر من صنيعه ذلك. [قال الشيخ رحمه الله]: وقد وجدناه في أكثر نسخ المصابيح (فإن عليه منه) بتشديد النون مع ضم الميم وتاء التأنيث آخره، على أنها كلمة واحدة، وهو تصحيف غير محتمل لوجه هاهنا، وإنما هو حرف الجر مع الضمير المتصل به.
[2657]
ومنه قول عبادة بن الصامت- رضي الله عنه في حديثه (والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا) يقول: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نسمع ونطيع فيما تنشط فيه النفس وفيما تكرهه، وبايعناه على أثرة
علينا الأثرة بالتحريك الاسم من الاستئثار يقال: استأثر الرجل بالشيء أي: استبد به، وجمع الأثرة الأثر. ومنه قول الحطيئة في أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه:
ما آثروك بها إذ قدموك لها
…
لكن لأنفسهم كانت بن الأثر
(وعلى أثرة علينا) راجع إلى من يلي الأمر من الأمراء وأصحاب البيعة من أولى الأمر فيستأثر بحق المبايع غيره عليه فإن هذا [94/ب] مما لا يمكن في حق النبي صلى الله عليه وسلم ومما لا يظن أيضاً بالخلفاء الراشدين. وأراد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منا البيعة على أن نصبر على أثرة علينا، فلا ننابذ من بويع من ولاة الأمر فصنع هذا الصنيع.
وهذا الذي ذكره عبادة في حديثه هو الذي أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث أسيد بن حضير لرجل من الأنصار وقد خلا به- (إنكم سترون بعدي أثرة).
وفيه: (كفراً بواحاً) أي: جهاراً لا خفاء به، من قولهم: باح الشيء وأباحه: إذا جهر به.
[2660]
ومنه حديث أبي هريرة- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة الجاهلية .. الحديث) الميتة بكسر الميم: الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت كالجلة والركبة يقال: مات فلان ميتة حسنة، وإنما قال: جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية لم يكونوا متمسكين بطاعة أمير ويعدون ذلك سفاهة ودناءة، لا جرم أن القوي منهم كان يأكل الضعيف، ثم لا يزعه وازع. وكان ذلك الرأي منهم حقيقاً بان يخطأ ويسفه ويذم عليه.
وفيه (ومن قاتل تحت راية عميقة) أي: قاتل على أمر مظلم لا يعرف فيه الحق من الباطل، وقد مر تفسير العمية.
وفيه (فقتل، فقتلة) قتلة بكسر القاف وهي: الحالة التي تكون عليها من القتل على ما مر. وذلك؛ لأن الأمر الموصوف كان من سنن أهل الجاهلية المخالف لهدى أهل الإسلام.
[2662]
ومنه حديث أم سلمة- رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم (يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون .. الحديث) أي ترون منهم من حسن السيرة ما تعرفون وترون من سوء السيرة وما تنكرون (فمن أنكر) يعني بلسانه فيفاوضهم فيما هو حق الدين وواجب النصيحة (فقد برئ) يعني: من النفاق والمداهنة. (ومن كره) ذلك بقلبه ومنعه الضعف عن إظهار ما يضمر من النكير (فقد سلم) من العقوبة على ترك النكير ظاهراً. وقوله: (ولكن من رضى وتابع) المعنى: ولكن الذي رضى بالمنكر وتابع عليه هو الذي لم يبرأ من النفاق ولم يسلم من العقوبة.
[2663]
ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً .. الحديث) قد ذكرنا المراد من الأثرة وإنما أعدناه؛ لأن في بعض نسخ المصابيح (أموراً) بغير واو والرواية المعتد بها بواو العطف. وفي كتاب مسلم (سيكون بعدي أثرة وأمور).
[2665]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر- رضي الله عنهما (من خلع يداً من طاعة) وفي الحديث أيضاً (من نزع يداً من طاعته) وكلا اللفظين عبارة عن نقض البيعة وذلك؛ لأن من شأن المبايع أن يضع يده في يد من يبايعه فلما كان وضع اليد كناية عن إنشاء البيعة وإمضائها؛ صار خلع اليد ونزعها عبارة عن نقضها.
[2667]
ومنه حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) الوجه في هذا الحديث أن يحمل القتل فيه على القتال. او يقال المراد من القتل بإبطال بيعة الآخر وتوهين أمره. من قولهم: قتلت الشراب أي: مزجته وكسرت سورته بالماء.
ومنه قول حسان بن ثابت- رضي الله عنه:
إن التي ناولتني فرددتها
…
قتلت قتلت! فهاتها لم تقتل
[2678]
ومنه حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه: (ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .. الحديث) الأصل في الرعي حفظ الحيوان، إما بغذائه الحافظ لحياته، وإما بذب العدو عنه. يقال: رعيت الإبل أرعاها رعياً. وكذلك رعي البعير الكلأ بنفسه رعياً ورعي الأمير رعيته رعاية، وهو القيام على إصلاح ما يتولاه. أي: كلكم يسأل عما استرعى أي شيء كان، فلا يكونن مقصراً في إصلاح ذلك الشيء ورعايته، فإن الله سائلة عن ذلك.
[2681]
ومنه حديث عائشة- رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن شر الرعاة الحطمة) الراعي يجمع على رعاء ورعاة. أراد به الراعي الذي يظلم رعيته يقال: رجل حطم وحطمة: إذا كان قليل الرحمة للماشية يلقى بعضها على بعض قال الراجز:
قد لفها الليل بسواق حطم
[2683]
ومنه حديثه الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين على منابر من نور .. الحديث) القسط بالكسر العدل. والأصل فيه التنصيب. تقول منه: قسط الرجل: إذا جار، وهو أن يأخذ قسك غيره. والمصدر: القسوط. وأقسط: إذا عدل. وهو أن يعطي نصيب غيره. ويحتمل أن الألف أدخل فيه لسلب المعنى كما
أدخل في كثير من الأفعال إزالة القوط. وقد فر المقسطين في الحديث بما وصفهم به من قوله: (الذين يعدلون .. إلى آخر الحديث) والمراد من قوله: (عن يمين الرحمن) كرامتهم على الله وقرب محلهم وعلو منزلتهم وذلك، لأن من شأن من عظم قدره في الناس أن يتبوأ عن يمين الملك ثم إنه نزه ربه سبحانه عما سبق إلى فهم من لم يقدر الله حق قدره من مقابلة اليمين باليسار، وكشف عن حقيقة المراد بقوله:(وكلتا يديه يمين).
[2685]
ومنه حديث أنس- رضي الله عنه (كان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير) قيس هذا هو قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري سيد الخزرج وابن سيدها أحد دهاة العرب وأهل الرأي ورياسة الجيوش، وكان من ذوي النجدة والبسالة والكرم والسخاء، وكان طوالاً سناطاً. أراد: أنه كان منتصباً بين يديه لتنفيذ ما يريد ويأمر به كصاحب الشرط الذي يتقدم بين يدي الأمير لتنفيذ أوامره وهو الحاكم على الشرط للأمور السياسية. والشرط جمع شرطة وشرطي، وهم قواد الأمير وحراسه ومسالحه، سموا بذلك؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.
(ومن الحسان)
[2687]
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة- رضي الله عنه: (من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) قيد شبر أي: قدره يقال: بينهما قيد رمح وقاد- رمح أي: قدر رمح. ومنه
الحديث (حين مالت الشمس قيد الشراك). وفي حديث آخر (حتى ترتفع الشمس قيد رمح) يعني في رأي العين في الحديثين وفي حديث آخر: (لقاب قوس أحدكم من الجنة أو قيد سوطه) قيل: أصل قيد قود من القود وهو المماثلة والقصاص يدل عليه قولهم: قيس كذا (والربق) بالكسر: حبل فيه عدة عرى يشد به إليهم. الواحدة من العروة ربقة. شبه ما لزم الأعناق من حق الدين وذمة الإسلام بالربقة التي تجعل في أعناق إليهم، فاستعملها موضع العهد؛ لأنها تلزم لزوم الربائق الأعناق.
والمعنى: أن الذي خرج عن الطاعة وفارق ما عليه الجماعة بترك السنة واتباع البدعة ونزع اليد عن الطاعة ولو كان قدراً يسيراً يقدر في الشاهد قيد شبر، فقد نبذ عهد الله [96/أ] وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة.
وفيه: (من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم) الدعوى: الدعاء. قال الله سبحانه: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} يقال: دعوته أي ناديته. والمعنى: من نادى بمثل نداء الجاهلية، وذلك أن الرجل منهم إذا غلب في الخصام ونيل منه نادى بأعلى صوته يا لفلان مستصرخاً ذويه وقومه فأتاه الصريخ من هنا وهنا مهرولين نحوه لا يلوون على شيء، قائمين بنصره ظالماً أو مظلوماً جهلاً منهم وعصبية، فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية ويقتفيها فغنه من أهل جهنم. وجثى المقصورة فسرت بالجماعات وذلك أن الجثوة بالحركات الثلاث الحجارة المجموعة، وجثى الحرم- بضم الجيم وكسرها أيضاً- ما اجتمع فيه من حجارة الجمار والمفتوحة فيها يجمع على جثوات. وعلى هذا فضم الجيم وكسرها جائز فيها. والتي نحث والتي تحققها رواية الضم، ومن حقها أن تكتب بالياء. وأصحاب الحديث يرجعون في أمثال ذلك إلى ما يقتضيه التلفظ، فيكتبون بالألف كثيراً من الألفاظ التي حقها أن تكتب بالياء؛ لئلا تلتبس على الناقل، وهو سبيل لا يرتضيه أهل العربية. وقيل:(من جثى جهنم) بالياء المشددة جمع جاث. أي: الذين يجثون فيها. وأرى هذا الوجه- وإن قلت منه الرواية- أشبه بالصواب؛ لما يؤيده صيغة التنزيل قال الله تعالى: {ونذر الظالمين فيها جثياً} وعلى هذا فيجوز كسر الجيم فيه لما بعدها من الكسرة وقد قرئ بها في كتاب الله.
[2692]
ومنه حديث حذيفة- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن العرافة حق ولابد للناس .. الحديث) العريف شاهد القوم وضمينهم كالنقيب يقوم بأمر القبيلة والمحلة ويلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم وهو دون الرئيس، والجمع عرفاء، تقول: عرف فلان- بالضم- عرافة- بالفتح- أي: صار عريفاً
مثل: خطب خطابة بالفتح: إذا صار خطيباً. وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت: عرف يعرف عرافة مثل كتب يكتب كتابة والتي في هذا الحديث (العرافة) بالكسر. وقوله (حق) يقع هاهنا موقع المصلحة والأمر الذي تدعو إليه الضرورة في ترتيب البعوث والأجناد وما يلم به شعثهم من الأرزاق والأعطيات والإحاطة بعددهم [96/ب]؛ لاستخراج السهمان ونحوه. وقوله: (العرفاء في النار) أي: فيما يقربهم إليها ورد هذا القول مورد التحذير عن التبعات التي يتضمنها والآفات التي لا تؤمن فيها والفتن التي يتوقع منها، والأمر بالتيقظ دونها، وغير ذلك من البليات التي قلما يسلم منها الواقع وفيها.
[2694]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بن عباس- رضي الله عنهما: (من سكن البادية جفا) جفا أي: غلظ فلا يرق قلبه لبر أو صلة. وفي غير هذه الرواية (من بدا جفا) من البداوة. وإنما يؤنس منه الفظاظة والغلظة لقلة اختلاطه الناس، وطول عهده بأهل العلم ومن يستفيد منه أدبا لحرمته عن تركه الجمعة والجماعات. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (البداء من جفا) أي: من غلظ الطبع.