الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[3420]
ومنه حديث عائشة رضي الله عنها (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رئى فيكم المغربون) بتشديد الراء وكسرها، وهم: الذين يشترك فيهم الجن على ما في الحديث، سموا المغربين؛ لأنه دخل فيهم عرق غريب أو جاء من نسب بعيد.
ومن
باب الفال والطيرة
(من الصحاح)
[3422]
حديث سعد بن أبي وقاس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا عدوى) الحديث. العدوى ههنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلان فلاناً [142/ب] من خلقه أي: من علة به. وذلك على ما يذهب إليه المتطيبة في علل سبع: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية.
وقد اختلف علماء الأمة في تأويل هذا الحديث فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث، والقرائن المنسوقة على العدوى وهم الأكثرون، ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها فقد قال صلى الله عليه وسلم:(وفر من المجذوم فرارك من الأسد) وقال: (لا يوردن ذو عاهة على مصح) وإنما أراد بذلك نفى ما كان يعتمده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هنا أن الأمر ليس على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة، إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن، ويشير إلى هذا المعنى قوله:(فمن أعدى الأول) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول؟ وبين بقوله:(وفر من المجذوم) وبقوله: (لا بوردن ذو عاهة على مصح) أن مداناة ذلك من أسباب العلة فليتقه كما اتقاه من الجدار المائل، والسفينة المعيوبة. وقد رد الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم
بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقاً على من باشر الأمرين، فيصيبه علة في نفسه، أو عاهة في إيله، فيعتقد أن العدوى حق.
قلت: وأرى القول الثاني أولى التأويلين، لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع بتعطيلها، بل بإثباته، والعبرة بها، على وجه لا يناقص أصول التوحيد، ولا يناقصه في القول بها على الوجه الذي ذكرناه، وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها، فإنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي بين ما هو حرام وبين ما هو مكروه وبين ما ينهى عنه لمعنى وبين ما ينهي عنه لمعان [143/أ] كثيرة، فيدل على صحة ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم المبايع:(قد بايعناك فارجع) في حديث الشريد بن سويد الثقفي، وهو مذكور فيما بعد هذا الباب. وقوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة (كل ثقة بالله وتوكلاً عليه) ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه تبين بالأول التعرض للأسباب وهو سنته، وبالتالي ترك الأسباب وهو حاله.
وفيه (ولا طيرة) الطيرة: التفائل بالطير والتشاؤم بها، كانوا يجعلون العبرة في ذلك تارة بالأسماء وتارة بالأصوات، وطوراً بالسنوح، وطوراً بالبروح، وكانوا يهيجونها من أماكنها لذلك. والطيرة تطير طيرة كما يقال: تخير خيرة. ولم يأت من المصادر على هذه الصيغة غيرهما. ولم يأت من الأسماء على وزانهما إلا التولة وسبى طيبة، والتولة بالضم أيضاً.
وفيه (ولا هامة) الهامة: من طير الليل، وهو الصدى، وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك ثأره تصير هامة فتزقو تقول: اسقوني اسقوني، فإذا أدرك ثأره طارت. وإلى هذا المعنى يلتفت قول الشاعر:
ومنا الذي أبلى صدى ابن مالك .... ونفر طيراً عن جعادة وقعا
وفيه (ولا صفر) الصفر فيما كانت العرب تزعم: حية في البطن تعض الإنسان إذا جاع. واللذع الذي تجده عند الجوع يرونه من عضه. قال أعشى باهلة:
ولا يعض على شرسوفه الصفر
وقيل إنه تأخيرهم المحرم إلى صفر، والوجه هو الأول. وفي رواية:(ولا نوء) النوء عند العرب: سقوط نجم وطلوع نظيره من الفجر. أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، من المنازل الثمانية والعشرين.
كانوا يعتقدون أنه لا بد عند ذلك من مطر أو ريح، فمنهم من يجعله الطالع [143/ب]؛ لأنه ناء. ومنهم من ينسبه إلى الغارب، فنفى صحة ذلك، ونهى عن القول به، وكفر من يعتقد أن النجم فاعل ذلك. وفي الرواية الأخرى عن جابر (ولا غول) الغول بفتح الغين وسكون الواو المصدر، ومعناه: البعد والإهلاك: ويضم الغين الاسم، وهو من السعالي، والجمع: أغوال وغيلان.
وكانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات تراءى للناس فتغول تغولاً أي تلون تلوناً فتضلهم عن الطريق فتهلكهم. وقد عارض هذا الحديث حديث أبي أيوب -رضى الله عنه- وهو قوله: كان لي نمر في سهوة وكانت الغول تجيء فتأخذ) الحديث.
قال الطحاوي: يحتمل أن الغول قد كان ثم دفعة الله عن عباده قلت: وفي حديث آخر: (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذن) فيحتمل أن المراد من قوله (لا غول) أي: على ما يعتقدون من تصرفه في نفسه وتلونه باختياره، وهذا أولى الوجهين.
(ومن الحسان)
[3428]
حديث قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه (العيافة والطرق والطيرة من الجبت) العيافة: زجر الطير والاعتبار بأسمائها وأصواتها ومساقطها وأمثال ذلك. والعائف: المتكهن، ومن أشعار العرب في هذا المعنى:
وقال صحابي: هدهد فوق بانة .... هدى وبيان بالنجاح يلوح
وقالوا: حمامات فحم لقاؤها .... وطلح فتيلت والمطىُّ طليح
وقال جران العود:
جرى يوم جئنا بالركاب [تزقها] .... عقايغ وشحاج من الطير مشيج
التفت من العقاب إلى العقوبة ومن الشحاج إلى الغراب، فإنه يشير إلى الاغتراب. والمتيح: الذي يعرض في كل جهة. وقال آخر:
تغنى الطائران ببين سلمى .... على غصنين من غرب وبان
وقال آخر:
جرت سنحا فقلت لها أجيزى .... نوى مشمولة فمتى اللقاء؟
السانح مما كانوا يتمنون به. أي: قلت للنفس السانحة خلفي حال نوى. والمشمولة: المكروهة، من الشمال فإنهم يكرهونها؛ لما فيها من البرد، وذهابها بالغيم الذي فيه الخصب والحياء. وبنو أأسد يذكرون بالعياقة وأشهرهم بها بنو لهب [144/أ] بكسر اللام، وهم بطن من الأزد ويقال لهم: الأزد والأسد. والطرق: الضرب بالحصى، وهو ضرب من التكهن. والطراق: المتكهنون. والجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وقد فسر قوله سبحانه} بالجبت والطاغوت {بالكهنة والشيطين. والظاهر أن المراد منه في هذا الحديث أن تلك الأشياء من أعمال الكهنة. وعلماء العربية يقولون: إن الجبت ليس من محض العربية لاجتماع الجيم والباء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقى.
[3429]
ومنه قول ابن مسعود في حديثه (وما منا) أي: وما منا إلا من يتعرض له الوهم من قبل الطيرة، كلاه أن يتم كلامه ذلك لما يتضمنه من الحال المكروهة، وهذا نوع من أدب الكلام يكتفي دون المكروه منه بالإشارة، فلا يضرب لنفسه مثل السوء.
[3431]
ومنه قوله حديث سعد بن أبي وقاص (فإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة) الأصل في الطيرة هو التشاؤم بالطير على ما ذكرناه، ثم إنهم اتسعوا فيها حتى وضعوها موضع الشؤم. وفي بعض طرق هذا الحديث (إن يكن الشؤم في شيء) فقد ذهب بعض أهل العلم في تأويله إلى أن شؤم الدار الضيق فنائها وسوء جوارها، وشؤم الفرس جموحه وشموسه، وشؤم المرأة سوء خلقها.
قلت: ويحتمل أنه عرف أن في هذه الأشياء ما يقع عن اليمن بمعزل فلا يبارك لصاحبه فيه. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس.