الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاجتماع كالدين بالنسبة للجمهور، وتحذيرهم من النظر الذي يعتمد فيه الباحث على مبادئ عقيدته أو دينه، فإن النظرية غير النظر، فالنظرية ترتبط بالعلم بينما النظر يرتبط بأنساق مسبقة، والعقيدة والدين شيء من ذلك. ولكنه بعد عمر طويل اكتشف أزمة العلم وأزمة نظرياته ولاسيّما إذا تعلق الأمر بالدين -سبق ذكر اعترافاتهم حول أزمة العلم- فأصبحت النظرية أداة تشويش (1)، بعد أن كان المؤمل منها أن تكون أداة كشف وتفسير وفهم. وهذا الاعتراف نجده حتى مع من حافظ على موقفه التغريبي، وهذا أحدهم يقول:"ومن البديهي أن يكون للنظريات حظ وافر في علم الاجتماع، كما في سائر العلوم، ولكن كثرتها في الموضوع الواحد مما تعافه النفوس، ويجعل الدرس صعبًا بعيد المنال، وإذا كان لنا رأي خاص نبديه، فهو بتقسيم النظريات إلى علمية وفلسفية"(2)، مع أن تقسيمه لترتيب كثرتها فقط، وإلا فإن النظرية إذا تعددت في باب واحد كما هو الشأن في كتاب صاحب النص السابق؛ فلا تكون معبرة عن حقيقة بقدر ما هي طرق للتفكير، وطرق التفكير تكثر بتعدد المفكرين، بل إن المفكر الواحد يتغير رأيه في اليوم والليلة، فكيف تُجعل طرق التفكير هي الحقائق ذاتها؛ لأننا نصبح أمام أكثر من حقيقة وهذا ما يهرب منه العلم، إنه لا يريد تضارب الحقائق وإنما يريد الوصول إلى حقيقة واحدة، وهذه هي أزمة علم الاجتماع في ما يتعلق بالدين، بل ربما في بقية فروعه.
المتغربون وعلاقتهم بالمدارس الاجتماعية العلمانية:
نشأ علم الاجتماع داخل أوروبا في أوضاع مأزومة، وارتبط غالبًا بعلاقة سلبية مع الدين، وقد امتطته بعض التيارات المتطرفة في الإلحاد، ووجّهت العلم نحو إحداث قطيعة مع الدين، وقد سمحت الفراغات الموجودة في العلم مع صورة الدين المعروفة لديهم في إنتاج نظريات حول الدين أو مناهج وقواعد لدراسته ذات شأن نقدي وتدميري للدين، لدرجة أنه أصبح مع أغلب مدارسه يحمل رسالة قلبها النابض هو نقد الدين. ومما ساعدهم على ذلك ما يعرفونه من دين سائد في مجتمعاتهم، وهو دين إما مبدل أو مخترع؛ أي: أنه انحراف بشري بالدين أو ما جمعوه عن الأديان البدائية والوثنية في بيئات معزولة، فإذا كان من
(1) انظر: علماء الاجتماع وموقفهم من الإِسلام، أحمد خضر ص 117 - 118 ..
(2)
نحو نظرية جديدة في علم الاجتماع الديني، شلحت ص 42.
تحريف البشر وابتداعهم؛ فهو يقبل الدراسة والتحليل والنقد، إلا أن أغلب مدارس الاجتماع لا تعترف أصلًا بوجود دين، وبعض المدارس تفهم أثر الدين الإيجابي على أن ذلك -عندهم- في حدود كونه إبداعًا بشريًّا لا صلة له بحقيقة موضوعية جاء بها الوحي من رب العالمين.
وقد أخذ بهذه النظرة جمهرة من المتغربين داخل البلاد الإِسلامية دون تفريق بين دين ودين، وكأن الرؤية الغربية الحديثة المتمثلة في العلوم الاجتماعية حول الدين هي رؤية كونية وقطعية، فمنهم من اكتفى بعرضها كما هي على أنها هي علم الاجتماع، على ما في ذلك السكوت من مغزى، ويكفي أنها تُسمى علمًا، ومنهم من تبناها كرؤية بديلة عن الفهم التقليدي -كما يقولون- عن الدين. وتشعر بغياب وجود مفهوم واضح عن الدين عندهم، فلا يملكون رؤية ولا موقفًا في أثناء دراستهم ثم تدريسهم لعلم الاجتماع الديني، أو للمسائل الدينية الموجودة فيه، وكأنهم ليسوا أصحاب دين الحق والرسالة الخاتمة، وهذا ما حرصت على تبيانه من البداية، أن دراستهم للدين -بما أنه دين مُبدل أو مخترع- فيها الحق والباطل، إلا أن غاياتهم المتمثلة في إقصاء الدين عمومًا تفسد ذلك المشروع العلمي.
لقد انتقلت المدارس الاجتماعية الغربية إلينا عبر مراحل بعد أن فُتحت أقسام علم الاجتماع، وكان ذلك في ظرف تاريخي عسير جعل العلم يمتزج بإشكالات ذاك التاريخ، وأجد حالة من التقليد المزعج للمدارس الغربية بما فيها تلك التي حولها نقد شديد في الغرب كنظرية "التطور"، أو تعصب مجموعة أخرى لتفسير أحادي وكأنه الحق المطلق، مثل تبني النموذج "الصراعي الماركسي" ورفض غيره، أو نقل سخافات انتهت إليها النظريات حول أصول الظواهر الاجتماعية رغم اعتراف بعض منتجيها بفشلهم (1).
بدأ الأمر مع "التطورية" التي ناقشها المبحث الأول من هذا الفصل، ثم تحولت الدراسات نحو "الوظيفية" الدوركايمية، وظلت هذه المدرسة "مسيطرة على توجيه سير الدراسات الاجتماعية في معظم جامعات العالم الإِسلامي. وظهرت قناعة ثابتة بأن هذه المدرسة هي الشكل النهائي الذي انتهى إليه علم
(1) انظر: منهج البحث الاجتماعي. . . .، أمزيان ص 177 - 179.
الاجتماع ليحقق درجة عالية من الموضوعية العلمية" (1)، وفي هذا يقول "د. عبد العزيز عزت": إننا لسنا الآن في العهد الديني ولا في العهد الميتافيزيقي، وإنما في العهد الوضعي؛ أي: العلم والتجربة، وهو العهد الذي عاش فيه دوركايم وأراد بسببه أن يصبح علم الاجتماع بنزعة واقعية"(2). ومع بدايات السبعينيات ظهر اتجاه معارض للوظيفية "يركز على نموذج الصراع وتبني النظرية الماركسية، وبذلك سيعكس التراث الاجتماعي في بلادنا ذلك الصراع الآيدلوجي الذي دار بين الاتجاهين، وأصبح علم الاجتماع موزعًا بين اتجاهين: الاتجاه الوظيفي والاتجاه الماركسي"(3)، وظهرت الدعوة إلى قيام "مدرسة ماركسية" مع الترجمات لكتب ماركسية في حقل علم الاجتماع تريد أن تنافس "الوظيفية" السائدة إلى نهاية الستينات.
ولما كانت الأنماط الثلاثة السابقة: "التطويرية - الوظيفية - الماركسية" موغلة في التقليد، لدرجة اهتمامها بنفس المسائل التي انشغل بها علم الاجتماع الغربي بما يلائم بيئته، فيُدرس الانتحار لأن "دوركايم" اهتم به، مع أنه وإن كان ظاهرة في المجتمع الصناعي فليس ظاهرة في مجتمعاتنا، ويدرس الصراع الطبقي لأن "الماركسية" اهتمت به، مع أنه لا يوجد ما يناسب تطبيقاته في مجتمعاتنا، عندها ظهر البحث عن بديل. ومع التحولات التي شهدها المجتمع العربي بعد انحلال الاستعمار؛ ظهرت الدعوات القومية، عندها برز البديل القومي في الدعوة إلى علم اجتماع عربي (4)، ولكن مع غياب إطار لهذا العلم وبسبب كون الكثير في تلك المرحلة ممن تأثر بالفكر الماركسي؛ فقد جُعل هذا الإطار أو الرؤية أو العقيدة الموجهة هي الماركسية عند بعضهم (5)، وتأخر البديل الحقيقي حتى جاء ميلاد مشروع التأصيل الإِسلامي للعلوم أو تقريبها من مجال التداول الإِسلامي (6).
(1) المرجع السابق ص 181.
(2)
عن المرجع السابق ص 183.
(3)
انظر: المرجع السابق ص 183 - 184.
(4)
انظر: نحو علم اجتماع عربي: علم الاجتماع والمشكلات العربية الراهنة، مجموعة من الباحثين.
(5)
انظر: منهج البحث الاجتماعي .. ، أمزيان ص 222.
(6)
من المراجع المهمة: التأصيل الإِسلامي للعلوم الاجتماعية .. ، د. إبراهيم رجب، ومنهج البحث الاجتماعي .. ، محمَّد أمزيان.