الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني التأثر المنهجي في منهج الاستدلال
تُعد طرائق الاستدلال من الأمور المهمة للوصول إلى الحقيقة أو فهمها، أو لمعالجة مشكلة، أو لإبداع أمر جديد. وقد أُبدع في العلم الطبيعي والاجتماعي مناهج مهمة، تُعد فاتحة النشاط العلمي في أي باب من أبواب العلم، وكما أن دارس الدين الإِسلامي يحتاج لمناهجه من أصول التفسير وأصول الحديث وعلم الجرح والتعديل والإسناد وأصول الفقه وغيرها من المنهجيات الإِسلامية، فكذلك العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية لها مناهجها، وقد تأسست بصورتها الحديثة في إطار الحضارة الغربية العلمانية مما جعلها تكتسب الكثير من أثر تلك البيئة، ومن ذلك ما يتعلق بطريقة الاستدلال.
فإذا كانت المنهجية العلمانية الحديثة قد استبعدت الوحي كمصدر للمعرفة، فإنها أيضًا قد شكّلت منهجياتها الخاصة في الاستدلال، ورغم وجود الجيد فيها إلا أنه قد اخترق بالفلسفة العلمانية لتتحول إلى منهجيات خطرة إن لم يُحسن التعامل معها.
لقد انصرف الفكر العلماني عن الوحي ووضع مصادره الخاصة في المعرفة، ثم قام بعد ذلك بتكوين منهجية للاستدلال ترجع في الغالب إلى المنهج
التجريبي القائم على التجريب بطرقه وشروطه، أو إلى المنهج الرياضي القائم على الاستنباط بطرقه وشروطه، وبسبب نجاح المنهجين في الطبيعة والرياضة فقد سلك أصحاب العلوم الاجتماعية مسالك منهجية تحاكي التجريبي والرياضي لعلها تحقق نجاحه.
لقد كان من بين معالم هذه الطريقة المنهجية التجرد للحسية، ومن ثم الابتعاد عن أي باب غيبي، ومن ثم إهمال الغيب أو التكذيب به لعدم الإحساس به. ومن المعالم تعظيم السببية والحتمية والآلية الذاتية والعلية لدرجة إلغاء أي نظر لرب مباين عن العالم الطبيعي يقوم بالخلق والتدبير والتسخير والفعل والتغيير، فما هناك إلا هذا العالم المحسوس، وهو محكوم بسببية وآلية وحتمية ثابتة لا مكان للبحث خارجها عن مدبر لها أو التفكير بإمكانية أي خرق لها ولو من خالقها. كما أنها بالبحث عن السبب وإهمال الغايات تحولت لمنهجية دنيوية حسية لا تُلقي بالًا لأبواب مهمة من حياة الإنسان اهتم بها الدين. وهي تعتني بالظاهر وتبتعد عما بطن، وبهذا أهملت الجانب الداخلي للإنسان في أثناء النشاط العلمي، ورمت به لساحة الوجدان، وجعلته للفنون والآداب. وغيرها من المعالم الخطيرة التي صبغت المنهجية الحديثة، فهي في أبواب ناجحة ولكنه نجاح لم يكتمل بسبب الغلو في باب على حساب أبواب، مما جعلها في حاجة للتكميل أو التصحيح حتى تتفق مع الشرع وتلبي بتكامل حاجة الإنسان.
ويأتي الانحراف التغريبي كما العلماني في هذا الباب ولاسيّما في العلاقة بالجانب الديني بصورتين:
1 -
أن تُنقل تلك المناهج من مجالها المناسب إلى مجال لا يناسبها.
2 -
أو جعل المعرفة محصورة فيما بين أيديهم ومن ثم مُصادرة كل ما لا تنطبق عليه.
وإذا بحثنا عن أفضل الأمثلة التغريبية التي تدل بصراحة على الموضوع وتحوي في الوقت نفسه كل ما سواها، نجد مثالين: التيار الماركسي للقسم الأول، والتيار الوضعي للقسم الثاني. فالماركسية تدّعي أنها مذهبٌ علميٌ، معتمدة في ذلك على شخصيات علمية ذات نزعة مادية، بينما الوضعية ترى أن العلمي فقط هو الجانب المحسوس، ونكتفي به، دون تعميم على الدين والفن والأدب، التي لا تخضع لمناهج العلم. التيار الأول يرى الحقيقة منحصرة في
مذهبه المزعوم بعلميته التي تشمل كل ميادين الحياة، بينما الثاني يراها في العلوم فقط ولا يمكن الوصول إليها بغير العلم، وغيرها ليس علمًا. وغالب التيارات الأخرى تجدها إما تأخذ بالطريقة الماركسية -كليًا أو جزئيًا- أو تأخذ بالطريقة الوضعية.
ولا يعني هذا أن المناهج العلمية لو تُركت في بابها أنها سليمة من المشكلات، فالحقيقة أنه بعد نجاح العلمنة في اختراق العقل الغربي الحديث ما بقي شيء من المناهج سالمًا، ولذا فإن المناهج الناجحة في ميدانها لا يعني ذلك سلامتها من المشكلات، نوع من هذه المشكلات يتعلق بنقصها، وهذا تتكفل به عقول العلماء لتطويره، ونوع يتعلق بما هو أعلى من ذلك وأخطر؛ أي: المشكلات الأيديولوجية التي تلبّس بها المنهج العلمي الحديث، وذلك بسبب نشأته في بيئة علمانية، فانبنى على أصول وارتبط بغايات تتعارض تعارضًا بينًا مع الدين، وهذا يدل على وجود مشكلات أعمق تواجه الفكر الإِسلامي أمام هذه المناهج الناجحة، فهي رغم ما تظهر به من تقنية عالية، إلا أنها تحوي مخاطر ولاسيّما إذا كان للباب الذي تتعامل معه صلة بالدين، ولذا فينبغي إعادة تقويم تجربة التعامل مع المناهج العلمية بما فيها تلك التي تظهر بوجه حيادي، وهذه شهادة لأحد المبرزين في فلسفة العلم المعاصرة المفكر طه عبد الرحمن فيقول:"لئن سلمنا بأن المتخلق بأخلاق الدين الإِسلامي يلزمه أن يطلب الاتصاف بالعقل والعلم، فلا نسلّم بأنه يلزمه، في تحصيل هذا الاتصاف، الاندفاع في الأخذ بكل مناهج العقل ونتائج العلم التي جاء بها النمط المعرفي الحديث، ذلك أن هذه المناهج والنتائج أُشبعت، من حيث يدري المتخلق أو لا يدري، بمذهب واضعيها في العقل والعلم، ومن هنا، فلسنا نعترض على هذه المناهج والنتائج لمجرد نسبتها إلى هؤلاء الواضعين من حيث إنهم مسلمون أو غير متدينين، فذاك أمر لا يقول به عاقل؛ وإنما لأن مذهبهم فيها يقوم على مبادئ لا يمكن للمتخلّق بأخلاق الدين أن يقبلها أو يدعو إلى قبولها"(1)، وذلك أن النظام "العلمي - التقني الحديث" قد انبنى على تصور خاص للعقل معتمدًا على مكانة خاصة للتجريب والترويض فيه، "حتى طار في الناس أنه لا عقلانية إلا بتحصيل
(1) سؤال الأخلاق، طه عبد الرحمن ص 91 - 92.