المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الوصفين التاليين: "التجريب" و"الترويض"" (1)، "ولمّا أصبحت المعرفة العلمية قائمة - النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية - جـ ٢

[حسن الأسمري]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثاني التأثر المنهجي في الفكر التغريبي بالانحراف المصاحب للعلم الحديث

- ‌الفصل الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال

- ‌المبحث الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي

- ‌مصدر العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية:

- ‌المصدر في العلوم الاجتماعية:

- ‌أسباب الانحراف في المصدر:

- ‌1 - التبعية للفكر الغربي:

- ‌2 - ظروف الصراع وأحواله:

- ‌مكانة الوحي في التصور الإِسلامي وصور إقصائه كمصدر للعلم عند المتغربين:

- ‌1 - مذهب غلاة المتغربين ودعوتهم لإقصاء الوحي:

- ‌2 - مذهب التوفيقيين من المتغربين ودعوتهم لإقصائه كمصدر للمعرفة:

- ‌مناقشة الملفقين:

- ‌3 - القول بجعل النظريات العلمية في مقام النص الشرعي وتقديمها عليه:

- ‌المبحث الثاني التأثر المنهجي في منهج الاستدلال

- ‌مشكلة الموضوعية:

- ‌استبعاد جانب القيم بحجة الموضوعية:

- ‌الموضوعية وعلاقتها بالحقيقة:

- ‌نموذج موسع للتلاعب المنهجي:

- ‌أ- حسن حنفي:

- ‌ب - محمَّد أركون:

- ‌الفصل الثاني التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية

- ‌المبحث الأول التأثر المنهجي في طريقة النظر للغيبيات

- ‌معنى الغيب في التصور الإِسلامي:

- ‌[مسألة] وللغيب أقسام:

- ‌ارتباط الانحراف في الغيب بالانحراف في الربوبية:

- ‌من أصول الانحراف في الغيب:

- ‌المثال الأول: لويس عوض:

- ‌المثال الثاني: هشام شرابي:

- ‌المثال الثالث: حسن حنفي:

- ‌المثال الرابع: محمَّد أركون:

- ‌المبحث الثاني أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها الاعتقادية

- ‌القسم الأول: موضوعات عمَدية يُدّعى عدم إمكانية إثباتها علميًا:

- ‌القسم الثاني: دعوى وجود رأي علمي آخر حول بعض الغيبيات دون شرط المعارضة:

- ‌القسم الثالث: دعوى مخالفة العلم لأبواب من الغيبيات

- ‌الفصل الثالث التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية

- ‌المبحث الأول التأثر المنهجي في طريقة النظر للشريعة

- ‌المراد بالشريعة:

- ‌الغيب مع الطبيعيات والشريعة مع الاجتماعيات:

- ‌أصول منهجية تغريبية للنطر في الشريعة تدعي العلمية:

- ‌أصل الأصول: تعميم الظواهر الاجتماعية على الدين الحق:

- ‌الأصل الثاني: التطور:

- ‌الأصل الثالث: علمية وعلمنة العلوم الاجتماعية ودعوى قدرتها أن تسدّ مسدّ الدين:

- ‌الأصل الرابع: النسبية:

- ‌المبحث الثاني أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها

- ‌الأول: في باب الأخلاق الإِسلامية:

- ‌أولًا: تعريف الخلق:

- ‌ثانيًا: المشكلة الخلقية في العالم المعاصر ولاسيّما في الغرب:

- ‌تاريخ الفكر الأخلاقي في الغرب:

- ‌الإطار العلماني للأخلاق الجديدة:

- ‌النظريات الأخلاقية الجديدة:

- ‌ثالثًا: تحليل ونقد للنظريات الجديدة:

- ‌رابعًا: نماذج من الأخلاقيات المتغربة تحت غطاء العلمية:

- ‌النموذج الأول:

- ‌النموذج الثاني: من علم النفس:

- ‌النموذج الثالث: الموقف الوضعي:

- ‌النموذج الرابع: أخلاقيات العلم الجديدة:

- ‌النموذج الخامس: الرؤية المادية والماركسية:

- ‌الثاني: في باب العمل بالأدوية الشرعية للأمراض الجسدية أو النفسية:

- ‌الأمر بالتداوي في الإِسلام:

- ‌الإطار العلماني وأثره في مجال التداوي الجسدي والنفسي:

- ‌أثر الأسس الفلسفية للممارسة الطبية الحديثة:

- ‌في الجانب النفسي:

- ‌بعض مشكلات الطرح التغريبي حول المجال الطبي والتداوي:

- ‌أين هي المشكلات في هذا الباب

- ‌نموذج عن الإشكال التغريبي في هذا الباب:

- ‌الثالث: في باب حكم التعامل بالربا:

- ‌القسم الأول: مدخل:

- ‌القسم الثاني: الإطار الاجتماعي العام للتحول الاقتصادي الغربي:

- ‌القسم الثالث: الأصول النظرية العلمية للاقتصاد الحديث:

- ‌الرابع: في باب حجاب المرأة المسلمة:

- ‌الباب الثالث صور لدعاوى باطلة ونظريات منحرفة ظهرت في الفكر التغريبي حول الدين والعلم وخطورتها

- ‌الفصل الأول صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث

- ‌المبحث الأول دعوى أهمية علمنة العلم ورفض التأصيل الإِسلامي مظاهرها وخطرها

- ‌تعريف العلمانية:

- ‌وقفتان حول المصطلح: "تاريخية المصطلح، وعلاقته بالعلم

- ‌المبحث الثاني دعوى التعارض بين الدين والعلم الحديث

- ‌الفرق بين دعوى التعارض التراثية والدعاوى الحديثة:

- ‌صور الدعاوى التغريبية:

- ‌أصول عامة حول دعوى التعارض بين الدين والعلم:

- ‌مناقشة الدعوى:

- ‌أولًا: أهمية رفع التعميم والإجمال:

- ‌ثانيًا: ما المقدم عند التعارض

- ‌ثالثًا: "موضوعات الغيب وموضوعات الشهادة - الأكثر إشكالًا

- ‌رابعًا: ملابسات الدعوى التاريخية والأيدلوجية:

- ‌خامسًا: التفسير العلمي للنصوص الدينية:

- ‌المبحث الثالث دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين

- ‌الشمولية في الإِسلام وحاجة الناس إليه فوق كل حاجة:

- ‌مناقشة دعوى كفاية العلم وشموليته:

- ‌نماذج من الانحراف التغريبي حول هذا الباب:

- ‌النموذج الأول:

- ‌النموذج الثاني:

- ‌النموذج الثالث:

- ‌النموذج الرابع:

- ‌النموذج الخامس:

- ‌النموذج السادس:

- ‌الفصل الثاني صور من تأثر الفكر التغريبي بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول التأثر بنظرية داروين التطورية من علم الأحياء حول الدين

- ‌ظهور الدارونية العربية:

- ‌من البحث في أصل الحياة إلى المادية الإلحادية:

- ‌المبحث الثاني التأثر بنظريات من علم النفس حول الدين

- ‌صراع النظريات النفسية ودلالاتها في الميدان الفكري:

- ‌دخول علم النفس للثقافة العربية والمواقف تجاهه:

- ‌نظرية فرويد النفسية ولاسيّما ما له علاقة منها بالدين:

- ‌المبحث الثالث التأثر بنظريات من علم الاجتماع حول الدين

- ‌علم الاجتماع بين العلمية والأيدلوجيا:

- ‌كيف ينظر علم الاجتماع للدين

- ‌المتغربون وعلاقتهم بالمدارس الاجتماعية العلمانية:

- ‌علم الاجتماع الديني:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ملحق مفهرس للألفاظ الغريبة والمصطلحات والطوائف والفرق والمذاهب والتراجم مع التعريف بها

- ‌أولًا: قائمة الألفاظ الغريبة والمصطلحات الواردة في ثنايا البحث

- ‌ثانيًا: قائمة بالطوائف والفرق والمذاهب الواردة في البحث

- ‌ثالثًا: قائمة المراجع والمصادر

- ‌نبذة تعريفية الإدارة العامة للأوقاف

الفصل: الوصفين التاليين: "التجريب" و"الترويض"" (1)، "ولمّا أصبحت المعرفة العلمية قائمة

الوصفين التاليين: "التجريب" و"الترويض"" (1)، "ولمّا أصبحت المعرفة العلمية قائمة على التجريب والترويض، لم يعد يَعنيها من الموضوعات التي تنظر فيها أمر كثافتها الوجودية، وإنما مجرد لطافتها "الإجرائية"، بحيث يكون نصيب كل موضوع من "العلمية" على قدر ما يقبل من أساليب الإجراء. . . ." (2)، وقد تولّد عن هذه المنهجية الجديدة بأبعادها العلمانية آثار خطيرة ينبغي الحذر منها، وكما يقول عبد الرحمن: "ينبغي التوسل في تشييد البناءات النظرية بمقولات وبنيات متولدة من التحقق بالعمل ومستمدة من الاشتغال الشرعي؛ فقد ساد التصور الأجنبي للعلم بيننا، حتى أصبحنا لا ندرك من إمكاناته إلا ما توصل أهل الغرب إلى تحقيقه، ولا نتصور من آفاقه إلا ما خطوه، وصرنا نعتقد أن العلم واحد لا تعدد في طرائقه، وأنه ضروري لا جواز في مراحله، وأنه مطلق لا نسبية في نتائجه، وليس هذا كله إلا توهمًا محضًا؛ فالعلم في حقيقته أبواب عدة ومسالك شتى، وما انفتح للغرب من أبوابه وانتهجه من مسائله ليس إلا غيض من فيض؛ وإذا كان قد اختار أن يجرد علمه من قيود العمل وحدود الشرع، وأن يطلق على هذا التجريد أسماء تُوهِم بمشروعية هذا الاختيار مثل "الموضوعية" و"السببية" و"الآلية" و"الإجرائية" و"العلمية" وما أشبه ذلك، فليس هذا السلوك إلا إمكانًا واحدًا تضاهيه إمكانات أخرى كثيرة، على رأسها إمكان اختيار علم يتقيد بالعمل ويتحدد بالشرع" (3).

‌مشكلة الموضوعية:

نجد من بين أبرز ما يُرَكز عليه في المنهج الحديث مفهوم "الموضوعية"، نجدها في مقدمات كتب المناهج والمنطق وفلسفة العلم، وفي مقدمات كتب العلوم العصرية، وقد أصبح المصطلح سائدًا حتى عند الناس العاديين البعيدين عن مجال النشاط الفكري والبحوث العلمية. ولكن الناظر لمدلولاته داخل ميادين الفلسفة والمناهج والعلوم يجده أعقد مما يتصوره الإنسان العادي، وبقدر ضرورته

(1) انظر: المرجع السابق ص 113.

(2)

المرجع السابق ص 114.

(3)

سؤال الأخلاق ص 191، وانظر حول هذا المعنى أيضًا: نسق إسلامي لمناهج البحث العلمي، د. أحمد باشا ص 69 وما بعدها، ضمن كتاب قضايا المنهجية في العلوم الإِسلامية والاجتماعية من إصدار المعهد العالمي للفكر الإِسلامي.

ص: 851

في جانبه الإيجابي لأي نشاط علمي يحرص على معرفة صحيحة بقدر ما هو قابل للتوظيف السلبي ضد الدين والقيم والأخلاق والمبادئ، فأصبح المصطلح موطن انحراف، كما هو أداة بناء كأي مصطلح ينبت في بيئة علمانية معادية للدين.

لقد أصبحت الموضوعية رديفة للعلمية، وكأن الموضوعي هو العلمي، وتعرف الموضوعية بأنها:"سمة ما هو موضوعي -أو بحسب صليبا: وصف لما هو موضوعي- كائنًا ما كان معنى هذه الكلمة. وهي (1) بنحو خاص: موقف، استعداد فكري لدى ذلك الذي "يرى الأشياء كما هي" الذي لا يشوّهها لا بضيق فكري ولا بتمذهب أو تحزب -أو بحسب صليبا: وهي بوجه خاص مسلك الذهن الذي يرى الأشياء على ما هي عليه، فلا يشوهها بنظرة ضيقة، أو بتحيز خاص"(2).

ويحيلنا التعريف إلى المشكلة الحقيقية للمصطلح، وهي أن الموضوعية إنما هي وصفة "لما هو موضوعي"، ولكن هذا الموضوعي تختلف فيه الفلسفات العامة وفلسفات العلم، فلا تحيلنا الموضوعية على شيء واحد، كما أنها لا تحيل على أمور متقاربة، بل هي تحيل إلى تصورات كثيرة في الفكر الحديث، وهي تصورات يصل اختلافها أحيانًا لدرجة التضاد. وقد كان هناك نوع من الاتفاق على الأقل في العلوم الرياضية والطبيعية، وكانت الحقائق الطبيعية تُعدّ حقائق موضوعية لا يمكن الاختلاف حولها، ويصعب قبول مذاهب مثالية فيها أو رؤى ذاتية حولها، ولكن مع ظهور نظرية النسبية ونظرية الكم اهتز مفهوم الموضوعية حتى في العلوم الطبيعية الدقيقة، ولا تعني الإحالة إلى النسبية إلغاء الحقائق الموضوعية في جوانب الطبيعة بقدر ما هو يعيد الاعتبار للمذاهب المنافسة لدعاة الموضوعية من أصحاب التيارات المثالية والذاتية (3)، كما أنها تُخفف من تعصب مزاعم دعاة الموضوعية المؤدلجة، فإن من أهم رسائل

(1) غير موجودة في التعريف مضافة من الباحث.

(2)

موسوعة لالاند الفلسفية 2/ 896 تعريب: خليل أحمد، مع ترجمة للتعريف في المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا 2/ 450 ورغم أنهما يترجمان نصًا واحدًا، إلا أن هناك بعض الاختلاف، ربما يزول ويزداد الفهم للتعريف بجمعهما، وانظر: صورتها في العلوم الاجتماعية وصورتها في العلوم الطبيعية، الموسوعة الفلسفية العربية 2/ 1308.

(3)

انظر مثلًا: فلسفة العلم في فيزياء أينشتين. بحث في منطق التفكير العلمي، د. عادل عوض ص 307 وما بعدها.

ص: 852

النظريات الحديثة في الفيزياء بأن الحقائق المادية ليست من السهولة بحيث يمكن إدراكها دون تدخل العقل في تشكيلها ومن ثم اشتراكه في رسم معالم الحقيقة (1)، إنه اشتراك حتمي بين الذاتي والموضوعي، وهو المنعطف الكبير الذي حدث للموضوعية وما زال.

إذًا فلا يوجد "موضوعي" واحد؛ لأن هناك لكل مذهب تصوره عن "الموضوعي"، كما أن وجود "موضوعي" خارجي أصبح أكثر صعوبة حتى في العلوم الطبيعية. فإذا كان هذا هو حاصل الموقف الفلسفي حول الموضوعية، فإن ذلك يفتح إشكالًا آخر حول قدرة الذهن لوحده على "رؤية الأشياء كما هي"، فإنه على مستوى التنظير الفلسفي يعد ذلك من أعقد الأمور (2)، فإنه رغم جمال الشروط في ظاهرها من عدم إغلاق الفكر أو عدم التأثر بمذهب أو تحيز في رؤية الحقيقة إلا أنه لم يعد ممكنًا بالسهولة التي يُبديها التعريف.

تبرز في محتويات "الموضوعية" قضايا سليمة هي مطلب لكل باحث عن الحقيقة، ولذا فهي من صلب المنهج الإِسلامي، فالبحث عن الحق وقوله ولو كان على النفس، ولو جاء من أبغض الأعداء هو من مكونات المنهج الإِسلامي في الأمور المعنوية فكيف به في الأمور المادية والعلمية، بل حتى في أمور العقيدة، فلو جاء الحق من غير المسلم قبله المسلم، فعن قتيلة -امرأة من جهينة- "أن يهوديًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تندّدون -قال السندي في حاشيته على النسائيُّ: أي: تتخذون أندادًا- وإنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت" (3)، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله حول هذا الحديث: "وفيه: قبول الحق ممن جاء به كائنًا من كان" (4)، وقال

(1) انظر: الموسوعة الفلسفية العربية 2/ 1309 - 1310.

(2)

من بين الدراسات العربية الموسعة حول الموضوع ما قام به الدكتور "صلاح قنصوه" في كتابه: (الموضوعية في العلوم الإنسانية - عرض نقدي لمناهج البحث).

(3)

النسائي باب الحلف بالكعبة من كتاب الأيمان والنذور، وهو في صحيح سنن النسائي للألباني برقم (3533) 2/ 799، وقال عنه صحيح، وصححه في: السلسلة الصحيحة برقم (136).

(4)

فتح المجيد. . . .، عبد الرحمن آل الشيخ ص 608.

ص: 853

الشيخ صالح آل الشيخ حول الحديث وحديث آخر في الموضوع نفسه: "مما يستفاد منه أن صاحب الهوى قد يفهم الصواب، فإذا فهم الصواب، فإن الواجب أن يقبل منه؛ لأن المسلم يجب عليه أن يقبل الحق ممن جاء به، ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا، فهذا اليهودي والنصراني توجها إلى المؤمنين بالقدح فيهم بالشرك، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من قبول الحق الذي قالوه أنهم يهود، بل قبل ما جاء به ذلك اليهودي فأوصاهم أن يتركوا ذلك التنديد؛ لأن الحق هو ضالة المؤمن أين وجده أخذه، فلا يمنعه من قبول الحق أن قاله مشرك، أو قاله كافر، أو قاله فاسق، أو قاله مبتدع، أو قاله ضال، إذا كان الكلام في نفسه حقًا؛ لأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها". . . . ولابن ماجه عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: "رأيت: كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد": هذا فيه أن صاحب الهوى أو صاحب الملة الباطلة قد يرد على صاحب الحق بأن عنده باطلًا كما أن عند ذاك باطلًا، فإذا واجهه بذلك فالواجب عليه أن يتجرد للحق وأن لا يرد الحق لأجل أن من أتى به صاحب باطل، فالقاعدة عند أهل السنة والإيمان أن البدعة لا ترد ببدعة والباطل لا يرد بباطل. . . . بل إذا ووجهت بحق، ولو كان من أضل الضلال فاقبل، فإبليس -الشيطان- قبل منه بعض الحق الذي جاء به، وأرشد إليه أبا هريرة، وهؤلاء اليهود والنصارى في هذين الحديثين قبلنا منهما حقًا أرشدونا إليه في أعظم المسائل وأجل المطالب، وهو توحيد الله عز وجل (1)، فإذا كان المسلم يقبل الحق حتى في هذه الأبواب ومن أبغض الخصوم فكيف بما هو أقل منها؟!

كما أن الإِسلام له موقف شديد في الدعوة لتخليص القلب والعقل من

(1) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ ص 464 - 465، وحديث "الحكمة" عند الترمذي برقم (2687)، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، وقال فيه: هذا حديث غريب، وابن ماجه برقم (4169)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص 320، وحديث "الطفيل" عند ابن ماجه برقم (2118)، كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم (1721) وفي السلسلة الصحيحة برقم (137).

ص: 854

الهوى، الحق هو المهم وهو المطلوب، وطلب الحق والبعد عن الهوى يتحقق بطلب العلم وطلب الإيمان (1)، قال -تعالى-:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36]، وقال -تعالى-:{وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)} [النجم: 28]، وقال -تعالى-:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة: 77]، وقال -تعالى-:{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)} [الأنعام: 148]، وقال -تعالى-:{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)} [الروم: 29]، وقال -تعالى-:{وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119]، وغيرها كثير في طلب الحق وعدم الميل إلى الهوى، وهي وإن كانت في حال المكذبين بالدين والمنحرفين فيه، إلا أنها تصبح منهجًا للمسلم، فيبتعد عن الظن والهوى، ويحرص على الحق في كل شيء، وعلى الصدق وعدم القول دون علم.

ولا يشكل هذا نقطة خلاف بين المنهج الإِسلامي وبين المناهج الأخرى التي تصور الموضوعية بهذه الصورة، ولكن يتعجب أصحاب المنهج الإِسلامي من حال المتغربين وأمثالهم من تجاهلهم لدور الإِسلام في تأسيس هذا البعد في صميم المنهج العلمي، وقد بدأ ذلك مع أعز شيء على نفوس المسلمين "حديث الرسول صلى الله عليه وسلم"، فمع محبة المسلمين لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم فهي محبة لم تجعلهم يغمضون أعينهم، ويقبلون بأي حديث ينقله الناقلون، بل قام علم الجرح والتعديل بصرامة، وطُبق على أناس لهم محبة ومكانة في نفوس المحدّثين، ومع ذلك لم يُقبل حديثهم أو بعضه لبعض المشكلات حول الراوي، كما أن الأحاديث قد طبق عليها الصرامة نفسها (2)، وأُمّة بمثل هذه الصرامة في طلب

(1) انظر: الإِسلام والعلم التجريبي، د. يوسف السويدي ص 102 - 106.

(2)

انظر مثلًا: مقاييس نقد متون السنة، د. مسفر الدميني، ولاسيّما ص 238 وما بعدها.

ص: 855

الحق وإقامة المنهج والبعد عن الهوى لا يصح تجاهل دورها على البشرية في تخليص المناهج من الهوى والظن والكذب.

لا يشكل المفهوم السابق للموضوعية -بمعنى الحرص على الحق والبعد عن الهوى- مشكلة، فالإِسلام موقفه صريح من ذلك، ولكن المشكلة تقع في محتويات أخرى أُقحمت ضمن مصطلح الموضوعية، ويُراد تعميمها في كل منهج علمي، وقد التصقت بحركة العلم الحديثة وذهبت معها في أي مكان تبناها، وقد تبنى الاتجاه التغريبي تلك المضامين بقوة، وقد يكون فيهم الغافل عن خطئها، إلا أن هناك المتعمد في التركيز عليها لهدف واضح عنده.

ويبرز من المحتويات السلبية لمصطلح الموضوعية أمران خطيران يحرص عليهما أهل المنهج التغريبي: الأول، نجد تلميحًا عنه في التعريف "لا بتمذهب أو تحزب" فيُدْخَل فيه طلب الباحث أن يتخلى عن معارفه الدينية إن كان متدينًا، وكما يقولون: العلم لا علاقة له بالدين. والثاني، أوسع من ذلك وأخطر، حيث تُرفض المعرفة الدينية، ويصبح وجود شيء منها ضمن المعارف الحديثة متنافيًا مع الموضوعية والعلمية، وبهذا تكون الموضوعية أداة رفض أو إقصاء لكل مضمون ديني في المعارف العلمية، وتتوازى الموضوعية هنا مع دعوى العقلانية أو العلمية، فشرط المعرفة كما يقولون أن تكون عقلانية وعلمية وذلك يعني إقصاء كل ما هو ديني. ولهذا فإني أطلق عليها اسم الموضوعية العلمانية لارتباطها بحضارة علمانية، ومن ثم لا يوجد موضوعية مطلقة، فكل موضوعية هي مرتبطة بوضعها الخاص، فهي تكتسب من البيئة خصائصها.

يعود مفهوم الموضوعية العلمانية لقائمة مفاهيم "العقلانية العلمية العلمانية" التي اشتهرت في الغرب، وقد تحدد في المنهج العقلي الذي أرسى منهجه ديكارت. . . . غايات ومقاصد، سعى المنهج العلمي في تحقيقها، ولكن تلك "العقلانية العلمية" لم تحقق النفع في غاياتها (1)، فهل حققت النجوع في الوسائل؟ وقد بحثها المفكر طه عبد الرحمن تحت عنوان:"المنهج العقلي العلمي وحدود النجوع في الوسائل" وقال فيه: "من ينظر في وسائل المنهج

(1) انظر: سؤال الأخلاق، طه عبد الرحمن ص 66.

ص: 856

العقلي العلمي، يجدها، هي الأخرى، متصفة بالصفات الثلاث الآتية: تكلف الموضوعية، والجمود على الظاهر، واتخاذ الوسائط.

أ- تكلف الموضوعية: تزعم الممارسة العقلانية العلمية تطهير وسائلها من كل أثر للمعاني والقيم الذاتية بحجة التزام طريق "الموضوعية"، هذا الطريق الذي يوجب، في نظرها، الاقتصار في كل شيء على الرجوع إلى الملاحظة الظاهرة والتجربة الحسية، حتى أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تُعدُّ عندها بمنزلة عوائق أو عقبات تثبِّط العمل العلمي وتخرجه عن حقيقته وفائدته؛ والصواب أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن، وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية معاني وقيمًا أخرى غير دينية وغير أخلاقية بما فيها "الموضوعية" نفسها.

ولما كان العلم الحديث مبنيًا على هذا التصور الخاص للمعرفة الموضوعية، فاته تحصيل الوسيلة الناجعة في خدمة حياة الإنسان؛ لأن هذه الوسيلة تقتضي الجمع بين طلب المعرفة العلمية، وبين التزام المعاني والقيم الروحية والأخلاقية" (1).

اكتسب مصطلح الموضوعية مثل هذه المضامين الخطيرة بعد توسيع مدلوله ليقوم على "غياب لكل عوامل التحيز، وكف لتأثيرها"، وعوامل التحيّز هي كما يقول جيبسون:"ما ينتج عن التأثير المناوئ للاستخدام السليم للشواهد والبينات المتاحة للباحث، وهو تأثير دوافع الشخص وعرفه وقيمه وموقفه الاجتماعي، فأن تكون موضوعيًا معناه ألا تتأثر بدوافعك وعرفك وقيمك وموقفك الاجتماعي"(2).

ويمكن تصور حجم دور مصطلح الموضوعية بالنظر إلى دلالاته بحسب مستويات مختلفة في دائرة الفكر والعلم، وهي:

1 -

دلالتها القيمية: تعد الموضوعية تجردًا من كل حكم من أحكام القيمة.

2 -

دلالتها المعرفية: وهي تتجاوز التعريف التقليدي "معرفة الأشياء كما هي" إلى العناية بالصلة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، وهنا تبرز المدارس الفلسفية المختلفة.

(1) المرجع السابق ص 66 - 67، وانظر: أفي الله شك؟، د. حمد المرزوقي ص 78.

(2)

الموضوعية في العلوم الإنسانية. . . .، د. صلاح قنصوه ص 56.

ص: 857

3 -

دلالتها النفسية: تعد تمحيصًا لأثر العوامل النفسية في تشكيل المعرفة.

4 -

دلالتها الثقافية: التي تشير إلى الاتفاق أو التواضع حول المعايير والتدابير السائدة في المناخ الفكري عند بحث موضوع ما، والسائد هو ما اتفق عليه المجتمع العلمي في ذاك الوقت (1).

نلحظ وجودًا لشبكة معقدة من المعاني ضمن مصطلح الموضوعية، وهي شبكة قابلة لأن تكون غير موضوعية؛ بسبب ارتباطها بتيارات ذات تحيز لا يمكن التخلص منه، كما أن هذه الشبكة المعقدة قابلة لتسريب الميول السائدة في عصر تشكل هذه المفاهيم إلى صميم المصطلح، وأهمها وأخطرها أن صُناع هذه المفاهيم والقيم قد شكلوها وقتَ صراعهم مع الدين والغيبيات، ووقت غلبة النزعات المادية والمذاهب الإلحادية والمواقف اللا أدرية مما جعل مفهوم الموضوعية يتلطخ بتلك الأبعاد.

نجد في أحد كتب المنطق والمنهج ما يأتي: "يسعى العالم قبل كل شيء إلى الموضوعية. فغاية العلم هي تحديد طابع الأشياء لا في علاقتها بنا، بل في علاقتها بعضها مع البعض الآخر. فالروح العلمي يقتضي تنحية كل اعتبار غريب عن الجهد الذي يبذل نحو الموضوعية الخالصة وبخاصة كل اعتبار انفعالي عاطفي، ديني أو أخلاقي، وكذلك التحرر من سلطة العرف. . . ."(2)، ومثله قول متخصص -لطفي- في العلوم الاجتماعية:"ليس المقصود بالموضوعية هنا عدم التشويه المتعمد للحقائق فقط، أو العرض المضلل لها بقصد نشر مُثُل أو مبادئ معينة، وإنما نقصد أيضًا تحاشي تأثرنا عن غير عمد أثناء الدراسة، فلا ننقد أو نحكم على المجتمعات الأخرى التي تختلف عن مجتمعنا في الزمان والمكان على أساس القيم والاتجاهات والعقائد السائدة في مجتمعنا. . . . إن المقصود بالموضوعية هو ألا نكون متحيزين في ملاحظاتنا للظواهر الاجتماعية وترددها، وألا نتأثر بأية ناحية تعصبية دينية أو سياسية أو طبقية. . . ."(3)، وفي بحثه المهم

(1) انظر: الموضوعية في العلوم الإنسانية ص 58 - 59، وانظر: فلسفة العلم، كلاهما للدكتور صلاح قنصوه ص 172 وما بعدها.

(2)

أسس المنطق والمنهج العلمي، د. محمَّد الشنيطي ص 164 - 165.

(3)

علم الاجتماع، د. عبد الحميد لطفي ص 290 - 291 نقلًا عن منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، محمَّد أمزيان ص 329.

ص: 858

يذكر محمَّد أمزيان بأن "المفهوم الشائع .. بين الكتَّاب الاجتماعيين عن الالتزام العلمي هو أن يتجرد الباحث من كل قيمه ومعتقداته وأفكاره وهي الفكرة التي أصّلها دوركايم ورددها من بعده الكتَّاب العرب"(1)، وهو بهذا يشير إلى المرجع القريب لهذه الفكرة. ومثل ذلك نجد عند أصحاب علم الاجتماع الديني ومن ذلك ما نجده عند الدكتور رشوان في أكثر من موضع من كتابه:"الدين والمجتمع. ." فيصف هذا العلم بقوله: "وعلم الدين ليس بعلم اللاهوت، بل هو ذلك العلم المستقل عن اللاهوت والذي يستهدف الدراسة الموضوعية للدين. . . ."(2)، ويذكر طريقة عناية علماء الاجتماع به بموضوعية:"تعتبر دراسة الدين من الموضوعات التي نالت اهتمامًا كبيرًا من جانب علماء الاجتماع. . . . وعلم الاجتماع يحدد نفسه بالموضوعية. . . ."(3)، ويقول حول ذلك أيضًا:"وينظر علم الاجتماع الديني إلى الحقائق الدينية نظرة موضوعية. . . . ويبتعد عن النزعة الشخصية. . . . والأحكام المعيارية. والحق أن هذا يمثل مشكلة للباحث في هذا الميدان. فالدين لدى الناس هو إحساس قلبي، أو ارتباط بمشاعرهم. وقد ارتبطت مشاعرهم بطقوسهم من خلال مشاركتهم فيها. ومع ذلك فإن الباحث في هذا المجال ينبغي عليه أن يتقصى الحقيقة، وأن يتحكم في مشاعره ويجنبها عن موضوع بحثه"(4).

ويصف الدراسة الحديثة للدين بالموضوعية مما يجعلها في درجة أعلى من دراسات أهل الدين عن دينهم، فيقول: "وهكذا فإن الدراسة الحديثة للدين، قد بدأت خطًّا فاصلًا بين المؤرخين والعلماء من ناحية، وبين رجال اللاهوت والفلاسفة من ناحية أخرى. ويقوم هذا الخط الفاصل على أساس الموضوعية. . . . التي تعتبر أساسية بالنسبة للعلم.

وهنا يبدو الفارق بين الدراسات اللاهوتية، وعلم الدين، فالدراسات السابقة التي قام بها رجال اللاهوت تستهدف الهجوم أو تفنيد الأديان الأخرى. أما الدراسات في علم الدين فتقوم على الموضوعية، وعدم التحيز" (5).

(1) انظر: المرجع السابق ص 329.

(2)

الدين والمجتمع. دراسة في علم الاجتماع الديني، د. حسن رشوان ص 62.

(3)

المرجع السابق ص 73.

(4)

المرجع السابق ص 79.

(5)

المرجع السابق ص 64.

ص: 859

ومثل ذلك نجد عند الدكتور محمَّد بيومي، فما من مقطع من كتابه:"علم الاجتماع الديني" إلا وهو يتحدث عن ميزة علم الدين عن غيره من العلوم التي اهتمت بالدين، فعلم الاجتماع الديني ميزته: في بحثه عن الحقيقة وتركيزه على الموضوعية، ولو أدى ذلك إلى الاستخفاف بالوحي وبالرسل وبالدين الحق أو إهمال الاحترام له؛ لأن ذلك يتعارض مع الموضوعية، فيقول:"فعلم الدين هو ذلك العلم المستقل كلية عن اللاهوت، ويهدف إلى الدراسة الموضوعية للدين"(1)، وذلك أنه يركز على الحقائق بينما علم اللاهوت يهتم بوضع القواعد، ولذا يهمل الباحث العلمي الوحي كمصدر للمعرفة، بخلاف اللاهوتي الذي يضعه مصدر المعرفة (2). وفي حديثه عن مراحل تطوره وصف مرحلة من المراحل بتميز عنايتها بالموضوعية حيث "أصبحت الموضوعية مطلبًا أسمى"(3)، "وليس هناك أي حدود على الأسئلة التي قد تثار حول أي دين، اللهم إلا حدود الذاتية. . . ."(4)، "وهكذا فإن الدراسة الحديثة للدين قد بدأت خطًا فاصلًا بين المؤرخين والعلماء من ناحية وبين رجال اللاهوت والفلاسفة من ناحية أخرى. هذا الخط الفاصل يقوم على أساس الموضوعية. . . . التي تعتبر أساسية بالنسبة للعلم"(5)، ومن بين الأمثلة لمن يفتقد العلمية والموضوعية نجد صاحب الفلسفة الدينية، فلا يجد الباحث فيها "ما يمكن قوله سوى ترديد آراء المصلح أو الترويج والدفاع العقلي عن ما جاء به الأنبياء، وعلى هذا فهو يفتقد حرية اختيار نقطة البدء في بحثه"(6)، ومع عدم التسليم بصحة ما يقوله صاحب الفلسفة الدينية إلا أنه أحسن حالًا من جهة تعظيمه للنبوة والدفاع عنها، بخلاف السياق هنا فصاحبه لا يجد الدفاع عما جاء به الأنبياء متوافقًا مع العلمية والموضوعية.

ولهذه الشواهد -ومثله كلام أغلب المقلدين للدراسات الغربية- دلالة عجيبة: فكأنه يقول بأن الدراسات عن الدين في الحضارة الإِسلامية، والعلوم

(1) علم الاجتماع الديني، د. محمَّد بيومي ص 7.

(2)

انظر: المرجع السابق ص 8.

(3)

انظر: المرجع السابق ص 13.

(4)

انظر: المرجع السابق ص 17 وما بعدها.

(5)

انظر: المرجع السابق ص 20، وانظر: ص 43.

(6)

المرجع السابق ص 30.

ص: 860

الشرعية عن الدين، غير علمية؛ لأنها غير موضوعية، وأن الدين قد بقي كل هذه القرون غير علمي حتى جاء دوركايم الملحد وأمثاله من اليهود (1) ليعلموا الناس دراسة الدين دراسةً علمية، ومثل هؤلاء ينزلقون بسهولة مع دعاوى العلمانيين والملحدين في الغرب، فيُبعدونهم عن علوم الإِسلام التي قامت على الدين ودراسته وبيانه، ويُحيلونهم إلى دراسات عجيبة متناقضة في موضوعاتها ومتفقة في خصومتها للدين وبغضها له ومحاربتها له.

وقد رأينا بأن المنهج الإِسلامي يوجب على أهله الابتعاد عن الهوى، ويأمرهم بقبول الحق إذا ظهر، حتى وإن خالف ما تهواه النفس، فإذا كانت هذه هي الموضوعية، فلا حاجة إلى استبعاد الدين كشرط للموضوعية (2)، قد يناسب ذلك في استبعاد أديان باطلة ومحرفة وترفض الحق إن خالف أصولها، وهذا لا ينطبق على الإِسلام؛ لأن استبعاده يعني استبعاد المصدر الحقيقي للمعرفة، فكيف يتم استبعاده؟

بل إن الباحث المسلم يعلم علم اليقين بأن الكفار والملحدين لو التزموا بموضوعية صارمة، تقف مع الحقيقة دون ميل لوصلوا إلى ما يقرره الدين الحق، ولكن الذي يحدث لهم هو أن أثر الكفر والإلحاد والعلمنة، وكره الدين يطغى على الباحث في العلوم وبذلك تظهر النظريات المخالفة للدين تحت دعوى الموضوعية والعلمية.

وأيضًا فإن وجود موضوعية بهذه الصورة تكاد تكون مستحيلة؛ فإنه إذا كانت فلسفات العلم المعاصر ولاسيّما بعد الثورة في الفيزياء المعاصرة تجعل من الصعب الفصل بين الذاتي والموضوعي (3) حتى في الجانب المادي فكيف بغيره (4). فإذا كان ذلك عسيرًا فلماذا نستبعد المصدر الحقيقي للمعرفة والمانع من الانحراف والضلال الديني والمعرفي وهو الوحي؟!

(1) من الملاحظ وجود عدد كبير من اليهود المؤسسين لعلم الاجتماع، ورائدهم "دوركايم" هو من أسس لهذه الموضوعية في كتابه: قواعد في المنهج في علم الاجتماع، وانظر: الفصل الأول والثاني من الباب الأول، والفصل الثاني من الباب الثالث.

(2)

انظر: تمهيد في التأصيل. . . .، عبد الله الصبيح ص 55 - 56.

(3)

راجع الفصل الأول من الباب الأول.

(4)

فهناك من يرى استحالة ذلك في العلوم الاجتماعية، انظر: التأصيل الإِسلامي للعلوم الاجتماعية، د. إبراهيم رجب ص 109.

ص: 861

وأيضًا فإنه مع التغيرات المعاصرة للعلم تبعه تغيرات -كما سبق- في الموضوعية، وهو تغير يكشف صعوبة الموضوعية، وأثر التحيّز على أصحابها، ومن ذلك ما نجده من استبدال الموضوعية بـ "الذاتية المشتركة" في العلوم الاجتماعية، ويوضحها أحدهم فيقول:"إن الإدراك ليس فعلًا سلبيًا، ولكنه تأويل إيجابي للواقع الخارجي، فالواقع ليس شيئًا معلومًا ومسلمًا به، ولكننا نقوم إيجابيًا ببنائه "بأنفسنا"، ولذلك فإن إدراك أي منا للواقع إنما هو بالضرورة إدراك ذاتي ومرتبط بالشخص ذاته، ولكن لما كانت نظرة الجماعة التي ينتمي إليها كل منا تتضمن بعض أوجه الاتفاق والتجانس فإن أعضاء كل جماعة يشتركون في رؤية "موحّدة نسبيًا" للعالم وفي "تفسير مشترك" للواقع، ولا يشترط أن يكون هذا الفهم المشترك للجماعة متطابقًا تمامًا مع الواقع الخارجي، فالواقع الخارجي -كما يوجد بصرف النظر عن من يدركه- لا يمكن ببساطة أن نعرفه موضوعيًا، فالواقع كما يظهر لنا في الرؤية المشتركة يكون ذا صدق ذاتي مشترك. . . . أما عن الصدق الموضوعي فلا يمكن الوصول إليه"(1). ولا شك أن هذا التصور الجديد للموضوعية يفتح الباب لتنوع النتائج، وتنوع الإجابات، وتنوع التفسيرات، فالحقيقة الخارجية مرتبطة بنظرة جماعة عبّر عنها فرد من أفرادها، أي أنها نظرة ترتبط بثقافة مجموعة ومعرفتها، ويحيلنا هذا إلى إجابات مختلفة عن الحقيقة ترتبط باختلاف تصورات المجموعات. فإذا أصبحت الموضوعية بهذا الشكل -على أنه شكلها حتى قبل هذه التحولات رغم المكابرات- فمن غير الموضوعي استبعاد الوحي بوصفه أساسًا للمعرفة؛ لأنه الوحيد القادر على رفع الاختلاف والوصول لنتائج موضوعية تركن لها النفس بكل طمأنينة، وسيبقى الاختلاف بدونه قائمًا مهما كانت الاحتياطات موجودة من أجل الوصول للحقيقة، قال -تعالى-:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة: 213].

قال الشيخ السعدي رحمه الله: " {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} وهو الإخبارات

(1) انظر: التأصيل الإِسلامي للعلوم الاجتماعية ص 115 - 116.

ص: 862

الصادقة، والأوامر العادلة، فكل ما اشتملت عليه الكتب، فهو حق، يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع، أن يرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله، ولولا أن في كتابه، وسنة رسوله، فصل النزاع، لما أمر بالرد إليهما. ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم، فأخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف" (1).

وقال القرطبي رحمه الله: "ويحتمل أن تكون "كان" للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا من الله عليهم، وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص "كان" على هذا التأويل بالمضي فقط"(2)، فالاختلاف -ولاسيّما في المطالب العالية- سيبقى قائمًا ما لم يرجع الناس للوحي، ومن ثمّ فيتعذر الوصول لموضوعية في هذه الأبواب دون الاعتماد على الوحي، وكل من ادعى الموضوعية في أبواب تخص التصورات والعمليات مما يعني الإنسان والمجتمع ولم يسترشد بالوحي فسيقع في الاختلاف والتناقض، ويصعب الخروج بنتيجة يتفق عليها العقلاء. ولذا فالموضوعية الصحيحة تتحقق تمام التحقق بالعودة للكتاب والميزان الذي أنزله رب العالمين، قال -تعالى-:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وقال -تعالى-:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)} [النساء: 105]، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وقال -تعالى-:{اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)} [الشورى: 17]، فهذا الكتاب قد نزل من الحق وبالحق، فلا تكون إصابة الحق إلا بالعودة إليه.

قد يوجد ما يفسر إصرار فلسفة العلم داخل الحضارة الغربية على الموضوعية -على أنها التخلص من كل تصور سابق ولو جاء من الوحي- رغم

(1) تفسير السعدي ص 95 - 96.

(2)

تفسير القرطبي 3/ 31.

ص: 863

أنها تعترف باستعصاء قيام مثل هذا المفهوم، فهو رغم محاذيره يخفف من ضغط التصورات الدينية الباطلة أو الفلسفات المثالية الغامضة، فقد يحرص العقلاء في طلب البعد عن الدين المحرف والميتافيزيقا والفلسفات المثالية خوفًا على العلم ولكنه يتحول لأداة مهمة عند الملحدين ومبغضي الدين وأصحاب الصراعات الكبيرة مع أهل الدين للتخلص من الدين، وهي تجد حركتها بسهولة في ميدان معقد ويهمّ الإنسان مثل باب العلوم الإنسانية، حيث تصبح الموضوعية هناك أكثر تعقيدًا واشكالًا، وفي ذلك يقول قنصوه:"إن الموضوعية في العلوم الإنسانية هي مشكلتها المحورية، وكل من يعرض لها إنما يعرض بطريق مباشرة أو غير مباشرة للصعاب التي تواجه هذه العلوم لكي تبلغ مستوى العلوم الطبيعية ونجاحها"(1).

فيكون الحرص في العالم الإِسلامي على الموضوعية بمثل هذه المضامين أمرًا مشبوهًا، ولاسيّما عندما يرفع شعاره أهل التغريب أو المتأثرين بالفكر العلماني الغربي؛ لأنه في الغالب سيتحول معهم إلى أداة هدفها تأسيس علم علماني ومنهج علماني لا يكتفي بالانفصال عن الدين بل يسعى مع ذلك لهدمه.

ذلك أن الموضوعية العلمانية في أهم مضامينها إنما تهدف إلى التخلص من الدين، سواء كان صحيحًا أم غير ذلك. فإن مصطلح الموضوعية برز مع بروز العلمانية في ساحة الفكر الغربي، ثم مع ظهور التيارات المادية والوضعية الإلحادية بما حققته من سعة انتشار في القرن الثالث عشر / التاسع عشر، وهذا الأمر يُصرّح به الباحثون في ميدان العلوم ومناهجها كما نجده عند أحدهم -جولدنر- حيث يقول:"المذهب الذي يؤمن بأن علم الاجتماع ينبغي أن يكون محايدًا قيميًا، إنما هو الامتداد الحديث للصراع القديم بين الدين والعقل، ولقد نشأ هذا المذهب وما زال يعيش على الاتجاهات التي سادت القرن الثالث عشر الميلادي لإيجاد فواصل أو حواجز بين الدين والعقل لحفظ السلام بينهما. . . ."(2)، ولكن هذا السلام أو هذه الهدنة قد انتهى أمرها، فلم يعُد هناك حرص لحفظ السلام بعد بروز المذاهب المادية والوضعية ذات الأيديولوجيا الإلحادية.

لم تعد الموضوعية مفهومًا بسيطًا في فلسفة العلم، بل أصبحت ظاهرة

(1) الموضوعية في العلوم الإنسانية. . . .، د. صلاح قنصوة ص 63.

(2)

التأصيل الإِسلامي للعلوم الاجتماعية. . . .، د. إبراهيم رجب ص 110 - 111.

ص: 864