الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين
الكفاية من "كفى يكفي كفاية، إذا قام بالأمر. وفي الحديث: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه؛ أي أغنتاه عن قيام الليل، وقيل: تكفيان الشرّ وتقيان من المكروه، وفي قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. معناه أو لم يكف ربك أو لم تكفهم شهادة ربك، ومعنى الكفاية هاهنا أنه قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة على توحيده"(1). والشمول من "شملهم الأمر يشملهم شملًا وشمولًا عمّهّم واشتمل عليه الأمر أحاط به"(2).
وبين الكفاية والشمول علاقة، فعندما يكون الشيء كافيًا في شيء فهو شامل له، ومن ذلك مزعم المتغربين بأن في العلم الحديث كفاية عن غيره، وفيه غنية، فيكون فيه عموم وسعة تعطي الكفاية. ومشكلة الدعوى هنا زعم أصحابها
(1) انظر: لسان العرب، مادة (كفي)، 15/ 225، وانظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص 1712.
(2)
انظر: القاموس المحيط، مادة (شمل) ص 1319، مع لسان العرب فمنه معنى الإحاطة.
أن العلم الحديث وما فيه من نظريات، وما بني عليه من ثقافة، يُغني عن الدين، ويغطي ما كان يغطيه الدين، مع مزية في العلم لم تكن في الدين، وهو أنه بديل صحيح عن أوهام وخرافات عند الغلاة منهم، أو هو البديل الأنسب لواقع البشرية اليوم بعد تطورها، وُيقلص الدين من مجاله الواسع الذي عُرف به إلى مجال ضيق يتعلق بالروحانيات والقيم عند الأكثر من المتغربين.
ويسمى هذا الاتجاه بـ (العلموية scientism)، ويعرفها "طه عبد الرحمن" فيقول: العلموية تقابل اللفظ الإِنجليزي (scientism)" هي عبارة عن النزعة التي يعتقد أهلها أن العلم قادر على الإحاطة بحقائق الأشياء وعلى النهوض بحل المعضلات التي تواجه العقل الإنساني وعلى تلبية مختلف مطالبه من المعرفة"(1)، ويقول الدكتور "أحمد شوقي":"العلموية scientism" تعني "القدرة غير المحدودة للعلم على تفسير كل ما في الكون، وبأنه في رأى بعض غلاة العلموية الوسيلة الوحيدة للمعرفة التي تملك الحل السحري لكل مشكلة"(2)، وكذا عند الدكتور خليل أحمد:(scientism - العلموية)"الفكرة المركزية في العلموية هي أن العلم يجب أن يعقب الفلسفة وأنْ يَجُبَّها، وأنّ العلم قادر على إشباع التطلعات الإنسانية كافة"(3).
بينما المنهج الإِسلامي ضد هذه الدعوى، ولا يعترف بها، ويجد فيها هلاكًا للناس لو أخذوا بها، مع الإقرار بأن الإِسلام هو منهج حياة شامل، فهو من عند الله سبحانه، العليم الحكيم الخبير، أنزله على خلقه ليستمسكوا به، ويأخذوا به في كل جزء من حياتهم، وأن الدين الحق وحده هو الذي له الشمولية والكفاية، وغيره لا يكون إلا جزئيًا يناسب ما وضع له بما في ذلك العلوم البشرية التي يناسب كل علم منها ما يخصه، ولكن في النهاية يأتي الإِسلام ليكون حاكمًا على الجميع وموجهًا له.
يتفق العقلاء أن الإنسان في حاجة إلى تصورات وأعمال، والإنسان يريد المعرفة والعمل، وهو إما أن يستقل بذاته في ذلك، وهذا مستحيل حتى مع
(1) سؤال الأخلاق .. ، طه عبد الرحمن ص 113.
(2)
إلا العلم يا مولاي، د. أحمد شوقي ص 17.
(3)
مفاتيح العلوم الإنسانية .. ، د. خليل أحمد ص 297.