الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبعد، فقد ظهر من النماذج السابقة رغم تَلبّسِها بلباس العلمية، أن حقيقتها هي صياغة أخلاق علمانية بعيدة عن الدين، ويُتخذ العلم كغطاء لعلمنة الأخلاق.
* * *
الثاني: في باب العمل بالأدوية الشرعية للأمراض الجسدية أو النفسية:
ينتقل البحث إلى مجال آخر تأثر في بعض جوانبه بالعلمنة والأصول اللادينية، وهو مجال الطب، ويعد التداوي من أهم موضوعات هذا العلم من أجل صحة أبدان الأحياء. وقد تطور علم الطب في العصور الأخيرة تطورًا كبيرًا، وقد انتفع العالم بذلك نفعًا عظيمًا، وقد خالط هذا النفع شيئًا من الكدرات، ومن ذلك ما تسرب للفكر الحديث من إشكالات ذات علاقة بعلم الطب بشقيه الجسدي والنفسي، ويعود السبب في ذلك إلى الواقع الثقافي والاجتماعي للبيئة التي تطور فيها علم الطب الحديث، ولا يخرج عن ذلك أي علم نشأ في هذه الظروف الغربية الجديدة، حيث تظهر فيه سمات تلك البيئة وأصولها النظرية والفلسفية، وبما أنه قد غلب على البيئة الغربية: العلمنة لاسيّما في العلم والفكر فقد أثر ذلك على كل العلوم، وازداد الأمر سوءًا مع اهتمام الماديين بالعلوم الدنيوية وبث ماديتهم فيها، وتوظيفها فيما يضاد الدين (1)، وقد نشأ مع هذا الوضع الجديد إشكالات حول العلاج والتداوي لاسيّما في الإطار الفلسفي والفكري وقد امتدّ أثره في واقعنا الفكري، وهذه الفقرة تبحث هذه الإشكالية، وذلك بعد ذكر المداخل المناسبة لمثل هذا الموضوع.
الأمر بالتداوي في الإِسلام:
يرتبط هذا بباب الطب، وهو باب واسع داخل التصور الإِسلامي يصعب الإلمام به في هذه الفقرة المختصرة (2)، فأكتفي بذكر قضايا كلية نبه عليها علماء
(1) انظر: الباب الأول، الفصل الثاني، ففيه توضيح لهذا الأمر.
(2)
هناك طب نبوي مصدره الوحي وقد اصطلح العلماء على إطلاق اسم (الطب النبوي) عليه، وهناك من يقترح مسمى (الطب الإِسلامي) ليشمل علاقة الطب بالتصور الإِسلامي الواسع، ويكون الطب النبوي فرعًا عنه، كما أن هناك الطب البشري الذي هدى الله الناس إليه، وقد طُبب به الرسول صلى الله عليه وسلم وأرشد إليه. انظر حول التعريفات: روائع الطب =
الإِسلام. والأصل في هذا الباب حديث التداوي، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء"(1).
وأخرجه مسلم عن جابر بلفظ: "لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل"(2).
وعن أسامة بن شريك مرفوعًا بلفظ: "تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم"(3).
قال الشيخ السعدي: "وعموم هذا الحديث يقتضي: أن جميع الأمراض الباطنة والظاهرة لها أدوية تقاومها، تدفع ما لم ينزل، وترفع ما نزل بالكلية، أو تخففه.
وفي هذا: الترغيب في تعلم طب الأبدان، كما يتعلم طب القلوب، وأن ذلك من جملة الأسباب النافعة. وجميع أصول الطب وتفاصيله، شرح لهذا الحديث؛ لأن الشارع أخبرنا أن جميع الأدواء لها أدوية. فينبغي لنا أن نسعى إلى تعلمها، وبعد ذلك إلى العمل بها وتنفيذها.
وقد كان يظن كثير من الناس أن بعض الأمراض ليس له دواء، كالسل ونحوه، وعندما ارتقى علم الطب، ووصل الناس إلى ما وصلوا إليه من علمه، عرف الناس مصداق هذا الحديث، وأنه على عمومه" (4).
والمرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان وهما مذكوران في القرآن، ويقابلهما طب القلوب وطب الأبدان، فيهتم طب القلوب بدواء مرض القلب،
= الإِسلامي، الجزء الأول: القسم العلاجي، د. محمَّد الدقر ص 7 ص 11 ص 16، وانظر: الطب النبوي والعلم الحديث، د. محمود النسيمي ص 7.
(1)
البخاري برقم له (5678)، كتاب الطب، وانظر كلام ابن حجر عن باقي الروايات، ومما ذكره من روايات عند غير البخاري:(يا أيها الناس تداووا) و (تداووا يا عباد الله) و (فتداووا، ولا تداووا بحرام)، فتح الباري .. 10/ 135.
(2)
مسلم، برقم (2204)، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي.
(3)
أبو داود، برقم (3855)، والترمذي برقم (2038)، وقال فيه: وهذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في غاية المرام، برقم (292) ص 178 - 180، وصححه في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (1650).
(4)
بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار. . . .، حديث رقم (64)، السعدي ص 143.
ويهتم طب الأبدان بدواء مرض البدن (1).
وقد ذُكر مرض البدن في "الحج والصوم والوضوء" وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة (2)، فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة. فجاء حفظ صحة البدن وقوته في آية الصوم:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وجاءت الحمية من المؤذي في آية الوضوء:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وجاء استفراغ المواد الفاسدة في آية الحج:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196](3).
أما مرض القلوب فنوعان: مرض شبهة وشك ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن. قال -تعالى- في مرض الشبهة:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10]، وفي مرض الشهوة قال -تعالى-:{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32](4).
"فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم؛ فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل. وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك، وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها، وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل، ومن لم
(1) انظر: زاد المعاد .. ، ابن قيم الجوزية 4/ 5 وما بعدها.
(2)
"علم الطب" علم يتناول المحافظة على الصحة والوقاية من الأمراض ومعالجتها، وقواعده أربع هي: حفظ الصحة، الحمية والوقاية، الاستفراغ من المواد الفاسدة، مكافحة الأمراض إذا وقعت. انظر: مقدمة كتاب: خمسون فصلًا في التداوي والعلاج والطب النبوي، لابن مفلح، بعناية عادل آل محمد ص 6.
(3)
انظر: زاد المعاد 4/ 7.
(4)
انظر: المرجع السابق 4/ 5 - 6.
يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه فإنه من الأموات وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات".
"وأما طب الأبدان فإنه نوعان:
نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها.
والثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل. . . ." وقد ذكر ابن القيم له ثلاث صور (1).
وكان علاج الرسول صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الطبيعية، والثاني: بالأدوية الإلهية، والثالث: بالمركب من الأمرين (2)، وقد نبه ابن القيم رحمه الله إلى أمر مهم حول هذه الأدوية التي دل عليها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:"وهذا إنما نشير إليه إشارة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث هاديًا، وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله ومبينًا للأمة مواقع رضاه وآمرًا لهم بها ومواقع سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك. وأما طب الأبدان، فجاء من تكميل شريعته ومقصودًا لغيره، بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قدر على الاستغناء عنه كان صرف الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح، وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها، مما يفسدها هو المقصود بالقصد الأول، وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًا، وهي مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة وبالله التوفيق"(3)، وينبه أيضًا على سبب ذكره لهذه الأدوية من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "ولعل قائلًا يقول: ما لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وما لهذا الباب وذكر قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصحة؟. وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا
(1) زاد المعاد 4/ 7 - 8.
(2)
انظر: المرجع السابق 4/ 22، وانظر: فتح الباري. . . .، ابن حجر 10/ 134 حيث نقل أغلب كلام ابن القيم.
(3)
زاد المعاد 4/ 23.
وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به، وإرشاده إليه ودلالته عليه، وحسن الفهم عن الله ورسوله يمن الله به على من يشاء من عباده. فقد وجدنا أصول الطب الثلاثة في القرآن، وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملةً على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب، وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها ودفع آفاتها بطرق كلية، قد وكل تفصيلها إلى العقل الصحيح والفطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء" (1).
وقد يشتبه على البعض عدم نفع بعض ما ورد من أدوية بشكل ثابت أو أن يأتي علم الطب على خلاف بعضها، وربما لهذا السبب قال ابن خلدون أنه:"ليس من الوحي في شيء وإنما هو أمر كان عاديًا للعرب. ووقع في ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل. فإنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات" واستثنى من ذلك استعماله تبركًا فقال: "اللهم إلا إن استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم في النفع"(2)، وهذا القول مرجوح، فمن تمعن في هدي النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الأمر يتجاوز العاديات، وقد بيّن ذلك غاية البيان ابن القيم (3).
أما الاشتباه السابق حول الطب النبوي فنجد جوابه من فقيه في الشرع ومُلمّ بالطب وهو "محمَّد المازري"(4) حيث قال: "وهذا الذي قاله هذا المعترض
(1) المرجع السابق 4/ 414.
(2)
مقدمة ابن خلدون 3/ 1144، بتحقيق د. علي وافي.
(3)
وانظر: الأسس الإبستمولوجية لتاريخ الطب العربي. رؤية معرفية في تاريخ الحضارات، د. خالد حربي ص 142 وما بعدها.
(4)
قال عنه الذهبي في السير: (الشيخ الإمام العلامة البحر المتفنن، أبو عبد الله، محمَّد بن علي عمر بن محمَّد التميمي المازري المالكي. قال عنه القاضي عياض: لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه ولا أقوم بمذهبهم. سمع الحديث، وطالع معانيه، واطلع على علوم كثيرة من الطب والحساب والآداب وغير ذلك، فكان أحد رجال الكمال، وإليه كان يفزع في الفتيا في الفقه. قيل: إنه مرض مرضة، فلم يجد من يعالجه إلا يهودي، فلما عوفي على يده، قال: لولا التزامي بحفظ صناعتي لأعدمتك المسلمين. فأثر هذا عند المازري، فأقبل على تعلم الطب حتى فاق فيه، وكان ممن يفتي فيه كما يفتي في الفقه). انظر: سير أعلام النبلاء 20/ 104 وما بعدها.
جهالة بينة، وهو فيها كما قال الله تعالى:{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} . . . . إن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل، حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يعرض من غضب يحمي مزاجه، فيغير علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك مما لا تحصى كثرته. فإذا وجد الشفاء بشيء في حالة بالشخص لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال وجميع الأشخاص. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والغذاء والعادة المتقدمة، والتدبير المألوف، وقوة الطباع" (1)، وهي فقرة مهمة تبين أن الطب النبوي قد لا يراد به عموم الأحوال والأمكنة، فإن له شروطه التي متى وقعت وقع الانتفاع بالدواء.
وقد عرف باب الطب عناية من قبل علماء المسلمين، لاسيّما النبوي منه لكون الطب البشري متروكًا لجهد البشر (2)، فخصه جامعو السنة النبوية بأبواب مثل البخاري وغيره، كما أنه قد عرف التأليف المستقل في باب الطب النبوي (3)، ومن بين أقدم الكتب المفردة حول الطب النبوي نجد كتاب ابن حبيب الأندلسي، ويمتاز كتابه بأنه أول ما أُلف في الباب، وقد جمع فيه بين الهدي النبوي وبين العلم الصحيح النافع مما هو عند الأمم الأخرى، لاسيّما ما هو منقول عن اليونان وذلك قبل ظهور حركة الترجمة المشهورة عن اليونان (4).
(1) شرح النووي على مسلم، المجلد السابع، الجزء 14/ 191 - 192، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، وانظر: فتح الباري لابن حجر 10/ 169 - 170.
(2)
لقد ترك جانب منه للجهد البشري، فإن العلوم الطبية كعلم التشريح والغرائز والأمراض والأدوية و. . . . لا تدخل في مهمات الرسالة السماوية، فإن تطويرها وترقيتها متروك للجهد البشر وأبحاثهم العلمية وتجاربهم، نعم إن الدين يشملها بالتوجيه، انظر: الطب النبوي والعلم الحديث، د. محمود النسيمي ص 8 - 9، وانظر: فتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة رقم (6249) ضمن مجموع فتاوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية 12/ 64.
(3)
انظر: الطب النبوي، عبد الملك بن حبيب، شرح وتعليق د. محمَّد البار ص 7 - 8 للمحقق، وانظر: خمسون فصلًا في التداوي والعلاج والطب النبوي، لابن مفلح، بعناية عادل آل محمد ص 5، وانظر: الأسس الإبستمولوجية لتاريخ الطب العربي. رؤية معرفية في تاريخ الحضارات، د. خالد حربي ص 132، وانظر: روائع الطب الإِسلامي، الجزء الأول: القسم العلاجي، د. محمَّد الدقر ص 11.
(4)
انظر: مقدمة المحقق كتاب الطب النبوي، عبد الملك بن حبيب، شرح وتعليق د. محمَّد البار ص 9، 25، 28.
ويعد وثيقة قديمة في عناية علماء الإِسلام في الجمع بين الدين والطب وعنايتهم بالأمور الطبية من وقت مبكر، وفي استفادتهم مما صح من علوم الأمم الأخرى أو يظنون فيها نفعًا ولا تعارض الدين (1)، ولكن عندما تتم الاستفادة من قبل عالم بالشرع (2)، فهو يتلافى مشكلاتها التي قد تتعارض مع التصور الإِسلامي. "وقد كان قدوتنا صلى الله عليه وسلم يطلب الطبيب لغيره وكان الأطباء يأتونه أيضًا، فقد روي عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه، وروي أن عروة كان يقول لعائشة: يا أماه، لا أعجب من فقهك أقول: زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبيه، وقالت: أي عرية، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فكانت تنعت له الأنعات وكنت أعالجها فمن ثم علمت"(3).
وقد كان هذا الجهد الإِسلامي في باب التأليف حول الطب من أجل وضع الأصول الإِسلامية لهذا الجانب المهم من حياة البشرية، فقد جاء الإسلام ليؤسس لحياة جديدة مختلفة تمام الاختلاف ومتميزة عن غيرها، ومن ذلك ما له
(1) خص "ابن حبيب" النظرية اليونانية بقسم من مؤلفه، وقد اعتمد هذه النظرية الأطباء المسلمون، وكل من كتب في الطب بما في ذلك الأعلام من المحدثين والفقهاء الذين كتبوا في الطب النبوي من أمثال ابن حبيب وعلي الرضا وابن القيم والذهبي والسيوطي وغيرهم مع أن الطب الحديث لم يعد يعترف بهذه النظرية، انظر: المرجع السابق ص 28.
(2)
ابن حبيب الإِمام العلامة، فقيه الأندلس، أبو مروان، عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة بن الصحابي عباس بن مرداس، السلمي العباسي الأندلسي القرطبي المالكي، أحد الأعلام، ولد في حياة الإِمام مالك بعد السبعين ومئة، وكان موصوفًا بالحذق في الفقه، كبير الشأن، بعيد الصيت، كثير التصانيف إلا أنه في باب الرواية ليس بمتقن، قال أبو القاسم بن بشكوال: قيل لسحنون: مات ابن حبيب، فقال: مات عالم الأندلس! بل -والله- عالم الدنيا. سير أعلام النبلاء، الذهبي 12/ 102. وانظر ترجمته في: المرجع السابق ص 13 وما بعدها.
(3)
المسند برقم (24884)، طبعة بيت الأفكار الدولية، وقال محقق (خمسون فصلًا في التداوي والعلاج والطب النبوي، لابن مفلح) عادل آل محمد ص 13: أخرجه الإِمام أحمد ورجال الإسناد كلهم ثقات.
علاقة بصحة الإِسلام، بحيث يضع القواعد الكلية لهذا الباب المنبثقة من التصور الإِسلامي ويترك ما سوى ذلك لجهد البشر.
تقوم صحة الإنسان في التصور الإِسلامي على أصول إسلامية مهمة بحيث تكون هذه الأصول الإطار الإرشادي لجانب الطب، ويعارضها أصول علمانية ترتبط بالتصور العلماني الذي تأثر به المتغربون فيتحرك الطب هنا مع البدن، وكأنه جسم مادي لا روح له، يكفي عندهم اكتشاف المرض ودوائه وعندها يتخلص الإنسان من أمراضه ويعيش سعادته الدنيوية، بينما واقع البشرية يكشف عن تطور المرض مع تطور الطب، بل ظهور أمراض جديدة لم يعرفها العالم من قبل واستعصى بعضها عن العلاج، مما جعل هذا الأمل المقطوع عن الإيمان بالله وهمًا وزيفًا، ولهذا يعارض التصور الإِسلامي النظر للإنسان كجسم مادي فقط غير مرتبط بروح تحتاج لقيم وإيمان، وبهذا يتكامل الطب في الإطار الإِسلامي مع جانب القيم والدين، فالطب في الإطار العلماني ينظر للإنسان مفصولًا عن حاجته للإيمان وعن حاجته لتشريع سماوي، لهذا يتم علاج البدن والنفس دون مراعاة لعلاقة البدن بالروح، ويتم بحث ذلك دون مراعاة للحلال والحرام والقيم.
وفي هذا الإطار يأتي الإرشاد النبوي في أبواب صحة الإنسان مرتبطًا بهذا التصور الإِسلامي الشامل، تلك الصحة التي تعد نعمة من الله سبحانه، ومن ثم فحفظها يرتبط بالإيمان بواهبها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"(1)، يقول د. محمَّد البار:"فلا غرو إذن أن يهتم نبي الإِسلام صلى الله عليه وسلم بتنبيه المؤمنين على نعمة الصحة، واتخاذ جميع التدابير للمحافظة عليها. . . ."(2).
وعندما يأتي التوجيه النبوي في باب صحة الإنسان، فهو يأتي من قبل العليم الحكيم، ولهذا يأتي الإرشاد النبوي ليعالج أكثر من جانب بسبب الشمول والتكامل النابع من علم المرشد وحكمته، فيتجاوز بذلك المسألة الجزئية إلى
(1) البخاري، كتاب الرقاق، باب لا عيش إلا عيش الآخرة، برقم (5933).
(2)
من مقدمة د. البار لكتاب الطب النبوي لابن حبيب ص، وانظر: مقدمة خمسون فصلًا في التداوي والعلاج والطب النبوي، لابن مفلح، بعناية عادل آل محمد ص 7.