الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فظهرت له أحزاب وظهر بنشاط فكري واسع، وقد تبنّى هذا الاتجاه الصورة الماركسية بحرفيتها، ومن ذلك هذه القسمة بين البناء الفوقي المعنوي والبناء المادي التحتي الاقتصادي في الأساس، وكل ما في البناء الفوقي من دين وثقافة وقيم وأخلاق وآداب وفنون هو من إنتاج البناء المادي التحتي، فصوروا الإِسلام بعقائده وشرائعه وقيمه وكل مكوناته بمنتج -ينتمي للبناء الفوقي- لعلاقات الإنتاج.
ثالثًا: تحليل ونقد للنظريات الجديدة:
[1]
ماذا يمكن أن يقال عن علمية هذه المواقف؟ أقرب جواب أنها غير علمية، فالأصل في المواقف العلمية أن تكون متقاربة؛ فإذا كانت تدعي أنها طبيعية فإن الطبيعة تتفق أقوال العلماء حول مسائلها أو على الأقل تكون متقاربة بينما نجد تنافرًا بين هذه الأقوال وتناقضًا عجيبًا بل وحربًا يشنها بعضهم على بعض، وكل فريق يتهم الآخر بعدم العلمية. وهذا باب مهم في كشف زيف دعاواهم، ولكنه لا يكفي؛ لأنه إنما يكشف وجود مشكلة، ولكن قد يكون الحق مع بعضهم، وهنا تأتي الحاجة إلى معيار خارجي وأداةِ تحققٍ عليا تكشِفُ الحق من الباطل، ولاسيّما في هذه الميادين التي لا يستطيع العقل وحده أو العلم وحده أن يحكما فيها. ولن يكون إلا الدين الحق، فالرب سبحانه هو الذي خلق البشر، وهو الذي يعلم بما يصلح حالهم، فأنزل لهم من الشرع ما يصلح حالهم، وهو الحق الذي نحكم به على كل الأقوال والأفعال والتصورات. ومن تأمل فيما كتب في الأخلاق؛ يجد بميزان الحق أن فيه الحق والباطل، ويجد أن الصواب الذي فيها يأتي بتركيزهم على جانب مهم من حياة البشر، ولكنهم يغلون فيه ويهملون الجوانب الأخرى التي قد تكون أكثر أهمية؛ وذلك بسبب غياب الشمولية والتوازن التي لا ترى إلا بنور الوحي ولا تتحقق إلا في ظل الوحي؛ لأن البشر مهما وصلوا إليه من عقلانية وعلمية فهي تبقى بشرية محكومة ببشريتها وحدود إمكانيات منتجها، فمهما بلغت تبقى محكومة بهذه الحدود (1)، بل تسقط الإنسان في مرتبة بهيمية بعد أن كان الظن هو الارتقاء به، يقول طه عبد الرحمن: "ما أشد غفلة الإنسان حتى كأنه، على ظاهر تقدمه العلمي والتقني الهائل، إنسان
(1) انظر: مبحث الشمول في الفصل الأول من الباب الثالث.
جهول! فهو يدعو إلى حقوق وحظوظ تخرجه من رتبة الإنسانية وتنزل به إلى درك البهيمية عندما يدعي العقلانية ويهمل الأخلاقية" (1)، ثم يقول بعد أن استعرض كثرة اضطرابهم في الأخلاق واختلافهم حول السبب: "فنقول بأن السبب في اضطراب المفاهيم الأخلاقية يرجع إلى كون الفلاسفة غلب عليهم الاشتغال بها من دون ردها إلى المجال الحقيقي الذي تنتسب إليه، بحيث بقيت، في تعاملهم معها، متزلزلة لا تثبت في معانيها، ومتأرجحة لا يستقر بها قرار، ومتذبذبة لا تقيم على حال. وليس هذا المجال المنسي الذي بدونه لا تسكن هذه المفاهيم ولا تثبت ولا تتمكن إلا مجال "الدينيات"؛ والدينيات الذي يجمع إلى عنصر "الإنسانيات" وعنصر "المعنويات" عنصرًا ثالثًا هو"الغيبيات"" (2).
[2]
قصور المواقف الطبيعية يقوم "في ردها للقيمة واختزالها إلى نشاط طبيعي يخضع لحتمية صارمة تختلف نوعيتها باختلاف المواقف البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. . . . تتفق مواقف الطبيعيين جميعًا على تحليل الفاعلية الإنسانية إلى عناصر بسيطة واختزالها إلى وحدة تجريبية يسهل إخضاعها لمقاييس المشاهدة والتجربة. وبذلك تتحول القيمة إلى مجرد واقعة علمية من بين وقائع أخرى تعينها الحتمية التي تشمل بنفوذها كل موضوعات العالم"(3).
وتختلف مواقفهم باختلاف نوع الاختزال الذي يردون إليه الفاعلية الإنسانية:
البيولوجي: يردون القيم إلى القوانين التي تحكم الكيان العضوي، وأهمها قانون التطور وملحقاته الذي جاءت به الدارونية.
(1) سؤال الأخلاق .. ، د. طه عبد الرحمن ص 13.
(2)
سؤال الأخلاق .. ص 25. وقد جعل كتابه في السعي لتأسيس الأخلاق على الدين ونقض كل المقولات الفلسفية الغربية الحديثة حول الأخلاق المعلمنة، قائلًا: (وقد جعلنا من الجمع بين الأخلاق والدين أصل الأصول الذي بنينا عليه، في الكتاب الذي بين يديك، مساهمتنا النقدية للحداثة الغربية. . . . .) [ص 25 - 26]، مع علمه بما يثيره عند المقلدة للغرب من نفور، مع أنهم يجيزون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم، فينتقدون الأخلاق الدينية بواسطة الحداثة الغربية ويمنعون نقد الحداثة الغربية بواسطة الأخلاق الإِسلامية ص 26.
(3)
نظرية نظرية القيم. . . .، قنصوه ص 182.
وهو قانون لا يفرق بين الإنسان وغيره من الكائنات الحية، ويخضع الإنسان -كونه من الطبيعة- لقانون الحتمية الصارمة، وهي بهذا تلغي دور الإنسان المكلف، كما أنها تلغي قيمة الدين وكل قيمة توجه الإنسان وكل غاية نبيلة. كما أن هذا التصور البيولوجي ينزع المسؤولية عن الإنسان ويضع زمامه في يد القانون الطبيعي (1).
النفسي: قد يرتفعون قليلًا بالإنسان عن الموقف البيولوجي من مشاركته الحيوان ويردونه إلى "التكوين النفسي للفرد بما ركب فيه من عدد، قد يقل أو يزيد، من الغرائز والدوافع والميول، محكومة بحتمية نفسية لا مهرب منها"، حتمية داخلية، وهنا أيضًا تضيع المسؤولية والإلزام، فلا معيار إلا بما تحكم به الرغبة (2).
الاجتماعي: المجتمع عند دوركايم هو أصل القيم ومصدر الإلزام بل إنه مصدر كل مقدس بما في ذلك الدين، وتطبيقًا لهذا فإن الفرد سواء حقق قيمة أو تمرد عليها يكون ممثلًا في الحالين لإرادة العقل الجمعي الذي يلزمه بهذا الإذعان أو ذاك العصيان، فكأن الأفراد لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا، ويصبح العقل الجمعي أو المجتمع مشجبًا تعلق عليه حلول كافة المشكلات، وتصل عند بريل لنتيجتها المنطقية "فينكر مشروعية بحث ما ينبغي"؛ لأن المجتمع هو الذي يتحكم (3).
الاقتصادي: يختزلون -كغيرهم- الفاعلية القيمية إلى مجرد نشاط اقتصادي، فتدخل في نفس الإشكالية التبسيطية للفاعلية الإنسانية، كما أن حتميتها أضيق من حتمية العقل الاجتماعي، فتدخل في نفس المشكلات السابقة (4).
[3]
لا ينبع الاشتباه في المواقف العلموية من ذاك التعارض البارز فيها
(1) انظر: نظرية القيم في الفكر المعاصر ص 182 - 183.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 184.
(3)
انظر: المرجع السابق ص 185 - 187، وانظر: الأحكام التقويمية في الجمال والأخلاق، د. رمضان الصباغ ص 254 - 255.
(4)
انظر: نظرية القيم في الفكر المعاصر، قنصوه ص 189 - 190.
فقط؛ وإنما يزيد منه وجود تيار عريض وكبير يعارض هذه الاتجاهات العلموية في باب الأخلاق -كما في غيره- ومن هؤلاء مثلًا التيار العقلي والمثالي الواسع، يشتركون في إنكار أن تكون "التجربة بمعناها الضيق مصدرًا للمعرفة بالحقائق الثابتة والقيم المطلقة على السواء، أو وسيلة لإدراكها، بل العقل أو الحدْس أو الوعي هو أداة إدراكها واكتشافها. والقيم عندها ليست عارضة، لا تقبل شكًا أو جدلًا أو تحتمل تناقضًا، تكاد تشبه بديهيات الهندسة ومصادراتها"(1)، ويقف على رأس هؤلاء الفيلسوف الألماني "كانط" الذي يرى بأن الأخلاق معيارية (2) ولكنه يرى الدين تابعًا للأخلاق كما سبق.
وفيهم من مثّل اتجاهًا روحيًا فلسفيًا مثل "لافيل" مدافعًا عن القيم التي يتهددها الخطر "وينعي لافيل على التجربة العلمية، أو ما يمكن أن يُسمى بالوضعية المنطقية، قصورها في وقوفها على السطح، وإنكارها للأعماق، وما يستعصي على التعبير، وما يسمو من الأمور، فقد نشأت هذه النظرة عن سوء فهم لحدود المنهج العلمي من جهة، وعن روح الاستهتار العام التي قضت على جدية الحياة من جهة أخرى. وهذا الاستهتار لا يتخذ مكانه في المجال العقلي بل في مجال الأخلاق والدين؛ أي: في مجال القيم"(3).
ومع ذلك فهذا المجال لم يكن أحسن حالًا من سابقه، فمدارسه أكثر ونظرياته أشد في التعارض، فما أحيل على العقل لوحده فباب التنوع فيه أكثر، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على حاجة الناس لمخرج من هذه الفوضى، وهي تؤكد من جديد أهمية عودة هذا المسار المهم للدين.
[4]
لا يخلو بحث في ميدان الأخلاق من ذكر ثلاثة مواقف في الفكر المعاصر كان لها أثرها الخطير على مبحث الأخلاق، اثنان منها على صلة
(1) نظرية القيم في الفكر المعاصر، قنصوه ص 104، عن الطويل، الفلسفة الخلقية ص 125 - 126.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 105 - 107.
(3)
المرجع السابق ص 123 - 124، وأصحاب هذه النزعة مجموعة من المفكرين الفرنسيين لهم ميول كاثوليكية تأثر بها بعض العرب، انظر: النظرية العامة للقيمة .. ، د. أحمد عطية ص 331 - 335، وحول "لافيل" و"لوسين" من هذه المدرسة انظر: العمدة في فلسفة القيمة، د. عادل العوا ص 231 وما بعدها.
بالدعاوى العلمية والثالث يريد الإفلات من طغيان العقلانية والعلمية، وهذه الثلاثة هي "النفعية" وامتدادها المعاصر في "البراجماتية"، و"النتشوية"، و"الوجودية". وغاية الوقفة مع هذه الثلاثة التأكيد على هذه الفوضى التي تعم ميدان علم الأخلاق رغم الأزمة الخلقية التي يمر بها العالم، وهي مؤشر صريح عن أهمية البحث عن مخرج، ولن يكون في التصور الإِسلامي إلا بإعادة الأخلاق إلى الدين.
مذهب "المنفعة" الحديثة ترجع إلى "ميل" و"بنتام"، حيث ربطت الأخلاق بالمنفعة أو اللذة، ثم جاء تطور لها مع "البراجماتية" وفلاسفتها:"وليم جيمس" و"بيرس" و"ديوي" وغيرهم، حيث ربطت الأخلاق بجدواها العملية (1)، ويدّعي هذا المذهب العلمية بعد أن تحرر من القضايا الغيبية والمُثُل وركز على أمور يمكن للعلم أن يتعرف عليها، وتقوم دعواه على تحويل القضايا الأخلاقية إلى مسائل محسوسة.
أما "النتشوية" فهو المنسوب لنيتشه، وهو موقف بارز وربما الأشهر في تاريخ الأخلاق المعاصرة، وهو يعتبر من جهة: امتدادًا للتيارات العلموية المدعية البحث العلمي في الأخلاق (2)، ومن جهة أخرى: فله تأثيره على الكثير من الاتجاهات السياسية والفكرية، يقوم مذهبه على "رفض الأخلاق قائلًا باللاأخلاق أخلاقًا، كاسرًا لائحة القيم التقليدية، مبشرًا بأخلاق السيد السوبرمان"(3)، وجعل مصدرها إرادة القوة، وهي من صنع الإنسان يخلعها على الأشياء، والحياة إنما هي إرادة التسلط والاستيلاء والتملك، وعنها تنشأ القيمة. وتبرز الأخلاق أثناء الصراع بين السادة والعبيد، الأقوياء والضعفاء، للسادة أخلاق، هي أخلاق القوة، وهي الأخلاق الحقيقية، وهي التي يعترف بها "نيتشه"، ولكن الإنسان لا يصل إليها ما لم يحطم الأصنام التي تقيده، وهي أصنام الفلسفة والأخلاق والدين (4).
(1) انظر: الموسوعة الفلسفية العربية ص 43، وانظر: القيم بين الإِسلام والغرب. . . . ص 133 - 139، وانظر: نظرية القيم، قنصوه ص 130 - 149، وانظر بتوسع: المذاهب الأخلاقية .. ، د. العوا 2/ 5 - 78، و 603 وما بعدها.
(2)
انظر: قضايا في الفكر المعاصر ص 47.
(3)
الموسوعة الفلسفية العربية ص 43.
(4)
انظر: نظرية القيم. . . .، قنصوه ص 155.
وقد ارتبط موقفه الأخلاقي بمذهبه الإلحادي الصارخ، الذي صدم به الوعي الغربي، وهو وعي يعاني من فقد الدين، ولكنه لم يعلن هذا الإعلان الذي أعلنه نيتشه عندما قال بأن الإله قد مات، متبجحًا بأننا "حين ننكر وجود الله، وننكر مسؤوليته، إنما ننقذ العالم ونطلق القوة الإبداعية الهائلة الكامنة في أعماق إرادة الإنسان التي عاقتها المذلة والهوان أمام قدرة إلهية مدعاة"(1).
يعترف الاتجاه "الوجودي" بالأزمة التي تتحقق من أفكار نيتشه ولاسيّما في جانبها الإلحادي، مع مشاركة أغلب الوجوديين رأيه الإلحادي، فهم يشعرون بالفراغ الذي يحدثه الإلحاد على عكس دعوى نيتشه أنه يطلق قوى الإنسان؛ ولهذا يبرز في فكرهم الموت والقرف والغثيان والقذارة والتشاؤم والقلق والحيرة وغيرها، وينطلق موقفهم القيمي من هذا التيه، فالإنسان موجود في هذا العالم وجودًا ذاتيًا حرًا لا علاقة له بشيء، وعليه أن يعيش حريته، يلحق بهذا الوقت الممنوح له، ولهذا يصعب تقبلهم للقيم والأخلاق؛ لأن معنى ذلك تقليص حريته، وهذا ما ذهب إليه عبد الرحمن بدوي (2)، وهذا الإعلان النيتشوي والوجودي عن الإلحاد ربما كان مضمرًا في الفكر الغربي من أيام فكر التنوير العلماني القائم على إبعاد الدين عن الحياة، فجاءت النتيجة المنطقية لهذا الإبعاد في مواقف "نيتشه"؛ فحقيقة الدين هي الإيمان بالله، فإذا كانت الحياة قائمة على العلمنة؛ فما عاد هناك مكان للدين، ومن ثم لم يعد هناك مكان للإيمان بالإله، فليس له وجود في حياتهم، فكان إعلان "نيتشه" وبقية الملحدين في الغرب نتيجة واضحة لواقع الفكر والحياة العلمانية، ويُنقل عن "سارتر" ترديده لمقولة نيتشه:"لقد مات الله. . . . حاول هيجل أن يستبدل به مذهبًا، غير أن المذهب قد انهار، كما حاول كونت أن يستعيض عنه بدين الإنسانية، ولكن الوضعية قد تهاوت. . . . لقد مات الله، بيد أن الإنسان لم يصبح ملحدًا، فصمْتُ الوجود قد اقترن دومًا بالحاجة إلى الدين في نفس الإنسان الحديث". ويشارك سارتر بأن هذا الرأي يكشف عن غيبة كل عون يبرر للإنسان أفعاله، ويقدم له النصح والهداية،
(1) المرجع السابق ص 158، وانظر حوله أيضًا: المذاهب الأخلاقية .. ، د. العوا 2/ 294 وما بعدها، وقد حظي "نيتشه" باهتمام من قبل المتغربين بداية بالدارونيين مثل:"سلامة موسى" وغيره، ثم ظهرت المؤلفات حوله مع ترجمة كتبه.
(2)
انظر: المرجع السابق، قنصوه ص 151 - 153.
ويعترف بأن ما ورد على لسان أحد أبطال ديستوفسكي من عبارة قائلة بأن "الله إذا لم يكن موجودًا، فكل شيء مباح"، هي نقطة البداية بالنسبة للوجودية، ومن ثم يجد نفسه مهجورًا. . . . ليس في وسعه أن يلتمس شيئًا يعتمد عليه داخل نفسه أو خارجها، وإذا غاب الإله فعلى الإنسان أن يتولى أعماله، فيصنع وجوده ويخلق قيمه (1).
[5]
اتساع في التقدم العلمي يعمق من المشكلات الأخلاقية: تشترك أغلب المواقف في الهروب من الدين كمصدر للأخلاق والقيم، ووصلت ذروتها مع الملحدين في إنكار وجود الرب سبحانه، فأصبحت الأخلاق دون مرجع ودون مصدر ودون حافظ، تسبح في بحر متلاطم، تتقاذفها أهواء المدارس الفكرية المختلفة، كل يقودها إلى هواه، فنشأت بذلك مشكلة أخلاقية حقيقية تعصف بالمجتمعات المعاصرة، وقد ظنت طائفة أن الحل يكون في تحويل مبحث الأخلاق إلى ميدان العلوم، فتتقدم كما تقدمت العلوم الطبيعية، ومع ذلك استعصت على العلوم؛ لأنهم تجاهلوا الفرق بين المادة وبين الإنسان فأرادوا تطبيق ما يصلح على المادة على الإنسان، وغفلوا عن حقيقة ما يصلح للإنسان ويصلحه ألا وهو الدين الحق. وقد ازداد الاختناق في باب الأخلاق مع تقدم العلوم؛ حيث برزت مكتشفات جديدة تفتح الباب على الأخلاق بعد أن تناساها التقدم العلمي، التقدم الصناعي وما أعقبه من مشكلات في إنهاك الأرض وتلوث البيئة وتهديد حياة الإنسان واستغلال الضعفاء، التقدم في علوم الوراثة والجينات وأبوابها وما فتحته من مشكلات. ويغلب على مسار العلوم عواقب إشكالية في مجال الأخلاق، إذ يأتي السؤال عادة بعد كثير من الاكتشافات الجديدة في مجال العلم: هل يصح هذا أم لا؟ هل تطبيقه أخلاقي أم لا؟ هل يجوز أم لا؟ ومعلوم أن هذه الأسئلة لا تجد جوابها الحقيقي إلا في الدين، ولكن الدين هو ما تفر منه الحضارة العلمانية، وعلى سبيل المثال يبحث باحث غربي معاصر في أخلاقيات العلم، وعند رجوعه لأصولها في الفكر الغربي يجدها إما ترجع للدين "الأمر الإلهي" التي ترسي خلقها العام على أساس أوامر الله، ورغم فوائدها عند المؤلف إلا أنه يقول: "ولكن لن أعتمد تمامًا عليها في تحليلي لأخلاقيات العلم، ما دمت أحاول تطوير التفسير
(1) نظرية القيم. . . .، قنصوه ص 158 - 159.
الدنيوي للأخلاقيات"، فيتركها ويذهب للنظريات الباقية التي ترسي أساسًا دنيويًا للأخلاقيات (1). ومع ذلك فقد تلجئهم مشكلات التقدم العلمي ومشكلات الإنسان المعاصرة للعودة إلى الأخلاق ومن ثم العودة للدين.
[6]
للأسف يغيب في كثير من الكتابات العربية الحسّ النقدي الإِسلامي للفكر الأخلاقي الغربي، ويغلب على الكتابات الفكرية الانهماك في تبني مدرسة من تلك المدارس أو التجميع والتركيب منها، بما فيها -أحيانًا- كتابات إسلامية اكتفت بإفراغ القالب وملئه بمحتوى إسلامي دون الشعور بخطورة القالب، حيث تجد النسق المشهور: المسؤولية، والإلزام، والواجب، والضمير، والحرية، والحس الأخلاقي المشترك، وأصل الأخلاق، وغيرها. وهذه المشكلة تُتعب الباحث الإِسلامي الذي يريد مادة علمية مفيدة يستعين بها في مناقشة مثل هذه الانحرافات، ومع ذلك لن نعدم دراسات جادة بحجم ما كتبه المفكر طه عبد الرحمن في هذا المجال، ولاسيّما في كتابه:"سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" ومنه استفدت عناصر مهمة في هذا المجال.
تقوم العقلانية العلمية الحداثية على مصالح ومفاسد، وقد يتشبث المتغرب بها كاملة، يدافع عن أخذها بحلوها ومرها، دون الانتباه لمخاطر مفاسدها على الهوية عمومًا وعلى الأخلاق خصوصًا، وقد تتبع الدكتور طه عبد الرحمن تلك الآفات والمفاسد التي ارتبطت بهذه الحضارة العقلية العلمية وأثرها على الأخلاق، وتلقي بظلالها على المتغربين في الوقت نفسه، ومن ذلك ثلاث آفات خطيرة: آفة التضييق، وآفة التجميد، وآفة التنقيص (2).
فآفة التضييق تسببت في إخراج الأخلاق من العلم، لضيق مفهوم العلم عندهم؛ لاكتفائه بالجانب المحسوس فقط، وما استبقي منها في العلم أشياء قليلة تقبل مقاييس العلم، فهم لا يقبلون الخبر الديني كدليل ومصدر للمعرفة (3).
وآفة التجميد قصرت الأخلاق على الفرد دون المجتمع، فهي تناسب الفرد دون أن تناسب المجتمع، ولذا تُترك كخيار فردي ولا يلزم بها المجتمع.
(1) انظر: أخلاقيات العلم، ديفيد ص 39 - 43، ترجمة د. عبد النور عبد المنعم.
(2)
انظر: سؤال الأخلاق. . . . ص 78 - 80.
(3)
انظر: المرجع السابق ص 119 إضافة للصفحات السابقة.
وآفة التنقيص بادعاء أنها تخدم الضعف والخنوع والسلبية، لهذا نبذها الناس؛ لأنه لا أحد يحب أن يكون بهذه الحال.
ولكن البديل العلمي للأخلاق الذي تقترحه التيارات العلموية يحوي مشكلات من منظور الفكر الإِسلامي، فقد وجد المفكر السابق أن مقصد العلمية الذي يرفعونه هو رفض الأخلاق الدينية، وذلك أن الأخلاق الدينية تستند إلى "خَلْق هو الفطرة" وإلى "خُلُق هو الخلق الديني"، بينما العلمانية تريد تغيير الخَلْق وتغيير الخُلُق:
أولًا: فهي تسعى إلى إسقاط الأصول الأخلاقية الدينية التي هي "جملة المعايير والقيم الرئيسة التي تتولد منها باقي المعايير والقيم السلوكية. ." لكي تُقيم مكانها أصولًا اصطناعية لأخلاقها الجديدة؛ أي: أن تقوم مقام ما يسميه الدين بـ"معاني الفطرة الإنسانية"، فهي تطلب في نهاية المطاف تغيير هذه الفطرة التي خُلق عليها الإنسان.
ثانيًا: كما أنها تسعى لمحو "السلوك الأخلاقي الذي وَرِثه الإنسان عن الدين وأن تستبدل مكانه سلوكًا جديدًا يتصف بالوصفين التاليين:
أحدهما: أنه علمي، إذ يتفرع من المعرفة بالأسباب المادية التي تحدد الطبيعة الإنسانية، بيولوجية كانت أو اجتماعية أو نفسانية.
والثاني: أنه علماني، إذ يقطع الصلة بكل القيم التي تولّدها مقتضيات التقدم العلمي - التقني" (1).
كانت النتيجة رفض الأخلاق الدينية، ولكن البديل المقترح لم ينفع، فظهرت آثارٌ سلبية انعكست على العلم والتقنية مفخرة الحضارة الحديثة، "الأمر الذي دعا بعض الفلاسفة الأخلاقيين إلى التفكير في وسائل تصحيح المسار الذي يفضي بالإنسانية إلى المفاسد، بل يلقي بها إلى المهالك، إن عاجلًا أو آجلًا، وكان من ثمرة هذا ظهور بعض النظريات الأخلاقية الجديدة"(2).
وقد تتبع المفكر طه عبد الرحمن آفات هذه الأخلاقيات الجديدة ولخصها في اثنتين:
(1) سؤال الأخلاق ص 122 بشيء من الاختصار.
(2)
المرجع السابق ص 123.