الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأننا أمام طوفان من النظريات، وكلها تدّعي العلمية كونها خرجت من ميدان العلم، ولذا يكون دور المتغرب النافر من الدين هو التنقل بين هذه النظريات، فيغرف من هنا وهناك ما يعارض به الدين، ثم هو بعد ذلك يصرخ بأنه ما جاء إلا بالعلم.
مع نجاحات العلم الحديث وما يتميز به من مزايا أهلته في الفكر الغربي للتغلب على بقية الفنون الأخرى، وظهر معه أسلوب جديد في التفكير يقوم على الوقائع المحسوسة والمشهودة، "وهذه العقلية التي تفسر الظواهر غير الطبيعية بالمصطلحات الطبيعية، أخضعت الدين أيضًا للدراسة" وفق المنظور السابق؛ أي: التركيز على المحسوس، ومن ثم أخرجوا الدين من موضوعات "علوم الدين" وجعلوه من موضوعات "علم الإنسان"، فأصبح المجتمع الإنساني مصدر الدين بعد أن كان مصدره السماء (1).
تقول العلوم الاجتماعية "علوم الإنسان": إن الدين مصدره الإنسان والمجتمع، وهو بذلك طاهرة إنسانية واجتماعية، وبهذا فهو غير دائم، ومرتبط بزمنه وبظروفه، ومن ثم يمكن تغيره بل زواله، بخلاف من رآه مرتبطًا بالسماء، وأن مصدره رب العالمين، لوجد الدين وشريعته حقيقة أبدية، مثل سنن الطبيعة والحياة (2).
أصول منهجية تغريبية للنطر في الشريعة تدعي العلمية:
تأتي مجموعة أصول عند المتغرب في باب الشريعة، يجدها كل من استقرأ كتاباتهم، بعضها صريح وبعضها الآخر مضمر، وقد يتداخل عدد منها لدى البعض، وقد تؤثر صورة واحدة في بعضهم، وهنا ذكر أبرز تلك الأصول المؤثرة في نظرهم للشريعة وتدعي نسبتها للعلم.
أصل الأصول: تعميم الظواهر الاجتماعية على الدين الحق:
تقوم العلوم الاجتماعية العلمانية على انحراف منهجي خطير، حيث تجعل القضايا الشرعية من باب الظواهر الاجتماعية، والظاهرة منبعها من الأرض، من
(1) انظر: بحث "وحيد الدين خان" ضمن كتاب وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية والشبهات التي تثار حول تطبيقها ص 300.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 300 - 301.
الإنسان أو المجتمع أو المؤثرات المادية كقانون التطور المادي أو قانون الجدل المادي الاقتصادي، فيكون مصدر الظواهر أرضيًّا ويُستبعد المصدر السماوي (1).
وفرق بين نسبة الأمور العملية للشرع وبين نسبتها لميدان الظواهر الاجتماعية الدنيوية، فشتان بين أن يكون ربانيًا وبين أن يكون أرضيًا، فالرباني يحقق إنسانية الإنسان أما الأرضي فرغم دعوى الإنسانية فيه، إلا أنه يدسّها ويُفسدها ويطمر حقيقتها المفطورة عليها، قال -تعالى-:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} [الشمس: 7 - 10]. والشرع قائم على تزكية النفوس والمجتمعات والبشرية كلها بتحقيق مقاصده العليا فيها، ويقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد، على مستوى الإنسان وعلى مستوى الجماعة، ومعرفة المصالح والمفاسد ترتبط بالعلم والحكمة والعدل والقسط والرحمة وما في بابها، وهذه لا يمكن أن يكون مصدرها البشر، ولذا يذكر عادة في آيات الشريعة علم الله وحكمته وإرادة اليسر وقيامه على الحق والعدل والميزان والرحمة.
فالشريعة ربانية، وهي تُوصف بما وصُف به كتابها أيضًا، فما اختص به من خصائص يشمل كل موضوعاته، وجاءت من العليم، الحكيم، الحق، العدل، الذي وضع الميزان وأمر بالقسط، وحرم على نفسه الظلم، الرحيم، الذي يريد لنا اليسر بشرعه ولا يريد بنا العسر، وأفضل شيء حول معرفة خصائص شرعه وشريعته أن نأخذها من مصدرها، وأن نعرفها كما عرّفنا بها ذلك المصدر الرباني، وهنا بعض الآيات البينات التي تكشف لنا شيئًا من خصائص الشريعة الربانية:
فأهم شيء حولها أنها من عند الله، والأمر كله لله، قال -تعالى-:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 50].
قال ابن كثير: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم. . . . {وَمَنْ أَحْسَنُ}. . . . أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل
(1) سيأتي له حديث آخر في المبحث الثالث من الفصل الثاني من الباب الثالث.
عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء" (1).
وقال السعدي: "فلا ثمّ إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى"(2).
وقال -تعالى-: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].
{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} ؛ أي: "له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء"(3)، وكما أن مخلوقات الله تسير وفق سنن ثابتة، وينعم الناس بهذا الثبات، ويشقون عند اختلاله كما إذا خرق الثبات بركان ضخم أو زلزال عظيم أو طوفان مهول، عندها يشعر البشر بنعمة هذا الثبات، فكذا أمره جاء كاملًا وثابتًا لتهنأ البشرية في ظلّه إن التزمته، ويقع فساد عظيم عند خرقه.
وقال -تعالى-: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154].
قال السعدي: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} "الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي"(4).
وقال -تعالى-: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} [الفرقان: 6].
قال ابن كثير: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ} أي: الله الذي يعلم غيب
(1) تفسير ابن كثير ص 418.
(2)
تفسير السعدي ص 235.
(3)
المرجع السابق ص 291.
(4)
المرجع السابق ص 153.
السماوات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر" (1).
وقد وصف سبحانه كتابه أنه تنزيل العزيز العليم الحكيم، فتكون شريعته متضمنة لدلالات هذه الأسماء الجليلة، قال -تعالى-:{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)} [الزمر: 1]، وقال -تعالى-:{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2)} [غافر:1 - 2]، وقال -تعالى-:{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)} [الجاثية: 1 - 2] وقال -تعالى-: {حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)} [الأحقاف:1 - 2].
وقال -تعالى-: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)} [النساء: 166].
قال السعدي: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملًا على علمه؛ أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده. ويحتمل أن يكون المراد: أنزله صادرًا عن علمه، ويكون في ذلك إشارة وتنبيه على وجه شهادته، وأن المعنى: إذا كان تعالى أنزل هذا القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي، وهو يعلم ذلك ويعلم حالة الذي أنزله عليه، وأنه دعا الناس إليه، فمن أجابه وصدقه كان وليه، ومن كذبه وعاداه كان عدوه واستباح ماله ودمه، والله تعالى يمكنه ويوالي نصره ويجيب دعواته، ويخذل أعداءه وينصر أولياءه، فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟ " (2).
وقال -تعالى-: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)} [الشورى: 17].
قال السعدي: "فقال: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} . فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل. وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية،
(1) تفسير ابن كثير ص 947.
(2)
تفسير السعدي ص 215.
والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، فما خرج عن هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل: إنه حجة أو برهان أو دليل أو نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، وعرف التمييز بين راجح الأدلة من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد؛ فإنه ليس من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان" (1).
قال -تعالى-: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105)} [الإسراء: 105].
قال ابن كثير: "يقول -تعالى- مخبرًا عن كتابه العزيز، وهو القرآن المجيد، أنه بالحق نزل؛ أي: متضمنًا للحق، كما قال -تعالى-: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]؛ أي: متضمنًا علم الله الذي أراد أن يُطْلِعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله: {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}؛ أي: ووصل إليك -يا محمَّد- محفوظًا محروسًا، لم يُشَب بغيره، ولا زِيدَ فيه ولا نُقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القُوى، القَوِيّ الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى"(2).
وقال السعدي: "أي: وبالحق أنزلنا هذا القرآن الكريم، لأمر العباد ونهيهم، وثوابهم وعقابهم، {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}؛ أي: بالصدق والعدل والحفظ من كل شيطان رجيم"(3).
وقال -تعالى-: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)} [الجاثية: 18].
قال السعدي: "أي: ثم شرعنا لك شريعة كاملة تدعو إلى كل خير وتنهى
(1) المرجع السابق ص 756.
(2)
تفسير ابن كثير ص 794.
(3)
تفسير السعدي ص 468.
عن كل شر من أمرنا الشرعي {فَاتَّبِعْهَا} فإن في اتباعها السعادة الأبدية والصلاح والفلاح، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}؛ أي: الذين تكون أهويتهم غير تابعة للعلم ولا ماشية خلفه، وهم كل من خالف شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم هواه وإرادته، فإنه من أهواء الذين لا يعلمون" (1).
وقال القرطبي: "فمعنى {جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ}؛ أي: على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق"(2).
وقال -تعالى-: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} [هود: 1].
قال الطبري: "وأما قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: تأويله: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالثَّواب والعقاب.
. . . . قول آخر: عن الحسن قال: {أُحْكِمَتْ} ، بالثواب والعقاب {ثُمَّ فُصِّلَتْ} ، بالأمر والنهي. وقال آخرون: معنى ذلك: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} من الباطل، ثم فصلت، فبين منها الحلال والحرام. . . . قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: أحكم الله آياته من الدَّخَل والخَلَل والباطل، ثم فصَّلها بالأمر والنهي. وذلك أن "إحكام الشيء" إصلاحه وإتقانه وإحكام آيات القرآن: إحكامها من خلل يكون فيها، أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قِبَله. وأما "تفصيل آياته" فإنه تمييز بعضها من بعض، بالبيان عما فيها من حلال وحرام، وأمرٍ ونهي" (3).
وقال ابن كثير: "وأما قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}؛ أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كاملٌ صورةً ومعنى. هذا معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير. وقوله: {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}؛ أي: من عند الله الحكيم في أقواله، وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور"(4).
(1) المرجع السابق ص 777.
(2)
تفسير القرطبي 16/ 163.
(3)
تفسير الطبري 12/ 308 - 310، تحقيق د. عبد الله التركي.
(4)
تفسير ابن كثير ص 652.
وقال -تعالى-: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26].
قال ابن كثير: "أي: أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر"(1).
وقال السعدي: "وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، فإنه الحاكم في خلقه، قضاءً وقدرًا، وخلقًا وتدبيرًا، والحاكم فيهم، بأمره ونهيه، وثوابه وعقابه"(2).
ونجد اليسر والرفق وعدم إرادة الحرج في هذه الشريعة في آيات منها قوله تعالى في سياق الحديث عن المهاجرات بدينهن وما يرتبط بحالهن من أحكام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)} [الممتحنة: 10].
قال ابن كثير: "وقوله: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بما يصلح عباده حكيم في ذلك"(3).
وقوله تعالى حول الطهارة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)} [المائدة: 6]، حيث ختمها بعدم إرادة الحرج بهذا التشريع، وإنما يريد الطهارة وإتمام النعمة علينا.
وفي الصوم قال -تعالى-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ
(1) المرجع السابق: ص 802.
(2)
تفسير السعدي ص 475.
(3)
تفسير ابن كثير ص 1325.
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)} [البقرة: 185]، حيث ختمها بأنه يريد لنا اليسر ولا يريد العسر.
وفي الصلاة والخير والجهاد قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)} [الحج: 77 - 78]، حيث ذكر ربنا تعالى بعدم جعل الحرج في هذا الدين.
نكتفي بهذا النموذج الذي يكشف لنا خصائص هذه الشريعة ومصدرها، ومن أهم ما تنبهنا له الآيات: الربانية، وهي أعظم الخصائص، فهي من العليم الحكيم الرحيم سبحانه، ولهذا يكون شرع الله مناسبًا لكل حال ولكل زمان ولكل أحد؛ لأنه جاء من العليم الحكيم، ويكون فيه من الثبات والشمول والكمال ما يجعل الحياة مستقرة باستنادها على ركن ثابت، ويجعلها متوافقة باستنادها إلى هذا الشمول، ويجعلها غنية عن الزيادة والتلفيق والتصحيح لكمالها، وهذا الثبات والشمول والكمال لا يكون إلا من شريعة ذات مصدر رباني. كما أن الشريعة مع هذه الإحاطة والشمول يكون فيها اليسر والرفق والرحمة ويكون فيها العدل والوسط والتوازن، ولهذا جاء التنبيه عقب مواطن من الأحكام بـ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، فما كان بالحال السابقة فهو أحق بالشكر. وفي ربانية الشريعة بركة للشريعة يجدها الناس في حياتهم، كما أنها تكون أكثر قبولًا من الناس وتجدهم أكثر رضًا بها، وتكون بعيدة عن الهوى، فما كان من البشر لابد أن يخضع لهوى فرد أو طائفة، وقد تنجح هذه الطائفة في فرض حكمها بالقوة أو بالترغيب أو بالخداع، وكلما جاءت أمة غيرت بما يناسب هوى الأقوى، بخلاف شرع الله، فقد نزل بالحق والميزان، وجاء كل حكم فيها بتعليل تقره العقول السليمة، قال ابن القيم: "وقد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة، وباللام تارة، وبأن تارة، وبمجموعهما تارة، وبكي تارة، ومن أجل تارة، وترتيب الجزاء على الشرط تارة، وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة، وترتيب الحكم على الوصف المقتضي
له تارة، وبلما تارة، وبأن المشددة تارة، وبلعل تارة، وبالمفعول له تارة" (1). ومن تأمل في كل تعليل وجد فيه كمال هذه الشريعة واستجابتها لحاجة الإنسان وقدرتها على مسايرة حياته في كل زمان ومكان.
ولاستحالة قدرة الإنسان على التشريع المناسب لحياته، جاء التصور الإِسلامي واضحًا في هذا الباب، ويجب أن يعترف الإنسان بأنه لا يستطيع أن يكتشف قانون الحياة بنفسه، {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)} [النحل: 116] (2).
وإذا كان مستند المتغربين هو العلم الحديث، فقد أثبتت الاكتشافات العلمية ذاتها "أن الإنسان لا يستطيع اكتشاف قوانين حياته بنفسه. لقد اتضح الآن أن الوسائل المتاحة للإنسان لا تعطينا أي تفاصيل جزئية عن الحقائق. والجانب الأهم في هذا كله هو أن الأشياء التي لا نطلع عليها هي أهم بكثير من التي نطلع عليها"(3)، وقد ظهرت صعوبات بالغة للعلم المادي أمام عنصر واحد من عناصر الطبيعة وهو الراديوم، "وهذا الشيء الذي عرفناه عن العالم المادي ذو أهمية بالغة لقضية القانون البشري؛ لأن الإنسان أكثر تعقيدًا من قطعة الراديوم التي لم يتمكنوا من معرفة قانونها"، وهو عنصر واحد محدود "فكيف يمكن الادعاء بإمكان التوصل إلى قانون الحياة البشرية عن طريق جهود بشرية؟ لقد كشف العلم أن الوجود الإنساني أعقد بكثير مما كان الناس يظنونه في الأزمنة الغابرة، فالحقيقة أن للإنسان علاقة بالكون كله، فهو موضع دراسة علوم كثيرة ابتداء من علم الخلية والنفس والاقتصاد إلى علم الفلك، وبكلمة أخرى: لابد من معرفة الكون كله لأجل معرفة الإنسان. ولكن بحوثنا العلمية تخبرنا بأن البشر يعانون من بعض العجز والحدود التي لابد منها والتي تحول بكل قطعية دون
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية 1/ 197، وقد ذكر بعدها الآيات على كل نوع، ثم أعقبها بفصل عن ذلك في السنة النبوية.
(2)
انظر كلام: "وحيد الدين خان" ضمن كتاب وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية والشبهات التي تثار حول تطبيقها ص 302.
(3)
انظر: المرجع السابق ص 304.
رؤيتنا الكاملة والواسعة للحقائق" (1).
وكما سبق فإن ربانية الشريعة كما تعني الإحاطة والشمول والكمال تعني أيضًا اليسر والرفق والرحمة ويكون فيها العدل والوسط والتوازن، ولذا فيها الثابت وفيها المتغير، وهذا من مرونة الشريعة واستجابتها للمتغير في حياة البشر، وبهذا تحقق الشريعة مصالح العباد بما تحويه من مقاصد لا يستطيع البشر لوحدهم إدراكها ولا يمكنهم ذلك.
قال ابن القيم: "فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد. بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد. هذا فصل عظيم النفع جدًا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها،. . . . وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها"(2).
وقد جاءت تكاليف الشريعة بحفظ مقاصدها في الخلق "وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية"(3)، "ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل" (4)، ويعيب أي تشريع بشري انتباهه لجانب من المصالح والمفاسد وغفلته أو تغافله عن جانب؛ ولذا نجد عادة في كل قضية
(1) انظر: المرجع السابق، وحيد خان ص 305.
(2)
إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/ 3.
(3)
الموافقات، الشاطبي 2/ 7.
(4)
المرجع السابق 2/ 8.
آراء متعارضة، بخلاف ما جاء البشر من العليم الحكيم سبحانه؛ فإنه لا يدخله النقص ولا التناقض، ويحقق المصالح دون إفراط أو تفريط. أما الأخذ بجانب دون جانب فمآله إلى الانحراف، فالتوازن كما هو في خلق الله وسننه الكونية هو كذلك في أمره وشرعه، وأي إخلال بهذه المعادلة الكونية والشرعية يقع الفساد في الأرض، قال -تعالى-:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)} [الروم: 41].
قال أبو حامد الغزالي: "أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. . . . وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح"(1).
قال القرضاوي: "من الحقائق المسلمة أن الشريعة الإِسلامية قد وسعت العالم الإِسلامي كله، على تنائي أطرافه، وتعدد أجناسه، وتنوع بيئاته الحضارية، وتجدد مشكلاته الزمنية. . . . وأنها -بمصادرها ونصوصها وقواعدها- لم تقف يومًا من الأيام مكتوفة اليدين، أو مغلولة الرجلين، أمام وقائع الحياة المتغيرة، منذ عهد الصحابة فمن بعدهم .. وأنها ظلت القانون المقدس المعمول به في بلاد الإِسلام حوالي ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، إلى أن جاء عهد الاستعمار الغربي الذي استبدل بها تشريعاته الوضعية، فأحل بها ما حرم الله، وأبطل بها ما فرض الله.
وإنما استطاعت الشريعة الإِسلامية أن تفي بحاجات كل المجتمعات التي حكمتها، وأن تعالج كافة المشكلات في كافة البيئات التي حلت بها، بأعدل الحلول وأصلحها؛ لأنها -بجوار ما اشتملت عليه من متانة الأصول التي قامت على مخاطبة العقل، والسمو بالفطرة، ومراعاة الواقع، والموازنة بين الحقوق
(1) المستصفى، الغزالي 2/ 481 - 482.