المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرابع: في باب حجاب المرأة المسلمة: - النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية - جـ ٢

[حسن الأسمري]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثاني التأثر المنهجي في الفكر التغريبي بالانحراف المصاحب للعلم الحديث

- ‌الفصل الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال

- ‌المبحث الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي

- ‌مصدر العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية:

- ‌المصدر في العلوم الاجتماعية:

- ‌أسباب الانحراف في المصدر:

- ‌1 - التبعية للفكر الغربي:

- ‌2 - ظروف الصراع وأحواله:

- ‌مكانة الوحي في التصور الإِسلامي وصور إقصائه كمصدر للعلم عند المتغربين:

- ‌1 - مذهب غلاة المتغربين ودعوتهم لإقصاء الوحي:

- ‌2 - مذهب التوفيقيين من المتغربين ودعوتهم لإقصائه كمصدر للمعرفة:

- ‌مناقشة الملفقين:

- ‌3 - القول بجعل النظريات العلمية في مقام النص الشرعي وتقديمها عليه:

- ‌المبحث الثاني التأثر المنهجي في منهج الاستدلال

- ‌مشكلة الموضوعية:

- ‌استبعاد جانب القيم بحجة الموضوعية:

- ‌الموضوعية وعلاقتها بالحقيقة:

- ‌نموذج موسع للتلاعب المنهجي:

- ‌أ- حسن حنفي:

- ‌ب - محمَّد أركون:

- ‌الفصل الثاني التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية

- ‌المبحث الأول التأثر المنهجي في طريقة النظر للغيبيات

- ‌معنى الغيب في التصور الإِسلامي:

- ‌[مسألة] وللغيب أقسام:

- ‌ارتباط الانحراف في الغيب بالانحراف في الربوبية:

- ‌من أصول الانحراف في الغيب:

- ‌المثال الأول: لويس عوض:

- ‌المثال الثاني: هشام شرابي:

- ‌المثال الثالث: حسن حنفي:

- ‌المثال الرابع: محمَّد أركون:

- ‌المبحث الثاني أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها الاعتقادية

- ‌القسم الأول: موضوعات عمَدية يُدّعى عدم إمكانية إثباتها علميًا:

- ‌القسم الثاني: دعوى وجود رأي علمي آخر حول بعض الغيبيات دون شرط المعارضة:

- ‌القسم الثالث: دعوى مخالفة العلم لأبواب من الغيبيات

- ‌الفصل الثالث التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية

- ‌المبحث الأول التأثر المنهجي في طريقة النظر للشريعة

- ‌المراد بالشريعة:

- ‌الغيب مع الطبيعيات والشريعة مع الاجتماعيات:

- ‌أصول منهجية تغريبية للنطر في الشريعة تدعي العلمية:

- ‌أصل الأصول: تعميم الظواهر الاجتماعية على الدين الحق:

- ‌الأصل الثاني: التطور:

- ‌الأصل الثالث: علمية وعلمنة العلوم الاجتماعية ودعوى قدرتها أن تسدّ مسدّ الدين:

- ‌الأصل الرابع: النسبية:

- ‌المبحث الثاني أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها

- ‌الأول: في باب الأخلاق الإِسلامية:

- ‌أولًا: تعريف الخلق:

- ‌ثانيًا: المشكلة الخلقية في العالم المعاصر ولاسيّما في الغرب:

- ‌تاريخ الفكر الأخلاقي في الغرب:

- ‌الإطار العلماني للأخلاق الجديدة:

- ‌النظريات الأخلاقية الجديدة:

- ‌ثالثًا: تحليل ونقد للنظريات الجديدة:

- ‌رابعًا: نماذج من الأخلاقيات المتغربة تحت غطاء العلمية:

- ‌النموذج الأول:

- ‌النموذج الثاني: من علم النفس:

- ‌النموذج الثالث: الموقف الوضعي:

- ‌النموذج الرابع: أخلاقيات العلم الجديدة:

- ‌النموذج الخامس: الرؤية المادية والماركسية:

- ‌الثاني: في باب العمل بالأدوية الشرعية للأمراض الجسدية أو النفسية:

- ‌الأمر بالتداوي في الإِسلام:

- ‌الإطار العلماني وأثره في مجال التداوي الجسدي والنفسي:

- ‌أثر الأسس الفلسفية للممارسة الطبية الحديثة:

- ‌في الجانب النفسي:

- ‌بعض مشكلات الطرح التغريبي حول المجال الطبي والتداوي:

- ‌أين هي المشكلات في هذا الباب

- ‌نموذج عن الإشكال التغريبي في هذا الباب:

- ‌الثالث: في باب حكم التعامل بالربا:

- ‌القسم الأول: مدخل:

- ‌القسم الثاني: الإطار الاجتماعي العام للتحول الاقتصادي الغربي:

- ‌القسم الثالث: الأصول النظرية العلمية للاقتصاد الحديث:

- ‌الرابع: في باب حجاب المرأة المسلمة:

- ‌الباب الثالث صور لدعاوى باطلة ونظريات منحرفة ظهرت في الفكر التغريبي حول الدين والعلم وخطورتها

- ‌الفصل الأول صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث

- ‌المبحث الأول دعوى أهمية علمنة العلم ورفض التأصيل الإِسلامي مظاهرها وخطرها

- ‌تعريف العلمانية:

- ‌وقفتان حول المصطلح: "تاريخية المصطلح، وعلاقته بالعلم

- ‌المبحث الثاني دعوى التعارض بين الدين والعلم الحديث

- ‌الفرق بين دعوى التعارض التراثية والدعاوى الحديثة:

- ‌صور الدعاوى التغريبية:

- ‌أصول عامة حول دعوى التعارض بين الدين والعلم:

- ‌مناقشة الدعوى:

- ‌أولًا: أهمية رفع التعميم والإجمال:

- ‌ثانيًا: ما المقدم عند التعارض

- ‌ثالثًا: "موضوعات الغيب وموضوعات الشهادة - الأكثر إشكالًا

- ‌رابعًا: ملابسات الدعوى التاريخية والأيدلوجية:

- ‌خامسًا: التفسير العلمي للنصوص الدينية:

- ‌المبحث الثالث دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين

- ‌الشمولية في الإِسلام وحاجة الناس إليه فوق كل حاجة:

- ‌مناقشة دعوى كفاية العلم وشموليته:

- ‌نماذج من الانحراف التغريبي حول هذا الباب:

- ‌النموذج الأول:

- ‌النموذج الثاني:

- ‌النموذج الثالث:

- ‌النموذج الرابع:

- ‌النموذج الخامس:

- ‌النموذج السادس:

- ‌الفصل الثاني صور من تأثر الفكر التغريبي بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول التأثر بنظرية داروين التطورية من علم الأحياء حول الدين

- ‌ظهور الدارونية العربية:

- ‌من البحث في أصل الحياة إلى المادية الإلحادية:

- ‌المبحث الثاني التأثر بنظريات من علم النفس حول الدين

- ‌صراع النظريات النفسية ودلالاتها في الميدان الفكري:

- ‌دخول علم النفس للثقافة العربية والمواقف تجاهه:

- ‌نظرية فرويد النفسية ولاسيّما ما له علاقة منها بالدين:

- ‌المبحث الثالث التأثر بنظريات من علم الاجتماع حول الدين

- ‌علم الاجتماع بين العلمية والأيدلوجيا:

- ‌كيف ينظر علم الاجتماع للدين

- ‌المتغربون وعلاقتهم بالمدارس الاجتماعية العلمانية:

- ‌علم الاجتماع الديني:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ملحق مفهرس للألفاظ الغريبة والمصطلحات والطوائف والفرق والمذاهب والتراجم مع التعريف بها

- ‌أولًا: قائمة الألفاظ الغريبة والمصطلحات الواردة في ثنايا البحث

- ‌ثانيًا: قائمة بالطوائف والفرق والمذاهب الواردة في البحث

- ‌ثالثًا: قائمة المراجع والمصادر

- ‌نبذة تعريفية الإدارة العامة للأوقاف

الفصل: ‌الرابع: في باب حجاب المرأة المسلمة:

قد خلا من تقرير كل قاعدة فيها صلاح البشر. إما تفصيلًا أو إجمالًا" (1).

وبعد، فقد عُرض موضوع اقتصادي مهم وخطير وهو موضوع الفائدة والربا، وصورة عن تطوره في الفكر الاقتصادي الحديث المتشبع بالعلمانية، وقد ظهر في هذا العلم نظريات مختلفة ترتبط بالبيئة الثقافية الغربية العلمانية، وقد ظهر موقفان يرتبطان بالعلم، موقف متحمس للفائدة والربا وموقف رافض له، ويطرح الرافض للربا بديلًا أكثر شططًا. وقد وجد من العرب من تحمس للأول ووجد من تحمس للثاني، وقد عُرض مثال عن الأول ومثال عن الثاني، وبيان ما فيهما من تبعية عمياء للنظريات الغربية، وهروب من الشرع الرباني. وسنترك هذا الباب ونذهب لباب آخر من الأبواب العملية التي وقع فيها الانحراف تحت مسمى العلمية، وهو حجاب المرأة المسلمة.

* * *

‌الرابع: في باب حجاب المرأة المسلمة:

قد لا يبالغ الباحث إذا قال: إنه قد كُتب شيء ضخم عن المرأة، لاسيّما حول حجابها، وأن ما كتب في هذا القرن لم يكتب مثله في كل أزمنة المسلمين، وربما يعود السبب في اتساع الموضوع إلى دخول مرجعية أخرى غير المرجعية الإسلامية، وهي المرجعية التغريبية، التي تسللت في وقت مبكر إلى المجتمع الإِسلامي لتمارس دورها الخطير، حيث كان هناك ضعف وتخلف يرجع للبعد عن الدين، وهذا الضعف والتخلف مدّ بظلاله على أغلب أوضاع المسلمين بما في ذلك وضع المرأة المسلمة، فلم يكن حالها بحسن كحال العالم الإِسلامي عمومًا، ويرجع سبب تردي وضع المرأة المسلمة إلى ما طرأ على المسلمين من البدع والانحرافات وما صحب ذلك من جهل وتخلف، مما يجعل الوضع متأزمًا وفي حاجة لإصلاح، وفي هذه الظروف دخل التغريب كخط جديد لمناقشة وضع المرأة من بين قضايا كثيرة أصبحت في ساحة النقاش بين المرجعية الإِسلامية والمرجعية التغريبية.

الغالب في التغيرات الاجتماعية إنما تأتي من وجود نموذج مغاير، يتم

(1) وضع الربا في البناء الاقتصادي، د. عيسى عبده ص 190.

ص: 1123

تقليده أو التأثر به، وربما لهذا السبب نجد التأكيد الإسلامي في النهي عن التشبه بنماذج اجتماعية ذات مكونات تخالف الشرع (1)، وبهذا تحافظ الأمة الإسلامية على تميزها وشخصيتها دون أن تذوب في مجتمعات أخرى، ومن هنا يأتي النهي عن التشبه بالمخالفين للمسلمين لما لهذا التشبه من أثر على المجتمع الإِسلامي. وقد وقع تفريط من بعض المسلمين في هذا الأمر في العصر الحديث، فأسرتهم نماذج يخالطونها أو سافروا إليها وبدؤوا في نشرها داخل المحيط الإسلامي، ثم توسع الأمر عندما أصبح الأمر يتعلق بنشر ما يعارض الشرع، وفي هذه الحالة بالذات، تم التوجه إلى ما هو أبعد من نشر الظواهر وذلك بالبحث عن تأصيل ثقافي لها، وهنا تم الانتقال إلى مجال الفكر للبحث عن مستندات تسوغ مثل هذه الدعوات الجديدة، فمنهم من اكتفى بالمرجعية الإسلامية ولكن بعد تأويلات متعسفة أو اجتهادات غير صحيحة من أجل تشريع الواقع الجديد، وهناك من ذهب للغرب فغرف من تياراته الفكرية فيما يخص المرأة، وقد وجدت المجموعة الثانية شيئًا كثيرًا مما قيل حول المرأة والأسرة والعلاقة بين الجنسين والمجتمع وغيرها، يتنازع ذلك تيارات كثيرة ذات رؤى مختلفة بل متناقضة وقع هؤلاء في أسرها وتورطوا في تناقضاتها، فنقل كل طرف من النقلة ما وقع عليه أو ما قيد إليه، وعاد به للبيئة الإسلامية، كل ينشر من وجهة النظر التي تأثر بها، لينتقل ذاك الخوض إلى العالم الإسلامي وبصورة أشدّ؛ ذلك لأن الغرب قد أنهى علاقته بالدين مع نجاح العلمنة وبقي الاختلاف دائرًا عندهم بين التيارات العلمانية، أما في العالم الإِسلامي فالخلاف أشدّ؛ لأنه اختلاف يدور من جهة بين التيارات العلمانية المقلدة للغرب فيما بينها، ومن جهة أخرى بين هذه التيارات المتعلمنة وبين الفكرالإسلامي.

بدأ النموذج المغاير حول شخصية المرأة المسلمة يظهر في العالم الإسلامي بعد الحضور المكثف للأوروبيين في البلاد الإسلامية، ولاسيّما بعد حملة "نابليون" وما أظهره من إفساد لحال المرأة، ثم دخول نظام الامتيازات والحماية، ثم الاستعمار الذي سمح بوجود مكثف للأوروبيين والمرأة المتعلمنة

(1) انظر: التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلامي، جميل اللويحق، ولاسيّما ص 165 وما بعدها، وانظر: حجاب المرأة المسلمة، الشيخ محمد الألباني ص 78 - 109.

ص: 1124

المصاحبة له، وقد افتتن البعض بهذا النموذج الجديد القائم على سفور المرأة ومخالطتها الرجال، فبدأ بعضهم في تقليد هذه النماذج ويتحايلون على التشريع الإسلامي من أجل ذلك، ولكن التأسيس الفكري لم يبرز بوضوح إلا لمن سافر للغرب ولاسيّما للدراسة وعايش النموذج الجديد في أوروبا، فانبهر بحال المرأة هناك، وأغراه جوانب من تميزها عن جوانب من المهالك التي وقعت فيها، وربما يكون حال المرأة التي يعرفها في بلاد المسلمين -من تخلف وجهل وضعف وأخلاقيات رديئة والظلم الذي يلحقها من الأعراف أو من كثير من الرجال الذين لا يلتزمون الشرع- قد أغراه بهذا النموذج الغربي، ولاسيّما إذا كان المبتعث ضعيفًا في العلم الشرعي وغير عارف بحقيقة التصور الإسلامي عن المرأة، فيظن أن واقع المرأة المسلمة الذي عايشه هو الممثل للتصور الإِسلامي فيهرب منه إلى التصور العلماني، بينما هو يترك نموذجًا منحرفًا ليدخل في نموذج علماني أشدّ انحرافًا وأكثر خطورة على شخصية المرأة المسلمة.

[الطريقان]: نجد طريقين خطيرين للتأثر، طريق وجود النموذج العلماني للمرأة في بلاد المسلمين، وطريق مشاهدته من قبل المبتعثين في بلاده الأوروبية، ويتحدث الجبرتي عن أول صور الطريق الأول في أثناء الحملة الفرنسية المشهورة، وبما أحدثوه من أثر على حجاب المرأة المسلمة، فقال في حوادث سنة (1252 هـ): "ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء؛ وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم، كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة، ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش، فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن، وكان ذلك التداخل أولًا مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في إخفائه، فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها، وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم، فزينوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال، فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية، وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر. ولما حل

ص: 1125

بأهل البلاد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في جور الفرنسيس ومن والاهم، وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهن (1) لهن وموافقة مرادهم وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته أو ضربته بتاسومتها، فطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار واستملن نظراءهن واختلسن عقولهن؛ لميل النفوس إلى الشهوات وخصوصًا عقول القاصرات، وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن رغبة في سلطانهم ونوالهم، فيظهر حالة العقد الإسلام وينطق بالشهادتين؛ لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها، وصار مع حكام الأخطاط منهم النساء المسلمات متزييات بزيهم ومشوا معهم في الأخطاط للنظر في أمور الرعية والأحكام العادية والأمر والنهي والمناداة، وتمشي المرأة بنفسها أو معها بعض أترابها وأضيافها على مثل شكلها وأمامها القواسة والخدم وبأيديهم العصي يفرجون لهن الناس مثل ما يمر الحاكم ويأمرن وينهين في الأحكام.

ومنها أنه لما أوفى النيل أذرعه ودخل الماء إلى الخليج وجرت فيه السفن وقع عند ذلك من تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيس ومصاحبتهم لهن في المراكب والرقص والغناء والشرب في النهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة وعليهن الملابس الفاخرة والحلي والجواهر المرصعة وصحبتهم آلات الطرب، وملاحو السفن يكثرون من الهزل والمجون، ويتجاوبون برفع الصوت في تحريك المجاديف بسخيف موضوعاتهم وكنائف مطبوعاتهم، وخصوصًا إذا دبت الحشيشة في رؤوسهم، وتحكمت في عقولهم فيصرخون ويطبلون ويرقصون ويزمرون ويتجاوبون بمحاكاة ألفاظ الفرنساوية في غنائهم، وتقليد كلامهم شيء كثير.

وأما الجواري السود فإنهن لما علمن رغبة القوم في مطلق الأنثى ذهبن إليهم أفواجًا، فرادى وأزواجًا، فنططن الحيطان وتسلقن إليهم من الطيقان ودلوهم على مخبآت أسيادهن وخبايا أموالهم ومتاعهم وغير ذلك" (2)، وهو نص -رغم طوله- يعبر أوضح تعبير عن هذا التحول الخطير في بيئة إسلامية، وطريقة انتشار النموذج العلماني الجديد في شأن المرأة، ودور المحتل في نشر نمط

(1) كأنّ "وخضوعهم" أنسب للسياق.

(2)

تاريخ عجائب الآثار. . . .، الجبرتي 2/ 304 - 305.

ص: 1126

جديد سيكون له شأنه الخطير فيما بعد، ولكنه بقي على مستوى طائفة من المجتمع مع الشعور عند الناس بأن هذا انحراف، وليس لذلك أي مشروعية (1)، ولكن سيأتي من يشرع لهذا الأمر فيما بعد من قبل المبتعثين ودعاة المذاهب الفكرية الجديدة.

أما الطريق الثاني فهو الأقوى والأعمق والأخطر، وهو القائم على مشاهدة النموذج العلماني في بلاده من قبل المبتعثين لدراسة العلوم، ثم عودتهم لتأصيل ما رأوه من ناحية فكرية، معتمدين على الجهود الفكرية الضخمة الموجودة في الغرب، ومن أبرز الأمثلة نجد الطهطاوي وقاسم أمين، وإن كان بينهما فارق كبير، فالأول ابن الأزهر، وكان ممن تعلم العلوم الشرعية وبرع فيها، ثم جاءت رحلته لأوروبا للإشراف الديني على طلاب البعثة، أما الثاني فقد درس في المدارس العصرية، ثم درس الحقوق وجاءت رحلته لأوروبا تكميلًا لهذا الباب. اشتهر الطهطاوي منتصف القرن الثالث عشر / التاسع عشر والثاني أول القرن العشرين، الأول وقت التحولات الكبيرة في العالم الإسلامي وشارك فيها بقوة، والثاني وقت الاستعمار وما فيه من تغريب خطير. يظهر إعجاب الطهطاوي بوضع المرأة في أوروبا مع ملاحظاته النقدية الأخلاقية على أوضاعها الجديدة، ومع ذلك جاءت دعوته للعناية بالمرأة من منظور محافظ وأكثر قربًا من المفاهيم الإسلامية وأغلب ما قاله هو من الأمور الصحيحة والمقبولة حول أهمية تربية الفتاة المسلمة وتعليمها وإصلاح حالها، ولكن هناك نموذج يبرز أمامه ورآه في الغرب وقد يصف بعض صوره بإعجاب بما في ذلك ما يخالف الشرع من أبواب الاختلاط المنهي عنه، ولكن للطهطاوي جذور في الأزهر التي تحميه بإذن الله من الانغماس في الشطط؛ لهذا نجد عنده توازنًا معقولًا بين إصلاح وضع المرأة مع عدم الوقوع فيما وقعت فيه المرأة الأوروبية، وقد كان موقفه من الحجاب موقف الداعي إلى المحافظة عليه، بحيث تتحجب باستثناء الوجه والكفين على اجتهاد فقهي معروف، وبيّن أن هذا لا يمنعها من التعليم النافع (2)، مع أنه قد يقع الانحراف من بعض المتخصصين في الشريعة والله المستعان.

(1) انظر: ودخل الخيل الأزهر، محمد كشك ص 395 - 417.

(2)

انظر: رفاعة الطهطاوي. . . .، د. محمد عمارة ص 350 وما بعدها، وانظر: المؤامرة على المرأة المسلمة. . . .، د. السيد فرج ص 38 وما بعدها.

ص: 1127

وقد اختلف الأمر مع قاسم أمين وأمثاله، فهم من جهة أصحاب صلة ضعيفة بالعلم الشرعي وضعف في فهم التصور الإسلامي حول هذه القضايا الكبرى، ومع ذلك دخل قاسم أمين في الاهتمام بشأن المرأة، ولاسيّما بعد عودته من أوروبا وهو ضعيف الإمكانيات الشرعية مما يجعله فريسة سهلة لتيارات التغريب، فامتلأ بشبهاتهم حول المرأة ومن ذلك حجابها، وبرز كداعية لهذه الأفكار الجديدة حول المرأة، وأصبح فيما بعد رمزًا من رموز العناية بوضع المرأة، ولاسيّما في مسار تغريبها، فتشكّلَ طريق جديد حول وضع المرأة يجعل مرجعيته غربية كما يجعل النموذج المثالي -بصريح العبارة أو دون الشعور بها- للمرأة العصرية هو النموذج الغربي.

تحول شأن وضع العناية بالمرأة من شأن إسلامي إلى إسلامي وتغريبي، وقد اتسعت دائرة التغريب مع الاحتلال الغربي، فظهرت تيارات تغريبية تتنافس في نشر التغريب في بلاد المسلمين، فلم يعد اتجاه واحد بل اتجاهات، وكل واحد منها يتبع مدرسة غربية: ينشر أصولها ويدافع عنها بما في ذلك نشر موقف المدرسة الغربية المُتبَعة حول وضع المرأة (1).

وقد وجد المتغربون العرب ترسانة فكرية ضخمة حول وضع المرأة، ونقلوها إلى العالم الإسلامي، بما في ذلك ما يتعلق بالعلاقة بين الجنسين، ومسائل الزي والزينة والمظهر المتعلقة بالمرأة، ووضع المرأة في المجتمع، وغيرها من المسائل، ومن تلك الترسانة ما يخالف التشريع الإسلامي فيما يخص المرأة المسلمة وما يخالف التصور الإسلامي عمومًا حول المرأة، والعلاقة بين الجنسين، والأسرة، والإنسان. ومن هذه الترسانة ما يزعمون بأن له علاقة بالعلم، الذي يعد عندهم الفيصل الحاسم في مسائل البشرية اليوم.

مجمل القول حول الحجاب في الإسلام:

يشكل الحجاب الشرعي أصلًا مهمًا من أصول الوضع الاجتماعي الإسلامي، ويأتي هذا الأصل في ظل التصور الإسلامي الأوسع عن المجتمع وعلاقة أفراده بعضهم ببعض وعن طريقة العيش التي يسلكونها. ومزيته العظمى

(1) انظر: حجاب المرأة بين الأديان والعلمانية، د. هدى درويش ص 6، وهي من الدراسات المميزة في هذا الباب.

ص: 1128

أنه يطابق الفطرة السوية التي خلق الله الإنسان عليها، فلا يغفل عن شيء من هذه الفطرة كما أنه لا يفرض عليها شيئًا ليس في تركيبها الأصيل قال -تعالى-:{ألَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك:14]، وقال -تعالى -:{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)} [الذاريات:49]، وقال -تعالى-:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الروم:21]، وقال -تعالى-:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء:1].

فهذا مقطع ورد في الكتاب الحكيم حول صورة المجتمع، فالرب سبحانه قد خلق الزوجين، وجعل بين الزوجين علاقة تجاذب، ومن خلالها يقع السكن والمودة والرحمة واللباس، ويبثّ منهما المجتمع الكبير الكثير من الرجال والنساء.

والكثير يحتاج لتنظيم "دقيق محكم يمنع الخلل الذي ينشأ -كلما اتسعت الدائرة- من الفوضى التي لا يضبطها دليل. لقد استلزم وجود رجال كثير ونساء -لا رجل واحد وامرأة واحدة- تنظيم صورة التجاذب الذي يحدث حدوثًا فطريًا بين الرجال والنساء. لكي لا يصبح فوضى تصطدم فيه مختلف التجاذبات، فتؤدي إلى ضياع السكن المرجو لكل نفس من جهة، وتؤدي إلى فساد روابط المجتمع من جهة أخرى"(1).

وفي هذا السياق يمنع الإسلام الاختلاط، وإن وقع بسبب فيكون مع الحجاب، ويمنع التبرج والفتنة، ويكره خروج المرأة دون سبب، ويمنع إبداء الزينة للأجانب، وهنا يقع التعارض التام بين الثقافة التغريبية ببعدها الفكري والثقافي والاجتماعي، حيث تقوم على الإغراء والتبرج وإبراز الفتنة، وقد صحب ذلك نمو رأسمالي بشع يهتم بتسليع الأنثى وتعبيدها للموضة والأزياء والجمال.

وهنا تتحقق المعادلة المهمة في تحقيق غاية التجاذب الفطرية دون الانحراف بها، ومن هنا جاء التشريع الإسلامي للحجاب بوصفه منظومةً متكاملةً من الأفعال والقيم المرتبطة بها، ونزل في ذلك آيات محكمات ومنها آيات

(1) انظر: التطور والثبات في حياة البشرية، محمد قطب ص 198.

ص: 1129

خاصة بالحجاب، قال -تعالى-:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} [الأحزاب: 53]، وقال -تعالى-:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)} [الأحزاب:59]، وقال -تعالى-:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} [النور: 30 - 31]، وقال -تعالى-:{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)} [النور:60]،وقال -تعالى-:{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} [الأحزاب:32 - 33](1).

فهذه الآيات المحكمات في باب الحجاب الإسلامي تأتي ضمن التصور الإسلامي المتكامل والشامل والمتوازن في الشأن الاجتماعي وفي تنظيم المجتمع

(1) قد جمع الأدلة في هذا الباب جمعٌ من العلماء والدعاة المعاصرين، انظر مثلًا: الحجاب أدلة الموجبين وشبه المخالفين، مصطفى العدوي، وانظر: حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة، الشيخ محمد الألباني، وانظر: عودة الحجاب، محمد المقدم، ولاسيّما المجلد الثالث، وغيرها، وليس الحديث هنا عن الخلاف الوارد حول صفة الحجاب وإنما المراد بيان أن علماء الإسلام يتفقون على أن الحجاب شريعة إسلامية ضمن التنظيم الاجتماعي الإسلامي وإن وقع خلاف بينهم حول صفته، وهذا الاتفاق يخالف ما يذهب إليه المتغربون من نفي شرعية الحجاب.

ص: 1130

المسلم وفي تنظيم العلاقة بين الجنسين، وعندما يقع الإخلال بهذا الجزء المهم يتأثر تبعًا لذلك التنظيم الاجتماعي الإسلامي، وبتأثره يقع الفساد العريض في المجتمع، وهو فساد تعرفه المجتمعات المعاصرة، ولكنها تدعي إمكانية التعايش معه وأنه ضريبة الحداثة والتقدم ورفض بحث طرح الحل الإسلامي للموضوع، مع أن جميع المؤشرات تبيّن ذاك المسار الخطير للبشرية بسبب الانفلات في باب العلاقة المفتوحة بين الجنسين وباب إهمال الأخلاقيات الدينية المتعلقة باللباس وأخلاقيات العلاقة بين الجنسين (1).

نماذج من الانحراف في باب الحجاب:

النموذج الأول: قاسم أمين والمراحل الثلاث لموقفه من الحجاب:

إذا جاء الحديث عن الحجاب في العصر الحديث يبرز اسم قاسم أمين كرمز ارتبطت به قضية الحجاب، ويُعد ما عرضه من قضايا حول المرأة -عمومًا والحجاب خصوصًا- مدار الحديث عند أغلب من جاء بعده، وتبحث هذه الفقرة علاقة ما عرضه تحت دعوى العلمية ونظريات العلم فقط.

يذكر الدارسون لنشاط قاسم أمين حول المرأة -ولاسيّما حجابها- ثلاث مراحل: [المرحلة الأولى] الرد على كاتب أوروبي "داركور" الذي ألف كتابًا في نقد المجتمع المصري ونقد فيه وضع المرأة في مصر وأعاد السبب للحجاب، فتألم "قاسم" من هذا الهجوم وقام بتأليف كتاب باللغة الفرنسية في الرد عليه، ومن ذلك دفاعه عن حجاب المرأة المسلمة وعن حكمة منع الإِسلام من الاختلاط بين الجنسين (2). جاءت [المرحلة الثانية] بعد عودته من فرنسا، وقد رأى في فرنسا صورة جديدة للحياة، وتأثر بها، واطلع على الفكر الأوروبي الحديث وأصحابه ومنهم "نيتشه" و"داروين" و"ماركس" و"سبنسر" و"رينان" و"فولتير" وغيرهم، كما أن هناك حركات نسائية عُرفت في القرن

(1) انظر حول مشكلة الفساد الناتج عن إهمال القيم الدينية في هذا الباب: الحجاب، أبو الأعلى المودودي ص 55 وما بعدها، وانظر: المرأة بين الفقه والقانون، د. مصطفى السباعي ص 209 وما بعدها.

(2)

لم يترجم هذا الكتاب للعربية إلا بعد وفاة المؤلف، وقد أخرجه محمد عمارة ضمن الأعمال الكاملة لقاسم ص 219.

ص: 1131

الثالث عشر / التاسع عشر داخل أوروبا وأمريكا (1)، كما أنه في هذه المرحلة قد خالط دعاة الاتجاه الإِسلامي الجديد في مصر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وتأثر بهم، كما أنه بعد عودته من البعثة عاش واقعًا جديدًا تحت الاحتلال البريطاني وعاصر تغيرات ضخمة في العالم الإسلامي، وفي هذه الأجواء أخرج كتابه الثاني بعنوان:"تحرير المرأة"، وقد ناقش فيه مشكلات مختلفة حول وضع المرأة المصرية، وناقش فيه مسألة الحجاب معتمدًا في هذه المسألة بالذات على التراث الإسلامي، فاختار منه القول بجواز كشف الوجه والكفين. ولكن الإطار الذي بحث فيه هذه المسألة يختلف عن سابقه، فقد برز التأثير الخارجي عليه من جهة مرجعية أفكاره الجديدة، أما عودته للتراث فهي من باب البحث عن سند تراثي لأفكاره الجديدة، ويقال: إن المباحث الفقهية التي في الكتاب قد اعتمد فيها على الشيخ محمد عبده إن لم يكن الشيخ هو من كتبها (2).

ومن تفحص كتابه يعلم أن مشكلته تكمن في الإطار الذي وضع فيه مباحث كتابه أو في الرؤية الموجهة لتلك المباحث وليس في تفاصيل ما ذكره؛ أي: في إطار الأفكار الجديدة التي تأثر بها وإطار التحول الاجتماعي التغريبي الذي جرّه إليه، وقد اختلط في هذا الكتاب بعض المحتوى الجيد بالإطار الخطير الموجّه لمسار كتابه؛ وذلك أن وضع المرأة لم يكن بذاك الوضع الجيد في الواقع الاجتماعي، وكان بحاجة لإصلاح كغيره من المسارات التي وقع فيها الانحراف والضعف والظلم، فلامست كتاباته بعض تلك الأوجاع، ولكن الإطار الذي تحركت فيه كتابته قد بدأ يميل اتجاه التغريب، ومع ذلك فليس كل المحتوى تغريبيًا، فالأخطاء التي فيه مألوفة في الحقل الإسلامي ويمكن معالجتها ضمن هذا الحقل، حتى جاء كتابه الثالث ممثلًا للمرحلة الثالثة الذي جمع فيه بين الإطار التغريبي والمحتوى التغريبي "المرأة الجديدة" الذي صدم به المجتمع المسلم وحيّر الباحثين في فكره، فاختلفت آراؤهم حول مشكلة هذا الكتاب،

(1) انظر: مقدمة د. محمد عمارة في قاسم أمين الأعمال الكاملة ص 22، وانظر: عودة الحجاب، محمد المقدم 1/ 34.

(2)

انظر كلام محمد عمارة في تقديمه الأعمال الكاملة لقاسم أمين ص 124، وانظر: المؤامرة على المرأة المسلمة، د. السيد فرح ص 63 وما بعدها.

ص: 1132

فهناك من يراه الامتداد الطبيعي لمسيرته وكأنه يسلك التدرج (1)، وهناك من يراه ردة فعل على تلك المواجهة العنيفة التي لقيها من الأزهر والفقهاء مما دفعه لموقف انتقامي يدفع للأسى (2). أما مضمون الكتاب -وهو ما يهمنا- فهو إعلان تغريبي صريح عن رأيه في مشكلات المرأة، وهو دعوة دون مواربة لتقليد حال المرأة الأوروبية، فالمرأة الجديدة هي المرأة الأوروبية، ومع أنه أحال لكتابه السابق عن رأيه في الحجاب إلا أن الحقيقة أبعد من ذلك، فالرؤية الجديدة لم تعد تسمح بالعودة لكتابه السابق؛ وذلك أن الكتاب الجديد يقطع أي طريق للعودة.

[دعوى العلمية للمرحلة الثالثة]: ومن صور الانفصال بين الكتاب السابق "تحرير المرأة" وهذا الكتاب "المرأة الجديدة" دعوى العلمية التى برزت بوضوح في كتابه الثالث، وترتبط العلمية هنا في الغالب بالعلوم الاجتماعية المعروفة داخل فرنسا نهاية القرن التاسع عشر (3)، والمتأثرة إلى حد بعيد بالفكرة التطورية المستمدة من نظرية "داروين"، ومع أنها لم تكن غائبة في كتابه السابق إلا أنها كانت مضمرة أما هنا فقد صرح بها.

يقول د. محمد عمارة: "ولقد كان طبيعيًا أن يؤمن قاسم أمين بالتطور والتقدم كقانون علمي، ليس في نطاق الظواهر الطبيعية فقط كما اشتهر عند تشارلز داروين (1809 - 1882 م) في ذلك العصر، بل في الظواهر الخاصة بالحياة الإنسانية،. . . ."(4) وهي الدارونية الاجتماعية التي اختطفت لفترة من الزمن الفكر الغربي وسار معها أغلب المتغربين باسم العلمية.

وتقول د. ليلى الأحيدب من قسم الاجتماع: "وقد خطا قاسم أمين بهذه الأفكار خطوات مهمة عندما أخضع قضية تحرير المرأة وغيرها من القضايا الاجتماعية للمنطق العلمي، فقد كان من المؤمنين بتطبيق مبادئ المنهج العلمي عند تناول قضايا المجتمع والأسرة، متأثرًا في هذا بأوغست كونت،. . . . وقد أراد قاسم أمين أن يصلح الخلل القائم في مسألة المرأة بناء على ما أثبته العلم

(1) انظر: عودة الحجاب، محمد المقدم 1/ 62.

(2)

انظر: أسس التقدم عند مفكري الإسلام، د. فهمي جدعان ص 470، 482.

(3)

انظر: النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، د. غالي شكري ص 205.

(4)

قاسم أمين الأعمال الكاملة، د. محمد عمارة ص 38.

ص: 1133

الطبيعي الحديث من أن المرأة مساوية للرجل عقلًا. . . ." (1)، وأنه "حاول أن يطرح القضية طرحًا علميًا مستندًا إلى المنهج العلمي في دراسة التاريخ والمجتمع" (2).

وتمدح زينب الخضيري علمية "قاسم" وتصفها قائلة: "فمنهج قاسم أمين هو منهج عالم الاجتماع الذي وقف على آخر ما وصلت إليه هذه المناهج"، ويدلّ "على إحاطة دقيقة بنتائج شتى العلوم الحديثة الطبيعي منها والاجتماعي، والذي أتاحته لقاسم أمين ثقافته الغربية"(3)، وقد يقلل بعض المتغربين من هذه العلمية باعتبارها غير متماسكة وذات انتقائية براجماتية وتفقد أصلها المادي العلمي (4).

لا شك أن هذه الشهادات من قبل المعجبين به تحمل مبالغة لا يحتملها مضمون الكتاب، ولكنها العادة مع المعجبين أو أصحاب الأهواء، نعم هو يقلد الدراسات الاجتماعية المعلمنة ولكن التقليد لا يعني العلمية، فقد انساق في نمط من الدراسات ذات البعد العلماني، وانغمس في نظريات اجتماعية ينقض بعضها بعضًا دون أن يملك زمام الاختيار والتصحيح والنقد، إنها في الحقيقة تبعية عمياء، مفادها أن المدنية الغربية قد قدمت الجواب الكامل في وقتها وما بقي إلا أخذه وتربية الأبناء عليه، وهذه لا تتوافق مع مزاعم العلمية التي يحرص أتباعه على إلصاقها به، فهو يقول مثلًا: "هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه (5)، وليس من دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يعرفوا شؤون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها. إذا أتى هذا الحين -ونرجو ألا يكون بعيدًا- انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس، وعرفنا قيمة

(1) تأثير التيارات الدينية في الوعي الاجتماعي للمرأة العربية، ليلى الأحيدب، ضمن كتاب الدين في المجتمع العربي ص 285.

(2)

المرجع السابق ص 287.

(3)

المرجع السابق ص 287 هامش 18.

(4)

وهذه من وجهة نظر ماركسية، انظر: النهضة والسقوط. . . .، د. غالي شكري ص 209 - 210.

(5)

الداء الذي يقصده: تمسكنا بالماضي رغم أن مدنيته سبب تخلفنا، مع أن الواجب أن ننهض لمحاربته ص 114.

ص: 1134

التمدن الغربي. وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية الحديثة، وأن أحوال الإنسان مهما اختلفت، وسواء كانت مادية أو أدبية خاضعة لسلطة العلم" (1) ويقول:"من هذا يتبين أن نتيجة التمدن هي سوق الإنسانية في طريق واحد. وأن التباين الذي يشاهد بين الأمم المتوحشة أو التي لم تصل إلى درجة معلومة من التمدن منشؤه أن أولئك الأمم لم تهتد إلى وضع حالتها الاجتماعية على أصول علمية. هذا الذي جعلنا "نضرب الأمثال بالأوروبيين" ونشيد بتقليدهم، وحملنا على أن "نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوروبية". ."(2)، ومن ذلك تقليدهم في ما توصلوا إليه حول المرأة؛ لأنها علمية وليست من قبل العادات ولهذا بحسب كلامهم لا نجد اختلافًا عند الغربيين حول تلك المسائل وهو دليل على علميتها، والعلم لا يختلف من مكان لمكان "فهذه أولًا مسألة اجتماعية، فهي بذلك مسألة علمية، ولا غرابة بعد ذلك في حصول الاتفاق فيها"(3).

فهو يجعل من هذا الاتفاق دلالة على علميتها، وهو لم ينتبه إلى أن هذا الاتفاق لا يشترط فيه العلمية بقدر ما يكون الاتفاق أحيانًا بسبب الإطار العام الذي تتحرك فيه جميع المدارس، وهو هنا الإطار العلماني الذي وحّد تلك المدارس في قضايا، وهذا التوحيد لا علاقة له بالعلمية إذا كان المراد بها القول الصواب الذي لا تغير فيه، بل إنه حتى في الدراسات الغربية المعاصرة نجد الحديث عن النظام السائد في مرحلة زمنية معينة ويدور الجميع ضمن هذا النظام "الإبستمي" كما طرحه ميشيل فوكو (4)، أو النموذج الإرشادي "البرداي" الذي يجتذب الجميع لفترة زمنية كما شرحه كون في "بنية الثورات العلمية"(5)، وبهذا تكون المعارف البشرية ذات بعد نسبي مهما بلغت دقتها وإجماع الناس عليها ما

(1) المرأة الجديدة، قاسم أمين ص 114 - 115.

(2)

المرجع السابق ص 115.

(3)

المرجع السابق ص 129.

(4)

انظر: ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر، د. الزواوي بغورة ص 29 وما بعدها.

(5)

انظر: التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية .. ، د. إبراهيم رجب، 49 وما بعدها، وانظر: بنية الثورات العلمية، توماس كون، كلام المترجم ص 12، وكلام المؤلف ص 83.

ص: 1135

لم تجد مصدرًا حقيقيًا لتوثيق هذا الاختيار أو ذاك، ولن يكون ذلك إلا بالوحي. مع العلم أن القول بهذا الاتفاق داخل العلوم الاجتماعية لا حقيقة له، فالاختلاف بين المدارس الاجتماعية شأنه كبير، لدرجة أن هناك من يعلن نهاية هذه العلوم وفشلها وحاجتها إلى مسار جديد (1)، فاتفاقهم لا يعني علميتها كما أن الاتفاق مُنَازع عليه، وأسوأ من ذلك ضيق العلمية بحيث جعل العلم هو ما قاله الوضعيون بشتى مدارسهم وُيخرج من ذلك أساس العلم وهو الوحي.

[أصل الحجاب]: يبدأ الاختلاف عند قاسم أمين بين منهجه القديم القائم على أن الحجاب شريعة يجب المحافظة عليها وبهذا يكون أصله الأمر الإلهي، وبين منهجه الجديد الذي يعتمد فيه العلمية -كما يقول ويقول أصحابه- القائم على وضع تصور جديد عن أصل الحجاب، وبهذا تختلف النتائج، ففي الأول يصل إلى أهمية المحافظة عليه بالصورة الشرعية التي اختارها بالتحجب ما عدا الوجه والكفين وخروج المرأة للتعلم والعمل، أما مع الثاني فيصل إلى أهمية تمزيق الحجاب. وقبل مناقشة هذه العلمية نعرض رأيه الجديد، وهو رأي يعتمد الأفكار الاجتماعية حول أصل العائلة والقيم المرتبطة بها، الذي يبدأ عادة بالإقرار أن الحجاب يعد ظاهرة اجتماعية بالمفهوم العلمي للظاهرة، ومهمة علماء الاجتماع دراسة هذه الظواهر، وغالبًا ما يجعلون محورها العائلة وأصل تكونها، وغالبًا ما يعتمدون على عينات من شعوب أمية ونائية في إفريقيا وأستراليا غيرها، باعتبار هذه القبائل تقترب من الأصل القديم للنظام العائلي، ثم ينطلقون منه في خط تطوري إلى النموذج الغربي على أنه أعلى درجات هذا التطور، وقد انساق قاسم أمين مع هذا التصور، فيبدأ ببيان المنهج "لا يمكن معرفة حال المرأة اليوم إلا بعد معرفة حالها في الماضي. تلك هي قاعدة البحث في المسائل الاجتماعية"، وهي تقوم على ادعاء إمكانية استقراء الحوادث الماضية عبر المؤرخين وما نجده من تأييد عبر السياح الأوروبيين في المجتمعات البدائية التي تؤكد ما ذكره المؤرخون، ومنها يقوم الباحث الاجتماعي بدراساته (2)، ثم ذكر خلاصة أبحاثهم: في المرحلة الأولى وقبل تكوّن العائلة

(1) انظر: الفصل الثاني من الباب الثالث من هذا البحث.

(2)

انظر: المرأة الجديدة، قاسم أمين ص 11.

ص: 1136

كانت المرأة ذات الشأن في الهيئة الاجتماعية، وكانت الحياة الجنسية مشاعية، لا زواج، ولما ودّع الإنسان بداوته واشتغل بالزراعة ظهر نظام البيت، ودخلت المرأة في نظام العائلة الجديد، فحرمت من استقلالها وامتلكها الرجل، وقد تسبب ظهور الدولة في تخفيف هذه العبودية على المرأة، ومع ذلك لم تنل كامل حقها أيام اليونان والرومان، وحتى مع الكنيسة التي مارست دورًا سلطويًا في أوروبا، ومع دخول الدولة أصبح الحال مرتبطًا بالسياسة (1)، ثم لخصه في مكان آخر: عاشت حرة في العصر الأول .. ثم وقع الاستعباد لها مع تشكيل العائلة .. ثم مع ظهور المدنية خف الرق ولكن بقي الاستبداد على المرأة .. حتى جاء الطور الرابع بعد مبلغ الإنسانية مبلغها من المدنية، فنالت المرأة حريتها الكاملة وتساوت مع الرجل، أما المرأة المصرية فهي في الطور الثالث (2)، ومع أنه أدخل النصرانية دينًا له دوره في وضع المرأة، فقد سكت عن دور الإسلام في هذا التاريخ البشري كعادة أهل التغريب، فلا ينظرون للتاريخ إلا من خلال تاريخ الآخرين، وكأن تاريخهم هو التاريخ الكوني الوحيد، بينما التواريخ الأخرى حتى ولو كانت بحجم التاريخ النبوي مع الأنبياء أو تاريخ الإسلام الضخم فإنه يختفي.

ضمن هذا الإطار التاريخي للتاريخ الإنساني الذي يتصوره الوضعيون الاجتماعيون يضع قاسم أمين رؤيته تبعًا لهم عن الحجاب فيقول: "ولكن ما العلاقة بين حريتها وكشف وجهها واختلاطها بالرجال ومعاملتها لهم؟ فالجواب: إن إلزام النساء بالاحتجاب هو أقسى وأفظع أشكال الاستعباد؛ ذلك لأن الرجال في أعصر التوحش كانوا يستحوذون على النساء، إما بالشراء كما بيناه وإما بالاختطاف.

وفي كلتا الحالتين كانوا يعتبرون أنفسهم مالكين نساءهم ملكًا تامًا وتبع ذلك أن الرجل جرد امرأته عن الصفات الإنسانية وخصصها بوظيفة واحدة وهي أن تمتعه بجسمها. فأقرها في مسكنه. وألزمها بأن تلازمه ولا تخرج منه حتى لا يكون لأحد غيره حظ في أن يتمتع بها ولو بالنظر أو بالحديث، شأن المالك

(1) انظر: المرجع السابق ص 11 - 14.

(2)

انظر: المرجع السابق ص 22 - 23.

ص: 1137

الحريص على ملكه الذي يريد أن يستأثر بجميع مزايا المتاع الذي يملكه.

ولما كان من المحال ألا تعرض ضرورة تقضي على المرأة بالخروج من منزلها في بعض الأحيان أراد أن يتبعها بالحجاب حيث سارت فألزمها بستر وجهها إذا خرجت.

هذا الحجاب الذي قرره الرجل في الأصل على زوجته تعدى بعد ذلك إلى البنات والأمهات والأخوات وإلى عموم النساء؛ لأن كل امرأة هي زوجة أو كانت زوجة أو مستعدة لأن تكون زوجة.

فالحجاب هو عنوان ذلك الملك القديم، وأثر من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الإنسانية أجيالًا قبل أن تهتدي إلى إدراك أن الذات البشرية لا يجوز أن تكون محلا للملك لمجرد كونها أنثى. . . ." (1).

ويجيب عن سبب بقائه إلى اليوم فيقول: "وليس من الغريب بقاء الحجاب بعد زوال السبب الذي أوجده؛ أي: بعد خروج المرأة عن ملكية الرجل. . . ."، فـ"سنة التدرج أن تعيش النساء في حالة وسط بين الرق والحرية، حالة اعتبرت فيها المرأة أنها إنسان، لكنه ناقص غير تام، كبر على الرجل أن يعدّ المرأة التي كانت ملكًا له بالأمس، مساوية له اليوم" فأبقاها في مرتبة أقل منه وزعم أن الله أوجد هذه الحال، ولذا يلزم بقاؤها في بيتها وتستر وجهها إذا خرجت (2).

وبعد هذا العرض العلمي كما يزعم يصل للنتيجة الخطيرة التي يحرص المتغربون عليها: "وذلك هو السر في ضرب الحجاب، وعلة بقائه إلى الآن، فأول عمل يعد خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره"(3). ونجد فارقًا شاسعًا بين هذه النتيجة مقارنة بما في "تحرير المرأة" الذي يقول فيه: "ربما يتوهم ناظر أنني لا أزال أرى الآن رفع الحجاب بالمرة، لكن الحقيقة غير ذلك، فإنني لا أزال أدافع عن الحجاب وأعتبره أصلًا من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أني أطلب أن يكون منطبقًا على ما جاء في الشريعة الإِسلامية وهو -على ما في تلك الشريعة- يخالف ما تعارفه الناس

(1) المرجع السابق ص 34 - 45.

(2)

انظر: المرجع السابق ص 35.

(3)

المرجع السابق ص 35.

ص: 1138

عندنا. . . ." (1)، وقوله: "ولو أن في الشريعة الإِسلامية نصوصًا تقضي بالحجاب على ما هو معروف الآن عند بعض المسلمين لوجب علىّ اجتناب البحث فيه، ولما كتبت حرفًا يخالف تلك النصوص، مهما كانت مضرة في ظاهر الأمر؛ لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة. لكننا لا نجد نصًا في الشريعة يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة. . . ." (2)، وبعد عرضه أقوال المجيزين كشفها الوجه والكفين عند أمن الفتنة قال: "ولا ريب أن ما ذكرنا من مضار التحجب يندرج في حكمة إباحة الشرع الإِسلامي كشف المرأة وجهها وكفيها -ونحن لا نريد أكثر من ذلك" (3). لاريب أن هناك فارقًا كبيرًا بين الحالين، بين الدعوة للتمسك بالحجاب وبين الدعوة لتمزيقه، ولا يكون مثل هذه الحال إلا مع تغير كبير أصاب هذا الباحث. ونبحث الآن هذا المزعم العلمي حول أصل الحجاب.

[حقيقة هذا الأصل]: تأتي المسائل عند قاسم وأمثاله بعد ذلك متفرعة عن هذا الأصل حول تكون العائلة والحجاب، وكأنه مسلمةٌ لا يعتريها النقاش والشك، وبهذا يحملون متبعهم في قطار ذي سكة واحدة، فمن ركب معهم لم يبق له إلا هذا المسار، ومن هنا كان من المهم قطع الطريق من أوله. ويأتي الإشكال هنا من جهتين: إما أن الطريق الذي صنعوه غير صحيح، وهو الغالب في مثل هذه المسائل، إذ أغلبها مبني على ادعاءات نعلم بطلانها من صحيح الوحي، ولا يستطيع عاقل جاهل بالوحي الجزم بصحتها أو علميتها، أو أن الطريق صحيح ولكنه يصح على أحوال بعينها، يغلب عليها في هذا الباب أن تكون أحوالًا منحرفة عن الفطرة السوية والشريعة المستقيمة، فيُحول المرض إلى قاعدة عامة، تعمّ كل الأحوال، وفي التعميم يقع خطأ المتعاملين مع مثل هذه المناهج.

يقول "محمد أمزيان": إن "البحث في مجال النظم الاجتماعية من حيث أصولها ونشأتها والعوامل التي تخضع لها في تطورها تتعرض لكثير من الأخطاء، ولا يمكن أن تحقق قدرًا من العلمية لكثرة اعتمادها على التخمين والظن

(1) تحرير المرأة، قاسم أمين ص 60.

(2)

المرجع السابق ص 62.

(3)

المرجع السابق ص 67.

ص: 1139

والافتراض، وهذا النوع من الدراسات يمثل الجانب الميتافيزيقي أو الغيبي لعلم الاجتماع" (1)، وقد غلب البحث عن الأصل الأول للنظم الاجتماعية على نشاط الجيل الأول من علماء الاجتماع، وأمثلتهم التي يمثلون بها من الشعوب البدائية، تُعرض في قالب تطوري من أثر الدارونية، ثم أعقب هذه المرحلة مرحلة جديدة من الدراسات التي تتفحص الوضعية التطورية وتعارض الكثير من استدلالاتها ونتائجها، ومن ذلك مثلا: دراسات جديدة تدحض مسلمة القول بأن إباحية الحياة الجنسية كانت أولى مراحل تطور الأسرة الإنسانية (2).

ومهما تكن الجهود المبذولة في هذا المضمار "فإن الاختلاف سيظل قائمًا بينهم ولا يمكن التوصل إلى نتائج قطعية بالاستناد إلى معلومات الإثنوغرافيا وحدها"(3)، فالعودة لأصل التاريخ الإنساني عبر عينات من أي باب كانت لا يمكن أن تكون الدليل القاطع، ومعلوم أن تلك الأصول البعيدة لا نملك أدلة كافية تبين لنا حقيقتها، وبهذا تكون النتيجة المنطقية أن "المنهج الوضعي قاصر عن الكشف عن حقيقة النظم الاجتماعية من حيث أصل نشأتها؛ لأنه قاصر على إدراك أبعاد التطور الإنساني الضارب في التاريخ، ولابدّ من البحث عن مصدر آخر غير المعلومات التاريخية والإثنوغرافية والإنثروبولوجية والأركيولوجية. . . .، فمهما كانت طبيعة هذه المعلومات فهي ناقصة. . . ."، وإذا كان الأمر بهذه الحال فنحن في حاجة لمصدر آخر قادر على إطلاعنا بتلك الحقبة البعيدة وقادر على هداية البحث العلمي البشري، وهذا المصدر لن يكون إلا الوحي (4).

ويتواصل الإشكال مع النظريات المطروحة لتفسير التطور من ذلك الأصل الأول إلى الصورة الحالية التي وضعها أهل تلك النظريات آخر حلقة في السلم، ومن بين أشهر الاتجاهات في ذلك: الاتجاه الوضعي والاتجاه الماركسي (5)،

(1) منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، محمَّد أمزيان ص 86 - 87.

(2)

انظر: المرجع السابق ص 87.

(3)

المرجع السابق ص 88.

(4)

منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية ص 90.

(5)

انظر: المرجع السابق، حول الاتجاه الوضعي ص 96، وحول الاتجاه الماركسي ص 99، ويقترب منهج قاسم أمين هنا من الاتجاهات الوضعية، وسيأتي مثال يقترب من الاتجاه الماركسي.

ص: 1140

فهي من جهة مبنية على أصل غير مسلم به، ولم يسلم به إلا أتباع الاتجاه فقط، كما أن القانون الذي يفسر عملية التطور يلحقه ما لحق مبحث الأصل، والشواهد والأمثلة تخالف العمل العلمي لما فيها من انتقائية مع استبعاد ما يخالف فرضيات الاتجاه، ولذا فهم ينجحون عند تفسير الواقع ولكنهم يتيهون عند العودة للماضي أو عند وضع قانون عام للظواهر الاجتماعية، ولا يشترط أن يكون الواقع الصحيح من جهة التفسير هو الصحيح من جهة الحق والخير، فقد يكون الواقع هو المرض وينجح المفكرون في تشخيص المرض، ولكن صحة تفسير المرض لا يعني خيريته.

الاستعانة بالعلم في تأكيد نتائج أصل الحجاب الاجتماعي: لقد بني قاسم دعواه على انحرافات علمية أو على أحسن الأحوال أوهامٍ علمية، ومع أن النتيجة التي وصل إليها باسم العلم لا تعد علمية فإنه مع ذلك أنهى الوضع وانتقل إلى استدلالات أخرى من ميادين للعلم لتأكيد سلامة النتيجة، وهو باب واسع وضبابي، مما يسمح بتسرب الأوهام تحت دعوى العلمية، حيث يغلب على المدعي فيها أن يذكر الدليل العلمي، وفي الفكر العلمي الحديث ما يعارضه تمام المعارضة، مما يجعل الجميع في حاجة لمرجعية أخرى، وعليا تحكم بين الطرفين. وهنا بعض ما ذكره في هذا الباب:

[1]

من ذلك الاستدلال بالتساوي في التكوين الجسدي للرجل والمرأة، فلماذا في رأيهم تُكلف بالحجاب! ولكن هذا الاستدلال تجد ما يعارضه من حقل العلم ذاته؛ أي: أننا نجد الدليل وضدّه، مما يعني وجود خطأ ما في التعامل مع العلوم الطبيعية التي تدرس جسد الإنسان.

يرى قاسم أن أهم مسألة تسببت في استعباد المرأة، ثم حجابها هي تهمة نقصان العقل فيقول:"ولما كانت تهمة المرأة بنقصان العقل هي الحجة التي اتخذها الرجل لاستعبادها، وجب علينا أن نبحث في طبيعة المرأة لنعلم إن كانت، كما يقال أحط من طبيعة الرجل أم لا؟ "(1)، إلى أن قال: "يلزمنا لحلها أن نرجع إلى الأصول العلمية لنعلم ما تقرره فيها. . . . غير أنهم حكموا بأن المرأة ليست مثل الرجل في الخلقة، وأنه يوجد بين الصنفين اختلافات تشريحية

(1) المرأة الجديدة ص 35 - 36.

ص: 1141

وفسيلوجية يمتاز بها كل صنف عن الآخر. ولكن ليس في هذه الاختلافات ما يدل على أن أحد الصنفين أرقى من الآخر أو أحط منه" (1)، وهو يخلط هنا بين آراء البشر وقت انحرافهم عندما يحكمون بأفضلية مخلوق على آخر باللون أو الجنس، وهذا يخالف ما قرره الإِسلام عندما فرق من جهة الوظائف بين الذكر والأنثى، فهناك وظائف تناسب الرجل وأخرى تناسب المرأة، أما الأكرم فهو الأتقي، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} [الحجرات:13] ،قال ابن كثير في تفسيره: "فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم". ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(2). ولكنه يترك هذه المعاني العظيمة التي قررها الإسلام، ويذهب إلى أمر قد لا يخالف في معلوماته، ولكن يخالف في النتائج التي يريد الوصول إليها، يقول:"والحقيقة أن المرأة أمام علم التشريح ليست أقل درجة من الرجل ولا أرقى منه، وإنما تختلف عنه؛ لأن لها وظائف تقوم بها غير وظائف الرجل"(3).

بل إننا نجد شهادات أخرى أكثر توازنًا من الناحية العلمية مع أن الدخول في هذا الباب دون الاستناد لركن قوي، يعرض الأطراف لتجاذبات قد لا تنتهي، ومع ذلك نذكر اتجاهًا آخر من داخل العلم يقول صاحبه: "إن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة لا تأتي من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية، ومن وجود الرحم والحمل، أو من طريقة التعليم. إذ إنها ذات طبيعة أكثر أهمية من ذلك .. إنها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها ومن تلقيح الجسم كله بمواد كيميائية محددة يفرزها المبيض. ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليمًا واحدًا، وأن يمنحا قوى واحدة ومسؤوليات متشابهة، والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافًا كبيرًا عن

(1) المرجع السابق ص 36.

(2)

تفسير ابن كثير ص 1243، والحديث رواه مسلم برقم (2564)، باب تحريم ظلم المسلم وخذله. . . . من كتاب البر والصلة والآداب.

(3)

المرأة الجديدة ص 37.

ص: 1142

الرجل. فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها .. والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها. وفوق كل شيء، بالنسبة لجهازها العصبي. فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للين مثل قوانين العالم الكوكبي .. فليس في الإمكان إحلال الرغبات الإنسانية محلها. ومن ثم فنحن مضطرون إلى قبولها كما هي. فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعًا لطبيعتهن دون الرجال، فيجب عليهن ألا يتخلين عن وظائفهن المحددة" (1). والمسلم ليس في حاجة لتلك أو هذه إلا بقدر ما ينفعه منها، ولكن المقصود أن العلم الذي يستدل به على دعواه، الصحيح منه لا يخالف ما جاء به التشريع الرباني، وما سوى ذلك فستجد القول ونقيضه، وكلاهما ينتميان لحق العلم، ولا حلّ للمختلفين إلا بالحق، قال -تعالى-:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة: 213].

[2]

ومن ذلك إدخال الدراسات النفسية كحجة على المشكلات التي تترتب على الحجاب، ليصلوا إلى أهمية إزالته أو تخفيفه لأبعد حد ممكن، وتأتي النظريات النفسية حول الكبت والعقد النفسية ذات البعد العلماني في قمة التأثير، وفي ذلك تقول باحثة اجتماعية عن قاسم:"بل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يتناول تناولًا علميًا تأثير الحجاب في البناء النفسي والجسدي والعصبي للمرأة، فيقول: "إن الحجاب من شأنه أن يخل بنظام الجسد، وهو يضعف الأعصاب مما يجعل القوى النفسية تختل" (2)، ونجد هذه الحملة عند متغرب آخر من نسبة كل أمراض المرأة الجسدية والعقلية والنفسية لدرجة البلاهة إلى الحجاب (3)، ونجد عند مفكر آخر "فؤاد زكريا" دعواه بوجود ازدواجية للخطاب الإسلامي حول الحجاب "تتعلق بالسلوك المنتظر من المرأة المحجبة نفسها، فالمطلوب

(1) الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل ص 108 - 109، ترجمة شفيق فريد، وانظر: التطور والثبات في حياة البشرية، محمد قطب ص 213 وما بعدها.

(2)

تأثير التيارات الدينية في الوعي الاجتماعي للمرأة العربية، ليلى الأحيدب، ضمن كتاب الدين في المجتمع العربي ص 286.

(3)

انظر: سلامة موسى بين النهضة والتطوير، د. مجدي عبد الحافظ ص 95 - 98.

ص: 1143

منها أن تكون متقشفة المظهر، حاجبة لنظرات الآخرين وأطماعهم، متباعدة قدر الإمكان عن الجنس الآخر، وفي الوقت ذاته أن تكون أنثى كاملة مع الزوج. . . . ولكن المشكلة من الوجهة النفسية أشد تعقيدًا بكثير؛ لأنها تفترض من المرأة القدرة على الجمع بين العفة المفرطة من ناحية، والإقبال المفرط على الجنس من جهة أخرى؛ ذلك لأن على هذه المرأة نفسها أن تعوض زوجها عن خشونة مظهرها الخارجي، وتثبت له أنها لا زالت الأنثى القادرة على تحقيق جميع رغباته. فكيف يمكن أن تجمع شخصية واحدة، ونفسية واحدة، بين هذين النقيضين؟ ألا يؤدي هذا التناقض بين المظهر الخارجي والممارسة الخاصة إلى أزمة نفسية أو تعقيد في التكوين الداخلي للمرأة؟ " (1).

أول ما نجده حول قاسم أمين هو تضخيم مواقفه ذات البعد العلمي، ومن ذلك مسائل ذات صلة بعلم النفس بكل مذاهبه المتنافرة ونظرياته المتناقضة والمعقدة، وتتوقع أنك ستجد هذا الطرح العلمي النفسي بذكر النظريات والأدلة والنتائج فإذا نظرنا لما قاله فلا نجد إلا سطرًا أو سطرين، فأين هي العلمية!

فمن ناحية شرعية يمتنع أن يوجد في شرع الله ما يضرّ جسد الإنسان أو نفسه، فما جاءت الشريعة إلا لسعادة الإنسان وصلاح حاله ومآله، كما أن الواقع لا يقدم أي دليل علمي، وإنما هو من رمي التهم وهي عادة كل من تأثر بالعلمنة والتغريب، وإلا فما يحصل للمرأة المتبرجة والتي تخالط الأجانب من إضعاف أعصابها، وما يصيبها من ضغط نفسي هو الأبرز، ولكنهم يتنكرون للفطرة، ويدّعون أن ما أصابها من جراء الاختلاط مرض لابد منه فهو ضريبة الحضارة. كما أنهم يصورون المتحجبة، وكأنها في كيس مغلق لا ترى النور ولا تشم الهواء، بينما الحجاب الإسلامي هو نوع من اللباس يغطي جمال المرأة وزينتها أمام الأجانب فقط ولا يمنعها من أي نشاط، كما أنه لا يحرمها من أي احتياج، قد نتصور تلك العقد والأمراض النفسية لو تخيلنا وجود امرأة في كيس، ولا تدري عن العالم حولها شيئًا ولا ترى نور الشمس ولا الهواء النقي ولا تتحرك ولا تمشي ولا تمارس نشاطًا بدنيًا، وهذا غير موجود في الحجاب الإسلامي. بل إننا لو سرنا في مسار الاستشهادات العلمية فسنجد دراسات من ميدان العلوم

(1) الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، د. فؤاد زكريا ص 147.

ص: 1144

الاجتماعية تثبت عكس ما يدّعون، حيث تثبت الجانب النفسي الجيد للمتحجبة وذلك بالاعتماد على دراسات ميدانية متكئة على معرفة جيدة بميدان العلوم الاجتماعية ونظرياتها (1).

النموذج الثانى: النموذج المادى الماركسى:

سبق أن رأينا أن الدراسات العلمية حول المرأة والأسرة تنتمي لعلم الاجتماع الوضعي الذي تأثر كثيرًا بفكرة التطور الدارونية، وقد ظهرت اتجاهات اجتماعية مختلفة منها الوضعية التي تأثر بها "قاسم أمين"، ومنها "المادية" ولاسيّما في صورتها الماركسية، ويأتي هذا النموذج مثالًا عنها، وبقدر ما يتفقون في النتيجة حول وضع الحجاب، إلا أن الاختلاف فقط حول الأصول النظرية، وكما سبق فإن الاتفاق على خلع الحجاب لا يأتي بسبب علمية النتيجة، وإنما بسبب علمانية العلم، وهو الإطار العام الذي يضبط جميع الدراسات المنطوية تحته. نجد هذا المثال في تطورية دارونية ومادية صريحة مع سلامة موسى. ساق "موسى" مسار تطور الإنسان حيث بدأ بحسب زعمه مثل القرد يتسلق الأشجار ويعيش عليها، ثم حدثت ظروف حملت الإنسان على ترك الأشجار والعيش على الأرض، وبدأت تتطور أعضاء الإنسان بما يناسب المشي على الأرض، وقد كانت حياة الإنسان في هذه الفترة مشاعية، وفي هذه المرحلة تطور دماغه وانتقل لممارسة الصيد مما تعني الحاجة للتعاون والحاجة للغة فنشأت اللغة، وفي مرحلة الصيد نشأت "معظم خرافاته، جاءت من هذه الحقبة حين كان يستعين على الصيد بعقائد السحر والدين. ذلك أن الصيد خطر، والصائد عرضة لأن يكون فريسة ما يصيد، ولذلك كان الخوف يعم الصائدين ويحملهم على التشبث بأية عقيدة تلهمهم بعض الاطمئنان. وظهر حجاب المرأة في ذلك الوقت؛ ذلك أن أشأم كلمة أيام الصيد كانت كلمة الدم. إذ هي تحمل معنى القتل، ولما كانت المرأة تحيض كل شهر كانت لذلك يحرم على الرجل الاقتراب منها أو حتى رؤيتها قبل الخروج للصيد حتى لا يتشاءم بالدم"(2).

(1) انظر مثلًا: سيكولوجية الحجاب. القيم النفسية لارتداء الحجاب مع دراسة ميدانية على عيّنة عربية، د. عبد الرحمن العيسوي.

(2)

المرجع السابق ص 13.

ص: 1145

فهذه صورة أخرى حول أصل الحجاب، وهي تشترك مع ما طرحه قاسم أمين في باب تحول المرأة ضحية الاستعباد، وقد انتقل من أصل الحجاب إلى واقعه، فزعم أنه أكبر عائق من تحررها وتقدمها، وألصق بالحجاب أقذع الأوصاف، واعتبر "أثر الحجاب على المرأة أقسى ما يمكن أن تُبتلى به الأمة، حتى ولو كان زلزالًا أفضى إلى موت عشرة ملايين مواطن، ولم يبق سوى مليون؛ لأنه قد خلص إلى نتيجة، مفادها أن هبوط مستوى المرأة من الإنسانية إلى الحيوانية، سبب لهذا الحجاب"(1)، ورآه المرض الحقيقي لتأخر نسائنا (2).

نجد تصحيحًا ماركسيًا لكلام "سلامة" من أحد المعجبين به حول أصل الحجاب وذلك بوضع سكة قطار مادية أحادية: "وهذا صحيح، وإن كانت "النجاسة" في مفهوم المجتمع القديم، لم تتعلق بالدم كما يرى سلامة؛ لأن التفسير العلمي للحجاب هو الإحساس الجديد بالملكية. ففي المجتمع المشاعي -حيث العلاقات الجنسية غير مقيدة- لا نجد الحجاب. وإنما وجد -لأول مرة- مع ميلاد الملكية الفردية. فالنجاسة هناك "اقتصادية" في الأغلب "كما بدأ انتشار ستر العورة كطريقة صريحة لامتلاك النساء". بالرغم من أن "سلامة موسى" يرى أن ستر العورة كان عملية تزيين مثيرة للجنس. وهذا صحيح أيضًا. ولكن هذه الزينة المثيرة نفسها لم تبدأ إلا مع إحساس المرأة بحاجتها "الاقتصادية" للرجل. فلم يصبح ساعداها، وإنما جسدها، مركز الإغراء. ولما كانت الفروق التي حدثت للمجتمع الإنساني، بعد تطوره من العبودية إلى الرأسمالية المعاصرة، لم تصنع تغييرًا حاسمًا لمركز المرأة، فإن جسدها ظل بؤرة إغرائها للرجل .. أو لمستقبلها الاقتصادي، ولذا بقي "الحجاب" و"الفصل بين الجنسين" و"الثأر للشرف". . . . كرواسب حية نامية على العمود الفقري للنظام الطبقي، الممتد من بداية المجتمع العبودي حتى مجتمعنا الرأسمالي الحديث"(3)، ثم قال هذا الماركسي:"والحجاب -في النهاية- ليس جدران الحريم، ولا البراقع السود، وإنما هو نظام اجتماعي بأكمله"، ويرى أن كل المساواة بين الذكر والأنثى الموجودة في النظام الرأسمالي لن تنجح إلا إذا تغير النظام الاجتماعي

(1) سلامة موسى بين النهضة والتطوير، د. مجدي عبد الحافظ ص 95.

(2)

انظر: النهضة والسقوط. . . .، د. غالي شكري ص 31.

(3)

المرجع السابق ص 168.

ص: 1146

الطبقي (1)، ثم هو يبشر بما يحدث في نصف العالم الذي ينتقل لطور جديد طور "المرحلة الاشتراكية في الاقتصاد والاجتماع على السواء، إذ إن أدوات الإنتاج التي كانت تملكها طبقة فحسب، أعيدت -أو في سبيل إعادتها- إلى القوى المنتجة .. للرجل والمرأة جميعًا" عندها يختفي "ذلك الوضع الشاذ -وهو سيطرة الرجل على المرأة- بدخول المرأة ميادين الإنتاج، إذ تنتفي الدوافع التي كانت سببًا في سيطرة الرجل"(2)، ويسقط مع سقوط المجتمع الطبقي الحجاب، وكل نظام يقترب من الفطرة، من زواج وأسرة وتربية للأبناء وممارسة الجنس وغيرها (3).

تقع هذه النظرة في نفس الإشكاليات التي تقع فيها النظرة السابقة من جهة أصل العائلة، فهي تقع في بؤرة إشكالية إقامة دعوى عن إباحية جنسية أول الوجود الإنساني، إلا أن الحجاب هنا ولد مع الملكية الفردية وما تبعه من ظهور المجتمع الطبقي، فيختزل الأمر في الجانب الاقتصادي، ويختزل تبعًا لذلك تاريخ الإنسانية في هذا الجانب، ثم يربط الحل بالجانب نفسه، ويطرح النموذج الشيوعي نموذجًا طوباويًا لمجتمع في اتصال جنسي قائم على الحب دون الحاجة لنظام الأسرة، ويقوم المجتمع بتربية الأطفال، وتختفي كلمة لقيط، والشرف والعار وكل الأمور التي هي إفراز شاذ لمجتمع طبقي، ولا شك أن ذلك النموذج الذي يعرضونه قد سقط سقطة مهولة، وقد كان من أكبر ضحاياه المرأة في تلك المجتمعات، حيث تشير التقارير الدولية عن أكبر عملية تجارة للرقيق الأبيض من الجمهوريات الاشتراكية التي بشر بها هذا الماركسي وأمثاله.

وفي الختام قد يكون من المناسب ذكر موقف منسوب لقاسم أمين في آخر حياته: "لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك، بل الإفرنج في تحرير نسائهم، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم .. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من

(1) المرجع السابق ص 169.

(2)

المرجع السابق ص 172.

(3)

انظر: المرجع السابق، 172 - 174.

ص: 1147

أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف، ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي، واستنفر الناس إلى معارضتي .. ، رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاء، ثم ما وجدت زحامًا في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسنة جميعًا .. إنني أرى أن الوقت ليس مناسبًا للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل" (1).

وفي خاتمة هذا المبحث نصل إلى أن التغريب قد تلبّس بالعلم ونظرياته من أجل علمنة الحياة العملية، وأن العلم لم يكن سوى قناع لتلك المهمة، أما العلم الصحيح النافع فلا يكون مخالفًا لما جاء به الدين، وقد ظهر أن ما يقولون: إنه علم ويعارض الدين أنه ليس كذلك، سواء في باب الأخلاق، أو في باب الربا، أو في باب التداوي، أو في باب الحجاب، وأن العلم الصحيح والنافع منه تجده يسير بجانب الدين ويتفق معه دون مشكلات بخلاف ما ادعي علميته مع المتغربين فهو يصطدم بالدين. وبهذا ينتهي الحديث عن الأمثلة المقترحة، ومعها ينتهي الفصل الثالث، وبذلك يختم الباب الثاني.

وقد بُحث في هذا الباب التأثر المنهجي في الفكر التغريبي بالانحراف المصاحب للعلم الحديث، وذلك في ثلاثة فصول: الفصل الأول عن التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال، وقد نوقش ذلك في مبحثين الأول عن المصدر وأثر الانحراف في هجر الوحي، والثاني عن أثر الموضوعية في استبعاد الدين. والفصل الثاني كان عن التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية، وقد نوقش في مبحثين: الأول عن الأصل المنهجي الذي يسبب مثل هذا الانحراف، وهو الانحراف في الغيب، بينما المبحث الثاني يطرح أمثلة وقع فيها الانحراف. والفصل الثالث كان عن التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية، وقد نوقش في مبحثين: الأول عن الأصل المنهجي الذي يسبب مثل هذا الانحراف وهو أثر العلمنة ومفاهيمها، بينما المبحث الثاني يعرض أمثلة وقع فيها الانحراف.

(1) عودة الحجاب 1/ 72 - 73، وقد ذكره عن أنور الجندي من كتابه "رجال اختلف فيهم الرأى".

ص: 1148

الباب الثالث صور لدعاوى باطلة ونظريات منحرفة ظهرت في الفكر التغريبي حول الدين والعلم وخطورتها

وفيه فصلان:

• الفصل الأول: صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث.

• الفصل الثاني: صور من ثأثر الفكر التغريبي بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين.

ص: 1149