الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معقدة حولها خلافات فلسفية ومنهجية كبيرة، وذات باطن غير خفي يهدف إلى علمنة العلم وإقصاء الدين وإبعاده، قد يُركّز العقلاء على الظاهر ويعترفون بصعوبة الفصل بين الذاتي والموضوعي، بينما يُركز التيارات العلمانية الكبرى في الفكر الغربي وأتباعها من المتغربين في البلاد الإِسلامية على الباطن، فيُصبح التركيز على إبعاد الدين والوحي شرطًا -كما يزعمون- لوجود معرفة علمية حقيقية. ومن ذلك تصوير الإِسلام عند المتغربين وكأنه عدو للمعرفة العلمية، فيا عجبًا كيف يُصوّر الإِسلام وكأنه عدوّ للعلم والمعرفة الصحيحة؟ وهو الذي ابتدأ بـ"اقرأ" ورفع من قيمة الحق والصدق وحرص على رفع قيمة العلم والعقل والنظر والتفكر والتدبر! ولن يجد العالم مثل المسلم في حرصه على الحق والتضحية في سبيله بكل نفيس بسبب شدّة وضوح ذلك في دينه.
والنتيجة التي نصل إليها أن الموضوعية من المصطلحات المجملة، والصحيح منه قد دلّ الإِسلام على عناصره بأجمل طريقة، والأيديولوجي منه، والضار لابد أن نحذر منه، وأن ننتبه له وأن لا نسمح لتيارات التغريب أن تُقحمه في كتب المناهج الفكرية والعلمية وفلسفات العلم وتصوره كمسلَّمة لتقدم العلم وسلامة المنهج العلمي بينما هو طريقة لإقصاء الدين.
استبعاد جانب القيم بحجة الموضوعية:
لم تعد الموضوعية في المجال العلمي تعني عدم تأثير الميل الديني الشخصي على الحقيقة فقط، بل تعني إبعاد القيم عن مجال العلم؛ بحجة أن القيم تؤثر على النشاط العلمي.
إن الموضوعية العلمانية تطلب عدم وجود قيم في مجال العلوم الاجتماعية المتعلقة بالإنسان رغم أهميتها. وتطلب عدم وجود مصدر غير حسي في مجال العلوم، مع أنه حتى في باب العلوم الطبيعية في عصرها الراهن لم يعد يُكتفى بالجانب الحسي، ولا فلسفة العلم المعاصرة تقبل بإمكانية معرفة حسية موضوعية خارجية دون تدخل الذاتي فيها. وتطلب أخيرًا بإيجاد معايير متحيّزة ضد الديني في المناهج العلمية، سواء تعلقت بالعلوم الاجتماعية أو بالعلوم الطبيعية، لتكشف عن بعد أيديولوجي تُغذّيه التيارات المادية والإلحادية المزدهرة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وما بعده رغم بوادر تراجعها بعد الثورة التي حصلت في الفيزياء المعاصرة.
يقول طه عبد الرحمن: "لقد قام النمط المعرفي الحديث منذ نشأته في مطلع القرن السابع عشر (11 هـ) على أصلين اثنين يقضيان بقطع الصلة بصنفين من الاعتبارات التي يأخذ بها كل متدين.
أما الأصل الأول، فيمكن أن نصوغه كما يلي:"لا أخلاق في العلم"؛ مقتضى هذا الأصل أن لكل واحد -أو جماعة- أن يضع بنيان نظريته بحسب ما شاء من القرارات المعرفية والإجراءات المنهجية ما عدا أن يجعل فيها مكانًا للاعتبارات التي تصدر عن التسليم بقيم معنوية مخصوصة أو عن العمل بقواعد سلوكية معينة. . . . لقد تفرع على الأصل الأول الذي يقول بفصل العلم عن الأخلاق المبدآن المشهوران:
أ- مبدأ الموضوعية، وهو يقضي بأن يكون النظر العلمي مستقلًا كل الاستقلال عن آثار الذات الإنسانية؛ ولما كان هذا الاستقلال ادعاء بعيد التحقق، عسير الإثبات، اخترنا أن نسمي هذا المبدأ بـ "مبدأ الموضوعية الجامدة"، تمييزًا له عن مبدأ آخر يأخذ بموضوعية غير جامدة أو قل "حرِكة""بكسر الراء"، إذ يقتضي أن تشترك قيم الذات الداخلية مع مدركات النظر الخارجية في تأسيس المعرفة تأسيسًا موجَّهًا "بفتح الواو المشددة" ومقوَّمًا "بفتح الواو المشددة"، لا تأسيسًا مجردًا" (1).
أقف مع شرط الموضوعية في العلوم الاجتماعية القائم على استبعاد جانب القيم في أثناء البحث الاجتماعي، ولاسيّما في العلمين المهمين "علم النفس وعلم الاجتماع"، وفي ذلك يقول أمزيان:"حيث ارتبط قيام الاتجاه الوضعي بالدعوة إلى تحقيق الموضوعية العلمية في مجال الإنسانيات تمامًا كما تم تحقيقها في مجال الطبيعيات، واعتبرت الوضعية ابتداء أن ارتباط العلم بالأخلاق والقيم من مخلفات القرون الوسطى ومن سمات الفلسفات الميتافيزيقية التي ظلت منشغلة في تحديد الأهداف والمثل وما ينبغي أن يكون عليه الواقع الاجتماعي بدل الاهتمام بالواقع نفسه في لحظته الراهنة"(2)، ونسجل ابتداء أنها مشكلة
(1) سؤال الأخلاق، طه عبد الرحمن ص 92 - 93. أما الأصل الثاني فهو لا غيب في العلم.
(2)
تلازم الموضوعية والمعيارية في الميثودولوجيا الإِسلامية ص 85، من كتاب: قضايا المنهجية في العلوم الإِسلامية والاجتماعية.
مفتعلة أفرزتها ظروف شاذة. . . . وتعبر عن هموم الغرب. . . . لا يصح تحويلها لمشكلة كونية (1). . . .، ومن ثم تعميمها على كل البيئات العلمية في الحضارات المختلفة، ولكن طائفة من المتغربين أو ممن تأثر بالتغريب قد انساق خلفها. فهذا -مثلًا- باحث اجتماعي يقول:"ويتميز منهج علم الاجتماع الأخلاقي بالتزام الموضوعية بالتجرد والنزاهة. . . .، حين يستبعد الباحث كل نزعة ذاتية أو عاطفة دينية حتى يدرس كل ما عنّ له من ظواهر خلقية يجمعها في حرص، ويصفها في أمانة ويدرسها في موضوعية خالصة. . . . بعد أن يخلع رداء العقيدة، وبعد أن يتجرد عن كل قيمة شخصية مسبقة"(2)، وهذا يندرج في السياق العلماني لعلم الاجتماع الحديث، وكما يقول المفكر محمَّد أمزيان عنه: فصل رواده الأوائل "بين البحث الاجتماعي وبين مجال القيم. . . . فقد كانت القيم تمثل في نظر علماء الاجتماع أخطر عائق في سبيل تقدم البحث العلمي، حيث اعتقدوا بأن البحث العلمي لابدّ وأن يكون بحثًا محايدًا، ومجردًا من كل القيم والمعايير الأخلاقية. . . . الالتزام الأخلاقي أو النظرة المعيارية في نظرهم تعبر عن ميولات إنسانية ذاتية، وعلى الباحث أن يتخلى -إذا أراد أن يكون نزيهًا وعلميًا وموضوعيًا- عن كل القيم والأفكار التي يعتنقها، وكل التزام قيمي يعتبر خروجًا عن المنهج العلمي وخروجًا عن علم الاجتماع. هذه القناعة المنهجية التي نادى بها علماء الاجتماع، ستنتقل بشكل آلي إلى القائمين على تدريس المواد الاجتماعية في الجامعات العربية والإِسلامية وذلك من موقع التقليد لما هو سائد في الغرب"(3).
ثم ذكر نماذج من ذلك، وذكر بعدها صورًا جديدة في الغرب انقلبت على التصور الوضعي القديم بعد أن رأت فشل الأوائل في تطبيقه، بل تقمصوا قيمًا علمانية في أثناء نشاطهم العلمي تعارض الموضوعية. وقد أبدع المؤلف في نقص هذه الخطيئة المنهجية، فالربط بين البحث العلمي والقيم الأخلاقية أكثر نفعًا
(1) انظر: المرجع السابق ص 58.
(2)
قضايا علم الأخلاق، دراسة نقدية من زاوية علم الاجتماع، د. قباري إسماعيل ص 20.
(3)
منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، محمَّد أمزيان ص 335 - 336، وانظر له أيضًا: تلازم الموضوعية والمعيارية في الميثودولوجيا الإِسلامية ص 85 وما بعدها، من كتاب قضايا المنهجية في العلوم الإِسلامية والاجتماعية.
للبحث العلمي والموضوعية؛ إذا كانت تلك القيم ذات أصل إسلامي تلزم تصوراته وتوجيهاته.
والعجيب أن نجد من يتجاوز الكلام عن موضوعية العلم إلى اتهام الحضارة الإِسلامية بأثر القيم على ضعفها العقلي كما يوحي بذلك كلام الدكتور محمَّد الجابري الذي يقول: "إن المعطيات السابقة تجعلنا، من الناحية المبدئية على الأقل، في وضع يسمح لنا بالقول: إن "العقل العربي" تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء. ونحن نقصد بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعًا له ومرتكزًا. وهذا في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها. إن النظرة المعيارية نظرة اختزالية، تختصر الشيء في قيمته، ومن ثمّ في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص "والمجتمع والثقافة" صاحب تلك النظرة. أما النظرة الموضوعية فهي نظره تحليلية تركيبية: تحلل الشيء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه"(1)، وهو بهذا يُعلي من العقل الأوروبي الموضوعي على حساب العقل العربي القيمي غير الموضوعي، العقل الأوروبي عقل موضوعي؛ لأنه لا يهتم بالقيم والأخلاق بخلاف العقل العربي، وكما يقول د. هشام غصيب:"ومن هذا المنظور، فإن العقل الأوروبي يتميز في أنه يتصور ذاته أداة لإدراك آليات الموضوع "الطبيعية بخاصة" وأسبابه. أما العقل العربي فيتصور ذاته أداة أخلاقية لضبط سلوك البشر في اتجاه مرضاة الله وتعزيزًا للإيمان بالله. ."(2)، ولا يختلف غصيب كثيرًا عن الجابري -رغم نقده له-؛ لأن هناك تعزيزًا لاتهام الحضارة الإِسلامية بأنها تُقدم الأخلاق على العقل مع أن الحضارة الإِسلامية تربط الأخلاق والعقل ولا ترى تعارضًا حقيقيًا بينهما، والحقيقة العلمية لا تتعارض مع القيمة الأخلاقية في التصور الإسلامي.
وإن ما توصل إليه الجابري -في الكلام السابق- من كون الحضارة
(1) تكون العقل العربي، د. محمَّد الجابري ص 31 - 32.
(2)
هل هناك عقل عربي؟. . . . د. هشام غصيب ص 76.