الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - حرص لقمان الحكيم:
1 -
(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(1).
2 -
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(2).
((والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدلّ على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ)، أو قال له قولاً به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال:(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ووجه كونه عظيماً، أنه لا أفظع وأبشع ممّن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك
(1) سورة لقمان، الآية:13.
(2)
سورة لقمان، الآيات: 16 - 19.
من الأمر شيئاً، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالربّ الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلاّ منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟؟!
وهل أعظم ظلماً ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أخس المراتب جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلماً كبيراً.
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) أي في وسطها (أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ) في أي جهة من جهاتهما (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) لسعة علمه، وتمام خبرته، وكمال قدرته، ولهذا قال:(إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أي: لطيف في علمه وخبرته، حتى اطلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار. والمقصود من هذا، الحثّ على مراقبة الله، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قَلَّ أو كَثُرَ. (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) حثّه عليها، وخصّها لأنها أكبر العبادات البدنية، (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه. والأمر بما لا يتمّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله:(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) ومن كونه فاعلاً
لما يأمر به، كافّاً لما ينهى عنه، فتضمّن هذا، تكميل نفسه بفعل الخير، وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه. ولما علم أنه لا بدّ أن يبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال:(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ) الذي وعظ به لقمان ابنه (مِنْ عَزْمِ الأمُورِ) أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتمّ بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم. (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك للناس، تكبُّرًا عليهم، وتعاظماً. (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا) أي: بطراً، فخراً بالنعم، ناسياً المنعم، معجباً بنفسك. (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) في نفسه وهيئته وتعاظمه (فَخُور) بقوله. (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أي: امش متواضعاً مستكيناً، لا مَشْيَ البطر والتكبّر، ولا مشي التماوت. (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أدباً مع الناس ومع الله، (إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ) أي أفظعها وأبشعها (لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختصّ بذلك الحمار، الذي قد عُلمت خسّته وبلادته. وهذه الوصايا، التي وصّى بها لقمان لابنه، تجمع أمّهات الحِكَم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمراً، وإلى تركها إن كانت نهياً. وهذا يدلّ على ما ذكرنا في تفسير الحكمة، أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب