الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فحينئذ ندم نوح عليه السلام، ندامة شديدة، على ما صدر منه، و (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودلّ هذا على أن نوحاً عليه السلام، لم يكن عنده علم، بأن سؤاله لربه، في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله:(وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) بل تعارض عنده الأمران، وظنّ دخوله في قوله:(وَأَهْلَكَ). وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم)) (1).
2 - إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام:
1 -
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(2).
((يخبر تعالى، عن عبده وخليله، إبراهيم عليه السلام، المتفق على إمامته وجلالته، الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدّعيه، بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، أي: بأوامر ونواهي، كما هي عادة اللَّه في ابتلائه لعباده، ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق، الذي ترتفع درجته،
(1) تيسير الكريم الرحمن، (ص 382 - 383).
(2)
سورة البقرة، الآية:124.
ويزيد قدره، ويزكو عمله، ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام، الخليل عليه السلام.
فأتمّ ما ابتلاه اللَّه به، وأكمله ووفَّاه، فشكر اللَّه له ذلك، ولم يزل اللَّه شكوراً، فقال:(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أي: يقتدون بك في الهدى، ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدائم، والأجر الجزيل، والتعظيم من كل أحد.
وهذه - لعمر اللَّه - أفضل درجة، تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام، شمّر إليه العاملون، وأكمل حالة حصّلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم، من كلِّ صدّيق متَّبِعٍ لهم، داعٍ إلى اللَّه وإلى سبيله.
فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذرّيته (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)؛ لتعلو درجته ودرجة ذريّته، وهذا أيضاً من إمامته، ونصحه لعباد اللَّه، ومحبّته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية، والمقامات السامية.
فأجابه الرحيم اللطيف، وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام، فقال:(لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي: لا ينال الإمامة في الدين، من ظلم نفسه وضرّها، وحطّ قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبّة التامّة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟
ودلّ مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها)) (1).
2 -
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(2).
أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعَوَا اللَّه أن يتقبّل منهما عملهما، حتى يحصل فيه النفع العميم.
ودعَوَا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته، خضوع القلب، وانقياده لربه، المتضمِّن لانقياد الجوارح. (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) أي: علّمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلّها، كما يدلّ عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعمُّ من ذلك، وهو الدّين كلّه، والعبادات كلّها، كما يدلّ عليه عموم اللفظ، لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبّدات الحج، تغليباً عرفياً، فيكون
(1) تيسير الكريم الرحمن، (ص 65).
(2)
سورة البقرة، الآيتان: 127 - 128.
حاصل دعائهما، يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولمّا كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا:(وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(1).
3 -
(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(2).
(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ) امتثالاً لربه: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) إخلاصاً وتوحيداً، ومحبة، وإنابة فكان التوحيد للَّه نعته. ثم ورثه في ذريته، ووصّاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب، فوصّى بها بنيه.
فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصّاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء قال:(يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحساناً إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك، فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، لأن من عاش على شيء، مات عليه، ومن مات على شيء، بعث عليه)) (3).
(1) تيسير الكريم الرحمن، (ص 66).
(2)
سورة البقرة، الآيتان: 131 - 132.
(3)
تيسير الكريم الرحمن، (ص 66).
4 -
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1).
((أي: (وَ) اذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه الحالة الجميلة، إذ قَال:(رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ) أي: الحرم) آمِنًا (فاستجاب الله دعاءه شرعاً وقدراً، فحرّمه الله في الشرع، ويسّر من أسباب حرمته قدراً ما هو معلوم، حتى إنه لم يُرده ظالم بسوء إلاّ قصمه اللَّه، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم.
ولما دعا له بالأمن دعا له ولبنيه بالأمن، فقال:(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ) أي: اجعلني وإياهم جانباً بعيداً عن عبادتها، والإلمام بها، ثم ذكر الموجب لخوفه عليه وعلى بنيه بكثرة من افتتن، وابتلي بعبادتها فقال:(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) أي: ضلوا بسببها، (فَمَنْ تَبِعَنِي) على ما جئت به من التوحيد والإخلاص للَّه ربّ العالمين (فَإِنَّهُ مِنِّي) لتمام الموافقة، ومن أحبّ قوماً وتبعهم التحق بهم.
(وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا من شفقة الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث دعا للعاصين بالمغفرة والرحمة من اللَّه،
(1) سورة إبراهيم، الآيتان: 35 - 36.
واللَّه تبارك وتعالى أرحم منه بعباده، لا يعذب إلا من تمرّد عليه)) (1).
5 -
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)(2).
وذلك أنه أتى بـ (هاجر) أم إسماعيل، وبابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة، وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن، ولا داعٍ، ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء، فقال - متضرعاً متوكلاً على ربه:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: لا كل ذريتي؛ لأن إسحاق في الشام، وباقي بنيه كذلك، وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته، وقوله:(بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) أي: لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة، (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة من أخصّ وأفضل العبادات الدينية، فمن أقامها كان مقيما لدينه، (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أي: تحبّهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه، فأجاب اللَّه دعاءه، فأخرج
(1) تيسير الكريم الرحمن، (ص 426 - 427).
(2)
سورة إبراهيم، الآيات: 37 - 40.
من ذرية إسماعيل محمداً صلى الله عليه وسلم، حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي، وإلى ملة أبيهم إبراهيم، فاستجابوا له، وصاروا مقيمي الصلاة. وافترض اللَّه حجّ هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم، وجعل فيه سراً عجيباً جاذباً للقلوب، فهي تحجّه، ولا تقضي منه وطراً على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه، ازداد شوقه، وعظم ولعه، وتوقه، وهذا سرّ إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فأجاب اللَّه دعاءه، فصار يجبى إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرّفة كل وقت والثمار فيها متوفرة، والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب.
(رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) أي: أنت أعلم بنا منّا، فنسألك من تدبيرك، وتربيتك لنا، أن تيسّر لنا من الأمور التي نعلمها، والتي لا نعلمها، ما هو مقتضى علمك ورحمتك، (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)، ومن ذلك هذا الدعاء الذي لم يقصد به الخليل إلا الخير، وكثرة الشكر للَّه ربّ العالمين. فهبتهم من أكبر النعم، وكونهم على الكبر في حال الإياس من الأولاد نعمة أخرى، وكونهم أنبياء صالحين أجلّ وأفضل، (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: لقريب الإجابة ممّن دعاه، وقد دعوته فلم يخيب رجائي)) (1).
(1) تيسير الكريم الرحمن، (ص 427 - 428).