الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث العاشر: تعليمهم التعليم الشرعي
يبدأ التعليم للطفل من أول خروجه من بطن أمه إلى هذه الحياة؛ لأنه من المستحب أن يسمع ما يطرد الشيطان عنه، وأن يطرق سمعه كلام حسن. وقد ورد في الحديث عن أبي رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذَّن في أُذن الحسن بن علي عند ولادته (1)، لأن هذا الكلام أحسن كلام يطرق أذن المولود، وحيث إن الطفل يعتبر صفحة بيضاء فاستحب أن يسمع أولاً وقبل كل شيء ذكر الله الذي يطرد الشيطان، ثم على والد الطفل عندما يبلغ سن التعليم، وقد يبدأ من استطاعة الطفل على النطق بالكلام فليقنه (لا إله إلا الله)، ويغرس حب الإسلام في قلبه، والعلم هو الذي يهدي الإنسان إلى معرفة خالقه سبحانه وتعالى، قال تعالى:{شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (2).
وقال عز وجل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الصبي يولد فيؤذن في أذنه (رقم 5105)، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود (رقم 1514)، والبيهقي في الكبرى (9/ 305 رقم 19086)، والحاكم (3/ 197 رقم 4827)، وأحمد (6/ 391)، والطبراني في الكبير (1/ 313 رقم 926)، والبزار (9/ 325 رقم 3879)، وابن أبي الدنيا في العيال (رقم 54) وصححه الحاكم وحسنه محقق كتاب العيال الدكتور/ نجم عبد الرحمن بن خلف. بينما ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (رقم 1514) وفي ضعيف سنن أبي داود (رقم 5105).
(2)
سورة آل عمران، الآية:18.
* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} (1).
وقال سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} (2).
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (3).
كما جاء في السنة الأمر بتعليم الأطفال كل ما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، وأول شيء يلقن لهم ويلقى في أسماعهم، أعذب الكلام وأطيبه، وهو ذكر الله سبحانه وتعالى.
قال أبو رافع: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم: ((أذَّنَ في أُذُنِ الحَسنَ بن علي حينَ وَلَدَتْهُ فاَطِمَة)) (4). ويتعين على الوالد والوالدة مواصلة تعليم الطفل وتربيته بحسب ما تقتضيه مراحل نموه، فيُعلَّم كيف ينطق ثم الكلام، وأحسن ما يقال له في هذا هو تلقينه لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل هذا عند الطفل من باب التسلية له، ويحسن تعليم الأطفال كل ما ينفعهم ويقوي أجسادهم، يقول أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه: ((علِّموا أولادكم السباحةَ والرمي،
(1) سورة العلق، الآيات: 1 – 5.
(2)
سورة الزمر، الآية:9.
(3)
سورة فاطر، الآية:28.
(4)
أخرجه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود، (برقم 1514)،وسبق تخريجه. وانظر: تحفة المولود لابن القيم (ص 133). وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (رقم 1514) وفي ضعيف أبي داود (رقم 5105).
ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً)) (1). ومن ذلك يجب على الأب أن يعلِّم ابنه الصلاة ويرغِّبه فيها إذا بلغ سبع سنين.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((مُرُوا أبْنَاءكم بالصَّلاةِ لسبعٍ، واضْرِبُوهُم عَلى تَرْكِها لِعَشْرٍ، وفرِّقُوا بَيْنهم في المضَاجِعِ)) (2).
وأعظم العلوم: القرآن، فينبغي لوالد الطفل ووالدته أن يُعلَّموا أولادهم القرآن من الصِّغر.
وعلى الأب أن يجتنب القسوة والضرب في أول أمر الطفل إلا بعد العاشرة إذا تكاسل عن الصلاة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً للرحمة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي قتادة:((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب على عنقه، فإذا ركع أو سجد وضعها، وإذا جلس ردها في مكانها، وهكذا حتى انتهى من صلاته)) (3).
(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور (4/ 86) مقتصراً على الجزء الأول. وانظر: فيض القدير (4/ 327)، بينما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (6/ 70) بلفظ:((اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثباً)). وقال الألباني عن الجزء الأول في ضعيف الجامع (رقم 3727) ضعيف جداً.
(2)
أخرجه أحمد (2/ 187)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (رقم 495)، والبيهقي في الكبرى (2/ 228 رقم 3050)، والدارقطني (1/ 230 رقم 2، 3)، وابن أبي شيبة (1/ 304 رقم 3482)، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص 95)، وحسنه محقق كتاب العيال لابن أبي الدنيا (رقم 297). وصححه الألباني في إرواء الغليل (1/ 266)(2/ 7).
(3)
أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (رقم 516)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة (رقم 543).
ومن حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه (1).
وقد اعتبر صلى الله عليه وسلم تأديب الطفل حق من حقوقه على والده، فقال فيما رواه عنه أبي سعيد وابن عباس رضي الله عنهما:((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَلْيُحْسِن اسمُهُ وأدَبَه، فَإذَا بَلَغَ فَلْيُزوِّجهُ، فإنْ بَلَغَ ولم يُزَوِّجهُ فأصَابَ إثْماً فإنَّما إثْمُهُ عَلى أبِيهِ)) (2).
وكان عليه الصلاة والسلام يهتم بالأطفال، ويعتني بهم، ويعلمهم الأدب حتى طريقة الأكل والشرب وغير ذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة عندما رآه يأكل وتطيش يده في الصحفة:((يا غُلام سمِّ الله، وكُلْ بِيَمينكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيْكَ)) (3).
وقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ((يا غُلَامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لم يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله لك، وَلَوِ اجْتَمَعُوا على أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)). رواه الترمذي. وفي رواية
(1) إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 217).
(2)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6/ 401 رقم 8666)، وابن أبي الدنيا في العيال (رقم 173). وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح (2/ 939 رقم 3138)، ولم يحكم عليه الألباني بشيء، بينما ضعفه في السلسلة الضعيفة (2/ 163 – 164 رقم 737).
(3)
أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين (رقم 5376)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (رقم 2022).
لغير الترمذي: ((احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وما أصَابَكَ لم يَكُنْ ليخطئك، وَاعْلَمْ أَنَّ النصرَ معَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ معَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مع الْعُسْرِ يُسْرًا)) (1).
هذا التوجيه الكريم من المصطفى صلى الله عليه وسلم للأمة في شخصية ابن عباس رضي الله عنهما ليس تربية على الزهد أو توجيهها إلى اعتزال الحياة، ولكنها تصحيح العقيدة وتثبيت الإيمان الراسخ في قلب عبد الله بن عباس حتى لا يفسدها فقر أو حرمان، أو يطغيها ثراء أو متاع أو يحول بينها وبين عقيدتها عرض أو جاه، فهذه النصوص المذكورة تدل دلالة واضحة على مدى عناية الشريعة بالعلم والتعلم، إذاً فواجب على كل والد أن يربي أولاده على الأخلاق الفاضلة ويعلمهم دينهم، وأفضل ما يعلم الطفل قبل كل علم بعد استقامة لسانه هو القرآن الكريم؛ لأنه حبل الله المتين، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن تمسك به لم يضل. ثم بعد ذلك يُعلِّمه الصلاة إذا بلغ سبع سنين مع استمراره في تعلم القرآن والسنة النبوية على قدر تحمله وطاقته، ويكون ذلك على أيدي رجال صالحين، وهذان الأصلان العظيمان هما أساس
(1) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة (رقم 2516)، والحاكم (3/ 623 رقم 6303)، والطبراني في الأوسط (5/ 316 رقم 5417)، وفي الكبير (11/ 123 رقم 11243)، وأبو يعلى (4/ 430 رقم 2556)، وأحمد (1/ 293)، والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 434 رقم 745)، وعبد بن حميد (رقم 636) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/ 609 – 610 رقم 2516).
الدين ومصدره، فإذا تعلم الناشئ هذا القرآن وهذه السنة المطهرة وتعمق فيهما وفهم الأحكام والعبادات، والمعاملات، والآداب كان من الذين وصفهم الله بالعلم إذا عمل بما علم {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (1).
ونأخذ في هذا الموضع رأي ونظر مؤرخ من مؤرخي الإسلام بعد أن استدلينا من القرآن والسنة المطهرة، ألا وهو ابن خلدون.
يرى ابن خلدون أن مناهج التعليم تختلف باختلاف البيئات الإسلامية، ولكن المسلمين متفقون على أن القرآن هو أصل الدين ومصدر العلوم الإسلامية، ولذلك جعلوه أصلاً من أصول التعليم، وأساساً من أسس التربية الإسلامية، وفي ذلك يقول:((اعلم إن تعليم الوِلدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن، وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الكتاب، وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخاً وهو أصل لما بعده)) (2).
وعلى ما تقدم فإن الأب مسؤول عن تعليم ابنه أمور دينه من أركان وواجبات ومستحبات، وكذلك أمور دنياه، التي تعود عليه
(1) سورة فاطر، الآية:28.
(2)
مقدمة ابن خلدون (4/ 1239) بتصرف.