الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث العشرون: تعليمهم اختيار الجليس الصالح والصاحب الصالح
إن الشريعة الإسلامية قد أرشدت معتنقيها إلى كل فضيلة تعود بالخير عليهم في دنياهم وأخراهم، فلا نجد أمراً من أمور البشرية يهمها ويسعدها إلا وقد جاء الإسلام بحكم واضح فيه، ويكون هذا الحكم شافياً كافياً، فقد شرع الإسلام اختيار الجليس الصالح، فمن هنا يجب على الآباء إرشاد أبنائهم إلى مجالسة الصالحين والتزام مجالسهم؛ فإن الصالح لا يأتي إلا بخير، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: ((المرءُ عَلى دِينِ خَلِيْلِهِ، فَلْيَنظُر أحَدَكُمْ مَنْ يُخَالل)) (1).
فينبغي لأب الطفل وأمه كذلك أن يلحقا أولادهما برفقة صالحة وإبعادهم عن رفقاء السوء.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ من صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أو تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أو ثَوْبَكَ أو تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً)) (2).
فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى أن الرجل على دين خليله، وأن الجليس السوء مثل حامل الكير: إما أن يجد منه الإنسان ريحاً خبيثة، وإما أن يحرق ثيابه. أما حامل المسك، فإنه لا يجد منه
(1) أخرجه الترمذي (رقم 2378)، وسبق تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري (رقم 2101)، ورقم (5534)، وسبق تخريجه.
صاحبه إلا رائحة طيبة أو يشتري منه مسكاً، فعلى الآباء أولاً إرشاد أبنائهم وأقاربهم وإخوانهم الشباب وغيرهم إلى مجالسة الصالحين، وتحذيرهم من مجالسة الفساق والعاصين؛ فإنهم إذا جالسوا الصالحين فسوف يعينونهم على الحق، ويذكِّرونهم إذا نسوا.
أما أهل الفسق والضلال فإنه لا يأتي منهم إلا شر ولا يعملون إلا فجوراً وعصياناً والعياذ بالله، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بالذي يَعضّ على يديه يوم القيامة ويذكر سبب ذلك أنه: كان جليسه، وخليله، وصديقه الذي كان يرشده ويهديه إلى: الفسق، والكفر، والعصيان، قال عز وجل:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً} (1).
يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقاً أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم (2). وقد قال الله عز وجل:{الأَخِلَاّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِين} (3).
فنأخذ مما تقدم أن الخليل يتحسَّر على ما فعل مع خليله، الذي يعلم أنه لم يردُّه عن طريق الحق إلا هذا الخليل الضال، فقد ردَّه
(1) سورة الفرقان، الآيات: 27 – 29.
(2)
تفسير ابن كثير (3/ 318).
(3)
سورة الزخرف، الآية:67.
من طريق: الحق، والهدى، إلى طريق الباطل، والزور، ومن طريق النور، إلى طريق الظلام الدامس، وردّه من الإيمان إلى الكفر والجحود، فندم حين لا ينفع الندم، فيجب على الآباء إرشاد أبنائهم وتوجيههم إلى مجالسة الأخيار والبعد عن الأشرار.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ، ولهُ ما اكْتَسَب)) (1).
فالواجب على كل مسلم أن يأخذ بالتوجيهات التي وردت في الكتاب والسنة، حتى تصح أحوال أبنائهم، وتسمو أخلاقهم، ويظهر في المجتمع أدبهم وحتى يكونوا في الأمة أداة خير ودعاة إصلاح، ودعاة هداية، فيصلح المجتمع بصلاحهم، وتفخر الأمة: بكريم فعالهم، وجميل صفاتهم (2).
ومن أسباب صلاح الذريّة: تزويج الأبناء بزوجات صالحات، وتزويج البنات بأزواج صالحين؛ لأن الزوج الصالح جليس صالح، والزوجة الصالحة جليسة صالحة، والدعاء للأولاد من القلب واللسان بصدق وإخلاص، والحذر من دعاء الوالدين على أولادهما؛ لأن دعوة الوالد على ولده مستجابة.
*
…
*
…
*
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن المرء مع من أحب (رقم 2386) وقال: هذا حديث حسن غريب. قال الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/ 559 رقم 2386): صحيح بلفظ: «أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبت» .
(2)
تربية الأولاد في الإسلام عبد الله علوان (ص 160).