الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ii - كيميائيون وصنعويون عرب (حتى نحو عام 430 هـ)
خالد بن يزيد
يعد الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية أول عربي أصيل ورد اسمه في مصادرنا العربية، ممن اشتغل في مجالات العلوم الطبيعية المختلفة عامة والصنعة خاصة. أما سنة ولادته فلم تعرف، وإن كانت الروايات تذكر أنه كان وأخوه معاوية أصغر من أن يتمكنا من تولي أعباء الحكم بعد وفاة والدهما (1) 63/ 683. كذلك فإن سيرة خالد موجزة لا تكشف عن أخباره بالتفصيل، منها ما رواه المؤرخ المدائني بخصوص حوار جرى بين خالد وبين محمد ابن فاتح مصر، عمرو بن العاص، يفهم منه أن خالدا كان يعيش في دمشق (2). ويظهر أن كتّاب السير لم يعرفوا سنة وفاته بدقة أيضا، فلم يحددوها بتاريخ معين، بل إن بعضهم سكت عنها وذكر آخرون أنها في حدود سنة 84 هـ أو عام 90 هـ (3). ثم جاء ستابلتون (4) stapleton واطلع على مخطوطة كان قد عثر عليها يذكر فيها أن خالدا صنف كتابه «في الصنعة الشريفة
(1) انظر) geseh iehtederchalifen تاريخ الخلفاء) م لصاحبه g.weil ص 299 - 490؛ روسكا:
صنعويون عرب arabi schealehemisiten ج 1، ص 6 - 7.
(2)
الأغاني م طبعة بولاق ص 88، طبعة ساسي ص 86.
(3)
ابن حجر: التهذيب ج 3 ص 128.
(4)
.61/ 1910 /3 masb
وخواصها» في دمشق ذاتها في بيت خالد بن مسلمة بن زيد عام 101 هـ/ 719 م، فاستطاع أن يتخذ هذه السنة حدّا أدنى «terminusaquo» في تحديد سنة الوفاة. وعزز هذا التحديد كشف آخر عثر عليه ستابلتون stapleton نفسه جاء فيه أن خالدا نظم لابن عمه يزيد بن عبد الملك قصيدة في الصنعة وذلك عام 102 هـ/ 720 م (1). ونظرا للتضارب الزمني الذي (انظر بعده ص 183) تراءى ل ستابلتون stapleton بادئ ذي بدء، مما دعاهإلى اعتبار المخطوطة تلك ضربا من الزيف. ولم يستطع أن يقدر أهمية التاريخ المذكور في تلك المخطوطة تقديرا صحيحا. وتساهل روسكا فيما بعد كثيرا حينما اعتبر ذلك التاريخ علامة زيف الكتاب المنسوب إلى خالد، حيث قال إنه لا داعي «للشك فيما ذكر ابن خلكان وغيره من المؤرخين من أن خالدا توفي عام (76 هـ) 704 م» وأنه لا يعلم «شئ عن إقامة طويلة لخالد في دمشق» (2). ولقد أشرنا آنفا إلى تردد المصادر فيما يتعلق بسنة وفاة خالد وزمن إقامته في دمشق.
يؤخذ مما ذكره خالد أنه انصرف انصرافا تامّا إلى دراسة العلوم عامة وعلم الصنعة خاصة وذلك بعد أن اختزلت دونه الخلافة (3). وكثيرا ما تشك الدراسات الحديثة في الأخبار التي ترجع إلى المصادر الغابرة، والمتعلقة باشتغاله في الصنعة وبدعوته العلماء إلى ترجمة الكتب من اليونانية إلى اللغة العربية. وبغض انظر عما ذكره جابر بن حيان في كتابه «كتاب سر الأسرار» (4)، فإن أقدم نص بين أيدينا عن اشتغال خالد بالكيمياء. هو الذي كتبه الجاحظ:«لقد كان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا وشاعرا كما كان فصيحا جامعا، جيد الرأى، كثير الأدب وكان أول من ترجمت له كتب النجوم (وربما كتب الفلك أيضا) والطب والكيمياء» (5). ثم يلي الجاحظ البلاذري (6)(ت 279/ 892)، من حيث الترتيب الزمني التاريخي، الذي ذكر
(1) ر.128/ 1936 /26 isis
(2)
(صنعويون عرب arab ischealchemisten (ج 1 ص 29.
(3)
ابن النديم ص 354.
(4)
كراوس، i ص 137.
(5)
«البيان والتبيين» ج 1 ص 328؛ ابن النديم ص 354
(6)
«أنساب الأشراف» ج 4 ص 65.
اشتغال خالد بالصنعة؛ أما كتاب الأغاني (1)، وإن كان الحكم فيه غير إيجابي إذ جاء فيه أن خالدا شغل نفسه بطلب الكيمياء فأفنى بذلك عمره وأسقط نفسه، فإن في هذا الكتاب شهادة أخرى قديمة، فهي ترجع عن طريق المؤرخ المدائني إلى أحد عصريي خالد (2). كذلك كتب المؤرخ المسعودي (ت: 345/ 956) في كتابه مروج الذهب، عن اشتغال خالد بالكيمياء ودوّن فيه ثلاثة أبيات من قصيدة في الكيمياء (3).
والمسعودي نفسه خصص للكيمياء والكيميائيين بابا منفردا في كتابه التاريخي الضخم المفقود «أخبار الزمان» . وأما البيروني (ت: 440/ 1048) فيصف خالدا بأنه أول فيلسوف مسلم، أخذ علمه عن دانيل. «daniel» (4) ونحن ندين لابن النديم، الذي رأى من شعر خالد نحو خمسمائة ورقة ورأى «كتاب الحرارات» و «كتاب الصحيفة الكبير» و «كتاب الصحيفة الصغير» و «كتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة» (5)، ندين له بمعلومات واقعية في أعمال خالد في الصنعة ودوره بالنسبة لأولى الترجمات. هذا وقد ذكر لنا ابن النديم (6) في موضع آخر أن خالدا استدعى عددا من العلماء اليونانيين ممن كان ينزل مصر وقد تفصح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى اللسان العربي. وذكر ابن النديم، اصطفن القديم في جملة أولئك المترجمين (7). واصطفن هذا هو- على ما يبدو- اصطفن ذاك الذي ذكره ابن النديم (8) مع الصنعويين، وكان معلما من معلمي خالد والذي سمّاه خالد في رسالة من الرسائل:
(1) الأغاني ج 16 طبعة بولاق ص 88؛ طبعة ساسي ص 86.
(2)
المصدر المذكور له أنفا ص 5.
(3)
«مروج الذهب» ج 8 ص 176.
(4)
«الآثار الباقية» ص 302؛ روسكا: صنعويون عرب arab ischealchemisten ج 3 ص 31.
(5)
ابن النديم ص 354.
(6)
ابن النديم ص 242.
(7)
ابن النديم ص 244.
(8)
ابن النديم ص 354.
اصطفن الراهب (1). ولم يكن روسكا محقّا حينما ربط بين اصطفن هذا وبين العالم البيزنطي الشهير ذي الاسم ذاته (انظر قبله ص 157) من جهة، وبينه وبين عالم بالاسم نفسه ولكن من القرن الثالث/ الرابع الهجري من جهة أخرى، فوجد من تركيبته هذه تضاربا زمنيا حقا (2).
وممن ذكر خالد من المعلمين، معلما يقال له مريانس، «marianus» جاء من روما إلى الإسكندرية، فتعلّم فيها على يد رجل يدعى أزفر) azfar هكذا الصيغة المنقولة إلى اللاتينية، والغالب هو اصطفن) والتقى بخالد في نواحي القدس. وقد ذكر خالد علاقته بمريانس وكيف حصل على معارفه في الكيمياء ذكرها في ثلاث رسائل. وكان هناك ميل إلى اعتبار هذه الرسائل التي ذكرها ابن خلكان، والتي كان يبدو إلى عهد قريب أنها حفظت لنا باللغة اللاتينية فقط، اعتبارها زيوفا لاتينية، بالرغم مما تفيده الرسائل من أنها ترجمة من ترجمات. ro bertuscastrensis
أما روسكا الذي عرف إفادة ابن خلكان فيما يتعلق بهذه الرسائل الثلاث، فيعتقد أن العرض العربي لم يكن أكثر من أساس للرسالة اللاتينية (3). وأما رايتسن شتاين، reitzenstein الذي درس الرسائل الثلاث دراسة مكثفة قبل روسكا، فقد استطاع أن يثبت أن بعض أجزاء هذه الرسائل موجود في الآداب اليونانية، وقال في ذلك: «لقد جعل الفيلسوف اصطفن العلم في الصنعة أهلا لبلاط القصر، فلقد ربط بين هذا العلم وبين الرهبانية النصرانية التي كانت قد أصبحت ذات صيغة أفلاطونية حديثة، فأثار بذلك اهتمام أمير الحرب الجبار هرقل بها. ثم ظهرت الصنعة كحكمة مرتبطة بتعظيم الله ارتباطا وثيقا- في الاسكندرية مرة أخرى- لعظماء العرب أولا. وهكذا
(1) «تحدث خالد عن ذلك قائلا: رأيت
…
أنهم ترفعوا عن بيانها
…
قرأت الكثير من كتبهم ودرست أقوالهم وقارنت فيما بينها، فتحيرت وضللت طريق فهم ما أشاروا إليه، حتى قادني ذلك إلى زيارة الراهب اصطفن (
…
)، رغبة في الصنعة وتعطشا الى معرفتها، زرته مخفيّا عليه شخصي ومنصرفا إلى خدمته. فلما لاحظ معرفتى وحسن تصرفى، شرع يكشف الغامض بكلمات واضحة تؤدى إلى الفهم
…
».
: stapleton) مجلة؛ 86/ 1910 /3 masb روسكا: صنعويون عرب arab ischealchemisten ج 1 ص 10).
(2)
المصدر المذكور له آنفا ص 31 منه.
(3)
المصدر المذكور له آنفا ص 10 وص 42.
واصلت أقدم الآداب العربية مسيرة الآداب البيزنطية في روحها وصيغتها الأدبية، بل إن العربي الأول الذي تلقاها، حذا حذو هرقل القيصر .. وقد وجد أمامه إدخال القصائد في الكيمياء عند البيزنطيين .. ولقد ذكر (خالد) راهبا يدعى مريانس معلما له .. لا يمكن لهذا أن يكون زيف الرجل اللاتيني .. ؛ أما التفسير الأمثل ففي الآداب الصنعوية البيزنطية حيث يؤخذ منها .. حوار ذكر فيها، كان بين هرقل واصطفن. لقد عرفت علاقة الرجلين أحدهما بالآخر، بأنها رابطة تلميذ بأستاذه. اقتداء بهذا النموذج، رسم أحد نصارى الاسكندرية ومن متكلمي العربية، وبعد موت خالد، ولكن في القرن الثامن بعد، رسم علاقة مريانس وعلاقة خالد .. (1)».
وروسكا الذي توصل (2) عام 1923 م في كلامه عن زمن تأليف رسائل مريانس إلى نتائج بعيدة جدّا عما توصل إليه رايتسن شتاين، reitzenstein وذلك حينما اعتبرها زيفا لاتينيّا متأخرا جدّا، إن روسكا هذا كان مستعدّا مسبقا لاعتبار البيانات المتعلقة بعمل خالد في الصنعة، بل وفي العلوم الطبيعية ضربا من الأساطير، ولكن لم تتوافر لروسكا في دراسته أية رسالة عربية كاملة من رسائل خالد، وإنما تكونت مادة دراسته من الأبيات الشعرية الثلاثة التي ذكرها المسعودي، ومن بعض السطور التي أوردها ستابلتون stapleton إبان وصفه لرسالتي- خالد اللتين اكتشفهما في رامپور. ولقد اعتقد ستابلتون stapleton آنذاك أن إحدى رسالتي خالد منحولة «apokryph» وذلك لأن خالدا ذكر فيها أنه عالج رجلا يسمى «طلحة بن عبيد الله» بعقار من العقاقير، فما كان من ستابلتون stapleton إلا أن اعتبر طلحة هذا هو طلحة بطل موقعة الجمل، الذي قتل فيها عام 36 هـ/ 656 م وقبل أن يولد خالد (3). بيد أن ستابلتون stapleton أقر بصحة الرسالة الثانية (4).
(1)
alchemistisheleh rsehriftenundmar chenbeidenaraber n: r. reitzenstein
(كتب تعليم في السيمياء وحكايات عند العرب). غيسن سنة 1923 ص 66؛ انظر روسكا، المصدر الذي ذكر له آنفا ص 33.
(2)
انظر تقريظه لدراسة رايتسن شتاين reitzenstein في مجلة.506 sp./1923 /26 olz
(3)
.60 /1910 /3 masb
(4)
المصدر المذكور له آنفا ص 61.
ولقد احتج روسكا لدى التسليم بزيف رسالة خالد هذه، احتج قبل كل شئ بما افترضه ستابلتون stapleton من تضارب في التاريخ الزمني وبما أفادته المخطوطة ذاتها من أن الأصل من تصنيف خالد عام 101/ 719 في دمشق في بيت خالد بن مسلمة بن زيد، كما احتج روسكا كذلك، بناء على مقتطفات ستابلتون stapleton باستعمال «النشادر» في الرسالة، والنشادر، كما يرى روسكا، لم يكن معروفا في السيمياء اليونانية وبالتالي لم يعرفه خالد عام 700 ب. م.
ويمكن مواجهة حجتي روسكا الأخيرتين الطاعنتين في أصالة رسالة خالد بما يلي: لقد استطاع ستابلتون stapleton نفسه أن يتبين أن خالدا كان عام 102/ 720 على قيد الحياة، فليس هناك إذن تضارب زمني فيما يفيد عن عمله عام 101/ 719.
كذلك لم يبق لحجة روسكا الثانية التي تفيد أن النشادر لم يكن معروفا لا في عهد خالد ولا قبله، لم يبق لهذه الحجة ما تستند إليه، وأما فيما يتعلق بتحقيق ستابلتون stapleton عن طلحة بن عبيد الله فتجدر الإشارة إلى أن الرسالة تذكر أحد عصريي خالد، فلا بدّ أن يكون قد عاش في زمن خالد أكثر من رجل له نفس اسم طلحة بن عبيد الله الذي قتل في وقعة الجمل وقد ذكر ابن حجر اثنين منهم (1). هذا وقد يكون الأمر متعلقا بتصحيف في كتابة اسم ابن طلحة بن عبيد الله (2) أو طلحة بن عبد الله (3)(4).
(1) طلحة بن عبيد الله بن كريز وطلحة بن عبيد الله العقيلي (التهذيب ج 5 ص 22).
(2)
لقد سمي أحد أبناء طلحة المشهور، آنذاك:«ابن طلحة بن عبيد الله» (ابن سعد ج 8 الطبعة الأولى، ص 99، س 6، يحتمل أنه هو موسى بن طلحة بن عبيد الله الذي توفى عام 103/ 721، انظر ابن حجر: التهذيب ج 10 ص 350 - 351.
(3)
على سبيل المثال: طلحة بن عبد الله بن عوف، توفي عام 99/ 717، المصدر السابق ج 5 ص 19.
(4)
خلال رحلتي الأخيرة استطعت أن أمحص الفقرات المعنية في مخطوطة رامبور وطهران واسطانبول. لقد خرجت بانطباع أن في هذه المخطوطة الكثير من الأخطاء وأن عنوانها لم يضعه المؤلف. هذا ويتراءى لي أن مخطوطة طهران وهي الأحدث (1293 هـ) أنها إما نسخة مباشرة أو غير مباشرة عن مخطوطة رامبور.
أما المخطوطة الثالثة من هذه الرسالة، وهي الأقدم، والتي تفيد أنها النسخة الرابعة لنسخة المؤلف بخط يده؛ أما هذه المخطوطة فقد أكدت ما ذهبت إليه. فلقد جاء في الفقرة المعنية مايلي:«عالجت ابن أبي عبيد الله» ، الأمر الذي يدعو للاعتقاد أن كنية طلحة كانت أبا عبيد الله، أي أن ابنه سمي على اسم جده. المخطوطة: نور عثمانية 3633 (171 ب- 173 ب، القرن التاسع الهجري، و 172 ب الفقرة التي هي موضع تساؤل). فيها: « .. خالد
…
جوّد لولده كتابا، (
…
) حروفا بخطه وتركه ميراثا لولده ويقول في النسخة التي كتبها: هي كتابي بخطي في سنة إحدى ومائة في دار لخالد بن أبي مسلم
…
والنسخة التي كتبها بخطه هي هذه، ونسخت هذه النسخة من ثالث (sic) نسخة نسخت منها على ما وجد
…
». (المؤلف).